Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات روسية - أوكرانية جديدة يتنازعها الأمل والعناد

استبق الجانبان اللقاءات المرتقبة في أبوظبي بعدد من التصريحات تتباين بقدر اختلاف مواقفهما

ترفض أوكرانيا مطالبة روسيا بسحب قواتها من مناطق في إقليم دونيتسك الخاضع لسيطرتها (أ ف ب)

ملخص

تأتي هذه الجولة بعد اتصالات ثلاثية جرت بين ممثلي روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا الأسبوع الماضي في عاصمة الإمارات واستمرت يومين. وقالت المتحدثة باسم "البيت الأبيض" كارولين ليفيت، للصحافيين "عقدت اجتماعات عدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة، لكنها كانت ذات أهمية تاريخية، لقد نجح فريق الرئيس دونالد ترمب في جمع طرفي النزاع على طاولة المفاوضات لتعزيز السلام".

أعلنت مصادر في "الكرملين" عن موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استجابة لطلب نظيره الأميركي دونالد ترمب، علي وقف قصف عدد من المواقع الأوكرانية، وأشار الناطق الرسمي باسم "الكرملين" دميتري بيسكوف، إلى أن موافقة الرئيس الروسي جاءت لتوفير الأجواء الملائمة لمحادثات أبوظبي المرتقبة بين الوفدين الروسي والأوكراني في الأول من فبراير (شباط) المقبل.

وعلى وقع أنباء تراوح ما بين التشدد والمرونة يستأنف الجانبان الروسي والأوكراني محادثاتهما المرتقبة في غياب الوفد الأميركي الذي كثيراً ما حرص على جمع الجانبين طوال الفترة الماضية، وتأتي هذه الجولة بعد اتصالات ثلاثية جرت بين ممثلي روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا الأسبوع الماضي في عاصمة الإمارات واستمرت يومين. وقالت المتحدثة باسم "البيت الأبيض" كارولين ليفيت، للصحافيين "عقدت اجتماعات عدة خلال عطلة نهاية الأسبوع، لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة، لكنها كانت ذات أهمية تاريخية، لقد نجح فريق الرئيس دونالد ترمب في جمع طرفي النزاع على طاولة المفاوضات لتعزيز السلام".

ومن المتوقع بحسب تقديرات معظم المراقبين من الجانبين، ألا يسفر الاجتماع المقبل بين الوفدين الروسي والأميركي عن "اختراق كبير"، وأن يظل خطوة على درب البحث عن السلام المنشود.

تصريحات مسبقة

واستبق الجانبان الروسي والأوكراني المحادثات المرتقبة في أبوظبي بعدد من التصريحات التي تتباين بقدر تباين مواقف كل منهما، فبينما أعلن بيسكوف أن "العمل جار، ومن الجيد أنه بدأ باتصالات مباشرة"، كشف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا في تصريحات لصحيفة "برافدا الأوروبية" أن فلاديمير زيلينسكي مستعد للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً لمناقشة قضية الأراضي ومحطة زابوروجيا للطاقة النووية، وكان الجانب الروسي سبق وكشف عن استعداد مماثل من جانب الرئيس بوتين للقاء الرئيس الأوكراني في موسكو، على رغم كل التحفظات التي سبق وأعلنها في حق مشروعية الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته في مايو (أيار) 2024، وأعلن بوتين عن توفير كل الضمانات اللازمة للرئيس الأوكراني، الذي قابل ذلك بالرفض.

من جانبه أعلن مساعد الرئيس فلاديمير بوتين، يوري أوشاكوف أنه لا توجد ضمانات أمنية متفق عليها لأوكرانيا مع روسيا، وأضاف في تصريحات أدلي بها للقناة الأولي للتلفزيون الروسي معلقاً على المعلومات المتعلقة بالضمانات الأمنية لكييف "لم يتفق أحد على هذا مع الجانب الروسي"، وأشار أيضاً إلى أن القضية الحدودية تعد من القضايا الرئيسة في حل النزاع الأوكراني، كذلك صرح أوشاكوف بأن غياب المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيفن ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر دونالد ترمب، يعد اتفاقاً ضمنياً بين الأميركيين والأوكرانيين على عقد مشاورات ثنائية على مستوى أدنى، موضحاً أن القضية الحدودية تعد من القضايا الرئيسة في حل النزاع الأوكراني.

 

وكان الجانبان اتفقا على مواصلة المحادثات لمناقشة بنود اتفاقية سلام مستقبلية لأوكرانيا، ولم تفصح الأطراف عن تفاصيل، ولكنها أشارت إلى الطابع البناء للحوار.

وبينما أعلنت مصادر "البيت الأبيض" عن نفيها ما نشرته صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية نقلاً عن ثمانية مصادر مطلعة على المفاوضات، حول أن "البيت الأبيض" أوضح للسلطات الأوكرانية أن الضمانات الأمنية مشروطة بتوقيع اتفاقية سلام تتضمن تنازل أوكرانيا عن دونباس لروسيا، بحسب تصريحات نائبة الناطقة الرسمية باسم "البيت الأبيض" آنا كيلي، أكد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف أن "روسيا لا تعلم شيئاً عن الضمانات الأمنية المحددة التي تناقش في سياق المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا"، واستشهد الوزير الروسي بتصريحات نظيره الأميركي ماركو روبيو، الذي أعلن خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي حل مسألة الضمانات المقدمة لكييف.

وكان روبيو أشار في كلمته بمجلس الشيوخ إلى أن جميع الخلافات تنحصر في قضية إقليمية واحدة هي وضع منطقة دونباس وانسحاب القوات المسلحة الأوكرانية منها، إلى جانب ضمانات أمنية لأوكرانيا تتضمن في المقام الأول نشر قوة صغيرة من القوات الأوروبية، معظمها فرنسية، ثم دعم من الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى سمح بوجود قوات أوروبية في أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار، وهو أمر كثيراً ما اعتبرته موسكو "خطاً أحمر" لن تتجاوزه.

وكانت مصادر "الكرملين" أشارت إلى أن موسكو لا تشارك وزير الخارجية الأميركي رأيه حول أن القضية الإقليمية هي القضية الخلافية الوحيدة، ورد مساعد الرئيس بوتين، يوري أوشاكوف، على ذلك بقوله إنه "لا يعتقد ذلك".

من جانبه أشار وزير الخارجية الروسي إلى أنه "لا يعلم ما الضمانات التي اتفقوا عليها، ولكن يبدو أنها تتعلق بضمانات للنظام الأوكراني نفسه الذي ينتهج سياسات معادية لروسيا ونازية جديدة"، وأضاف "إذا كان الهدف هو الحفاظ على النظام في جزء من الأراضي الأوكرانية السابقة، والاستمرار في استخدامه كمنصة لتهديد الاتحاد الروسي، فإن مثل هذه الضمانات الأمنية لا يمكنها بأي حال من الأحوال ضمان سلام دائم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على أن هناك من التصريحات التي تقول المصادر الروسية إنها ليست في وفاق مع المناخ العام الذي يمكن أن يخدم تقدم المفاوضات المرتقبة، ومنها ما صدر عن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا، وكان الأخير قال في تصريحات لـ"برافدا الأوروبية" التي تصدر بالأوكرانية، إن "تغييراً نوعياً طرأ على المفاوضات مع روسيا التي باتت الآن ممثلة بأشخاص مختلفين لا يلقون محاضرات تاريخية زائفة"، في إشارة إلى مساعد الرئيس بوتين، فلاديمير ميدينسكي الذي سبق وترأس الجانب الروسي في المفاوضات التي بدأت تحت رعاية الجانب الأميركي في إسطنبول، وتعمد التركيز على الشق التاريخي للعلاقات بين روسيا وأوكرانيا. فضلاً عما قاله حول أن كييف قد توقع اتفاقية سلام من 20 بنداً لحل النزاع الروسي - الأوكراني مع الولايات المتحدة، على أن توقع الولايات المتحدة وثيقة منفصلة مع روسيا.

ونقلت المصادر الأوكرانية عن تقرير قدمه الوفد الأوكراني المشارك في "مشاورات" أبوظبي إلى الرئيس زيلينسكي، ما دار من نقاش حول القضايا المهمة اللازمة لإنهاء الحرب. وفي هذا الشأن قال زيلينسكي "ناقشنا أيضاً قضايا سياسية معقدة لا تزال عالقة"، فضلاً عما قاله عقب الاجتماع حول "انخفاض عدد القضايا الشائكة"، على أن ذلك لا يتعلق بمواقف الطرفين من "مسألة الأراضي"، إذ ترفض أوكرانيا مطالبة روسيا بسحب قواتها من مناطق في إقليم دونيتسك الخاضع لسيطرتها.

من جانبه أعلن المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف يتكوف، عقب المحادثات التي جرت في أبوظبي عن تحقيق الأطراف تقدماً ملحوظاً في حل النزاع الأوكراني، وهو الأهم منذ أربعة أعوام. وأوضح ويتكوف أنه تم إحراز تقدم كبير في مناقشة القضية الحدودية بين روسيا وأوكرانيا، وأشار إلى أن الاتفاقات المتعلقة بالضمانات الأمنية وتنمية أوكرانيا المستقبلية قد تم الانتهاء منها إلى حد كبير.

ومن الجانب الروسي أشار رئيس مديرية الاستخبارات الرئيسة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية ورئيس الفريق الروسي العامل في المحادثات العسكرية إيغور كوستيوكوف، إلى أن الأجواء في المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة في أبوظبي كانت بناءة، وأن "الجميع يفهم كل شيء"، وعندما طلب منه توضيح ما قصده تحديداً بكلمة "يفهم"، أضاف "بالمعنى الحرفي للكلمة".

الضمانات الأمنية

أما عن الموضوعات التي من المرتقب مناقشتها خلال المحادثات المرتقبة، فقال مساعد الرئيس بوتين للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف معلقاً على المعلومات حول الضمانات الأمنية لكييف "إن أحداً لم يتفق على هذا مع الجانب الروسي"، وأشار إلى "أن قضية الحدود بين الجانبين تعد من القضايا الرئيسة في حل النزاع الأوكراني".

وهاتان القضيتان (قضية التنازل عما بقي من منطقة الدونباس في حوزة القوات الأوكرانية، وقضية الضمانات الأمنية)، هما القضيتان الرئيستان اللتان تعترضان توصل الجانبين الروسي والأوكراني إلى "اتفاق السلام المنشود". وتؤكد مصادر كثيرة أن ما تطلبه أوكرانيا وتتمحور حوله مناقشاتها يتركز حول المطالب الأمنية من الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، وهي التي يرفضها الجانب الروسي بشدة انطلاقاً من اعتبار أي ضمان يؤدي إلى وجود عسكري غربي في أوكرانيا "خطاً أحمر".

 

ومن المعروف أن الرئيس الأوكراني يطالب بضمانات ملزمة من الجانب الأميركي على أن تصادق عليها الحكومتان الأميركية والأوكرانية، فضلاً عن "ضمانات أمنية رئيسة" تشمل نشر قوة لحفظ السلام على الأراضي الأوكرانية بعد انتهاء "الحرب"، إلى جانب تقديم دعم مالي ضخم لإعادة إعمار البلاد، كذلك ترى أوكرانيا ضرورة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي مع حلول 2027 بوصفه ضمانة أمنية اقتصادية أساسية.

أما عن موقف روسيا مما تطلبه أوكرانيا فيتمثل في الرفض التام لأية ضمانات أمنية غربية لها، وذلك ما أعلنته موسكو في أكثر من مناسبة، وكان قد سبق لها تأكيد أنها "لن تقبل نشر أية قوات أو بنى تحتية عسكرية غربية في أوكرانيا، وستعتبرها أهدافاً مشروعة"، ووصفت نشر قوة حفظ السلام الأوروبية بأنه تشكيل "محور حرب" ترى فيه استمراراً للمواجهة المسلحة.

ونشير في هذا الصدد إلى ما نشره "معهد كوينسي"، وهو منظمة أميركية بحثية غير ربحية تدعو إلى "سياسة خارجية أقل عسكرة وأكثر تعاوناً" في شأن ضرورة المناورة حول هذه "الخطوط الحمراء" الروسية، وربما أيضاً تقديم ضمانات تقتصر على تزويد الأسلحة والاستخبارات وفرض العقوبات في حال العدوان، من دون التزام بنشر قوات قتالية.

ماذا بعد؟

ومع قلة التقدم المحرز في المفاوضات حتى الآن، وعلى رغم التصريحات المتفائلة، أشارت صحيفة "كوميرسانت" في تعليق لها بقلم جيورجي بوفت، إلى أن الإشاعات المتزايدة قد تشير، بصورة غير مباشرة، إلى وجود تطورات خفية تجري خلف الكواليس، موضحاً، على سبيل المثال، أن بعض قنوات "المراسلين العسكريين" الروس على تطبيق "تيليغرام" أفادت أن كييف وموسكو قد توصلتا، على ما يبدو، إلى اتفاق في شأن هدنة بقطاع الطاقة يزعم أنها ستستمر حتى الثالث من فبراير.

وإذا ما عقدت محادثات أبوظبي بالفعل في الأول والثاني من فبراير المقبل، فمن الممكن نظرياً ربط توقيت هدنة الطاقة بها، إلا أن كييف وموسكو لم تؤكدا ذلك رسمياً، وامتنع ديمتري بيسكوف عن التعليق، وصرح سيرغي لافروف بأن "الهدنة التي يسعى إليها زيلينسكي غير مقبولة بالنسبة إلى روسيا".

وفي حديث له أخيراً مع حاكم مقاطعة لينينغراد، ألكسندر دروزدينكو أشار الرئيس فلاديمير بوتين عرضاً إلى أن روسيا مطالبة بالامتناع عن استهداف منشآت الطاقة في أوكرانيا، ولم يحدد هوية المستهدفين تحديداً. ورداً على ذلك دعا دروزدينكو إلى استمرار هذه الضربات، وفي اليوم السابق، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن أقوى ضربة في الذاكرة الحديثة استهدفت منشآت البنية التحتية للطاقة التي تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية، وفي وقت لاحق وصف وزير الطاقة الأوكراني دينيس شميغال، ذلك اليوم بأنه الأصعب على نظام الطاقة في البلاد منذ عام 2022، بل إن عمدة كييف، فيتالي كليتشكو دعا السكان إلى مغادرة العاصمة بسبب انهيار إمدادات الكهرباء والتدفئة.

 

عشية الاجتماع السابق في أبوظبي، نشرت صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية تقريراً كاذباً مفاده أن الوفدين الأميركي والأوكراني أرادا عرض وقف إطلاق النار على البنية التحتية للطاقة الأوكرانية على روسيا مقابل توقف كييف عن ضرباتها على ناقلات النفط ومصافي التكرير الروسية، ولم تؤكد موسكو هذا الأمر، ومن المحتمل أن يكون هذا تلاعباً بالمعلومات أو مجرد أمنيات، فمهلة التحقق من هذه الشائعة – الثالث من فبراير - قصيرة جداً لإجراء تأكيد موضوعي، وخلال النزاع كانت هناك فترات توقف أطول بين الضربات الروسية المكثفة، وهذا بحد ذاته لم يكن له أية دلالة.

ولم يذكر المفاوضون الأميركيون أن الضمانات تشمل بالضرورة نشر قوات أوروبية، كما لم يبد ترمب علناً تأييده هذه الفكرة. وتؤكد مصادر أخرى أن مسألة الضمانات هي من أكثر القضايا إثارة للجدل في المفاوضات، خلافاً لما صرح به وزير الخارجية الروسي، الذي أكد أن موسكو لا تعلم ما الضمانات الأمنية التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وأوكرانيا.

ثمة أيضاً شائعة متداولة في وسائل الإعلام مفادها أن واشنطن ربطت ضماناتها الأمنية لكييف بتنازلات إقليمية لأوكرانيا، لكن الأميركيين نفوا هذا الربط بالفعل، ولا ينبغي المبالغة في أهمية هذا النفي، ويمكن فرض الشروط بطرق مختلفة، من دون تحديدها رسمياً، بحيث تضمن فهمها من قبل الطرف الآخر، أو كما قال الأدميرال كوستيوكوف "عندما يفهم الجميع كل شيء".

وخلص المعلق الروسي إلى أنه في الوقت الراهن تبقى حقيقