Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المكان الثالث يختفي: عزلة رقمية داخل الحشود

ربما ما نفتقده اليوم ليس مجرد موقع بعينه بل القدرة على أن نكون مع الآخرين بلا هدف محدد

أسر أسترالية تخرج إلى الحدائق العامة للاسترخاء (أ ف ب)

ملخص

كانت العلاقات الخفيفة العابرة في المقاهي والحدائق والأندية والمكتبات، التي تزدهر بلا ترتيب مسبق ولا هدف وظيفي، تغذي إحساسنا بالمدينة كبيتنا الكبير، وليس فقط العلاقات الرسمية أو الوطيدة.

قبل أيام دخلت أحد المقاهي المحلية، أخذت قهوتي وجلست أراقب النمط نفسه في كل زاوية من زوايا المقهى. الأجساد موجودة، لكنها غائبة. البعض يكتب على حواسيبه، وكأن كل حرف يطبع في عزلة، والآخرون يحدقون في هواتفهم، يتنقلون بين تطبيقات ووسائط من دون أن يرفعوا أعينهم عن الشاشات، بينما السماعات تفصلهم عن محيطهم.

كنت أفتش عن ذلك الضجيج اللطيف الذي اعتدت عليه، الصوت الخافت للحديث العابر والضحكات الصغيرة، لكن حتى الدردشة صارت نادرة، وكأن كل شخص يلتزم بحدود فردية غير معلنة. لم يعد المكان الثالث مساحة للقاءات العفوية، بل محطة عمل ومكان استهلاك صامت: فنجان قهوة يطلب على عجالة، وحصة يقضيها المرء على الإنترنت، ووقت يمر بلا أثر اجتماعي ملموس.

ليس هذا انطباعاً شخصياً فحسب، إذ تشير دراسة أجريت عام 2022 حول السلوك الاجتماعي في الأماكن العامة في المدن الكبرى إلى أن أكثر من 70 في المئة من مرتادي المقاهي يقضون وقتهم على الأجهزة الرقمية، مع تراجع ملحوظ في التفاعل المباشر بين الزوار. الفارق صار واضحاً: المكان ممتلئ بأجساد، لكن الفراغ الاجتماعي بدا أكبر من أي وقت مضى.

المفارقة هي أن المقهى، مثل بعض الأماكن الأخرى، هو فضاء صمم ليجمع الناس، لكنه اليوم يعكس عزلة متصلة. كل هذه الطاولات المزدحمة لا تخبئ سوى أفراد يعيشون جنباً إلى جنب، لكنهم منفصلون، في تجربة حضرية مشتركة لا معنى لها سوى المرور والوجود الموقت.

ما هو المكان الثالث؟

في ذاكرتي القديمة عن المدينة، كانت هناك فضاءات لم تكن بيتاً ولا مكان عمل، لكنها تجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى شيء أكبر. أتذكر المكتبة العامة، حيث كان الرف الطويل للكتب يدعو إلى المرور على الآخرين فجأة، وليس بالضرورة التحدث معهم، فقط رؤية وجوه حقيقية حاضرة بحق. بينما كانت حدائق الحي بمقاعدها الخشبية وضحكات الأطفال اللاهين دليلاً على وجود مجتمع. وحتى النادي الاجتماعي، الذي لم يكن مجرد مكان لممارسة النشاط البدني، بل كان فضاء للقاءات غير رسمية وسهرات محلية وأحاديث قصيرة عن الطقس والحياة والكتب والمستقبل.

كان هذا كله جزءاً مما يسميه علماء الاجتماع "المكان الثالث"، وهو فضاء يتجاوز ثنائية البيت ومكان العمل، ويمنحنا فرصة وجود علاقات خفيفة غير ملزمة، تجارب صغيرة تشعرنا بأننا ننتمي إلى نسيج حضري مشترك. فلا يكون اللقاء اجتماعاً مصمماً بهدف نتيجة، ولا علاقة قائمة على مصلحة واضحة، بل مجرد وجود جنباً إلى جنب في فضاء يحاكي الحياة نفسها.

 

وقد لاحظ باحثون في علم الاجتماع أن هذه الفضاءات، عندما تكون حاضرة بقوة في المدينة، تعزز شعور الانتماء المجتمعي وتقلل من الإحساس بالعزلة. إذ تشير دراسة ميدانية عن الحياة الحضرية في 10 مدن كبرى إلى أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً منتظماً في المكتبات العامة أو الحدائق يكونون علاقات اجتماعية أكثر ثباتاً من أولئك الذين لا يفعلون ذلك.

وقد عبر الكاتب والمخطط الحضري ريتشارد سينيت في كتابه "انحدار الحياة العامة للإنسان" عن هذا بقوله إن العلاقات الخفيفة العابرة في المقاهي والحدائق والأندية والمكتبات، تلك التي تزدهر بلا ترتيب مسبق ولا هدف وظيفي، كانت تغذي إحساسنا بالمدينة كبيتنا الكبير، وليس فقط العلاقات الرسمية أو الوطيدة.

التحول الصامت من فضاء اجتماعي إلى مساحة وظيفية

مع مرور الأعوام، تغيرت طبيعة استخدام المقاهي والمكتبات والحدائق والنوادي الاجتماعية، ولم تعد مجرد فضاءات للتفاعل العفوي، بل أصبحت أماكن محددة الهدف، حيث يجلس الزائر لإنجاز عمل أو استهلاك سريع.

حتى إن تصميم الطاولات والكراسي أصبح غير مريح عن قصد في كثير من المقاهي، لتقليص مدة الجلوس وتشجيع الحركة المستمرة. كما يوضح جورج ريتزر في كتابه "المجتمع على طريقة ماكدونالدز"، فالهدف ليس الاستمتاع بالمكان أو التفاعل الاجتماعي، بل الاستهلاك السريع والتحكم بالسلوك البشري داخل الفضاء.

 

لا يقتصر هذا على المقاهي، إذ أظهرت دراسة أجريت عام 2021 على سلوك مرتادي المقاهي في المدن الكبرى أن الزوار يختارون الطاولات القريبة من النوافذ أو في الزوايا المخفية عندما يريدون البقاء فترة أطول، مما يعكس تأثير التصميم على الحركة الاجتماعية. ووفق خبراء التصميم الحضري، فإن هذا التحول يمتد إلى الحدائق والمكتبات الحديثة التي أصبح تنظيمها وفق أطر اقتصادية وتقنية يقلص فرص اللقاء العفوي.

العزلة داخل الحشود: الوحدة تجربة حضرية

لم تعد اللقاءات العابرة تحدث في المكان الثالث كما كانت، حتى مجرد تحية بسيطة أصبحت نادرة. لم تعد هناك فرصة لتبادل ابتسامة أو كلمة صغيرة مع الجالس إلى جانبك، وكل تفاعل خفيف أصبح استثناء.

وما يضاعف الشعور بالفراغ أن الوجوه المألوفة اختفت. صاحب المقهى الذي اعتدنا رؤيته، والذي كان يسأل عن أحوال الزبائن ويحيك معهم علاقات بسيطة، غاب عن المكان. حلت محله وجوه موظفين متغيرة بحسب الورديات، يقدمون الخدمة بسرعة، بأقل قدر من التفاعل أو الرغبة في فتح مجال للتعارف.

المكتبة نفسها لم تعد مألوفة، أمين المكتبة الذي يعرف كل زائر باسمه وينصح بكتاب مناسب، جرى استبداله بموظفين موقتين، كل شيء صار سريعاً ومنظماً لكنه بلا روح. محتويات المكتبات صارت متوافرة للتصفح والحجز عبر الإنترنت، وحين يذهب المرء لأخذ الكتاب يقوم بمسحه عبر آلة لتؤكد تاريخ الاستعارة، ويغادر المكان من دون أي تفاعل مع القائمين عليه.

 

يترك هذا التحول أثراً واضحاً على العلاقات الاجتماعية العابرة والإحساس بالانتماء. بينت دراسة أجريت عام 2020 حول العزلة الاجتماعية في المدن الكبرى، أن الأشخاص الذين يفتقدون الرواد المألوفين وأجواء الترحيب في الأماكن العامة يبلغون مستويات أعلى من الوحدة والعزلة النفسية مقارنة بمن يزورون أماكن تجمعها وجوه مألوفة وروابط بسيطة.

وتشير دراسات في علم الاجتماع الحضري إلى أن غياب الشخصيات المألوفة داخل الأماكن التي يتردد عليها الزبائن بصورة متكررة يضعف إحساس الأمان الاجتماعي ويقلل من التفاعل العابر بين الزوار، مما يجعل المدينة أكثر ضخامة، وأكثر وحدة في الوقت نفسه.

الوحدة هنا ليست غياب الناس، بل غياب الروابط الحية التي كانت تمنح المكان روحه. ابتسامة مألوفة، دردشة قصيرة، أو مشهداً صغيراً من التعارف اليومي، كل ذلك اختفى تقريباً، تاركاً الحضور في عزلة حضرية مشتركة لكنها صامتة.

المكان الثالث بين الواقع الرقمي والبدائل الجديدة

في الأماكن العامة، صارت الهواتف والسماعات حواجز غير معلنة، تعمل على فصل الحاضرين جسدياً عن بعضهم، بينما شاشات الحواسيب تجعل المقاهي والمكتبات امتداداً للمكتب نفسه.

جائحة كورونا وساعات العمل من بعد زادتا من هذا التحول، إذ باتت أماكن التلاقي سابقاً تتحول تدريجاً إلى مساحات للعمل الفردي المكثف، يستهلك الزائر قهوته كوقود يعينه على الإنجاز الرقمي أكثر من كونها فرصة للاسترخاء أو اللقاء بالآخرين. أظهرت دراسة أجريت عام 2021 أن 60 في المئة من العاملين من بعد يختارون مقاعد بعيدة أو مخفية لتفادي أي تفاعل اجتماعي، حتى لو كان موقتاً أو عابراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك يمكن القول إن المكان الثالث لم يختف تماماً بل تغير شكله. أصبحت مساحات العمل المشتركة، الفعاليات الموقتة، والمجتمعات الرقمية تحاول محاكاة الفضاء الاجتماعي الضائع، لكنها غالباً تركز على النشاط الوظيفي أو التفاعل الافتراضي المنظم، لا اللقاء العفوي.

اللافت أن هذا التحول أصبح يطاول حتى المحتوى الرقمي، فكثير من صانعي الفيديوهات يظهرون وهم يمسكون بفنجان قهوة أو شاي، ويدعون مشاهديهم لتحضير مشروبهم المفضل قبل الانضمام إليهم، في محاولة واضحة لمحاكاة جلسة حميمية تشبه ما كان يقدمه المكان الثالث، ولو افتراضياً فقط.

لكن يبقى السؤال المفتوح، هل هذه البدائل تؤدي الدور نفسه الذي كانت تقوم به المقاهي والحدائق والمكتبات في الماضي، أم إنها تلبي حاجة موقتة، تاركة المعنى الحقيقي للتلاقي خارج حدود هذه المساحات؟

ربما ما نفتقده اليوم ليس مجرد مكان بعينه، بل القدرة على أن نكون مع الآخرين بلا هدف محدد. تلك اللحظات العابرة من التلاقي، التي لا ترتبط بالعمل أو الاستهلاك، كانت تمنح الحياة الحضرية دفئها وروحها الجمعية.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات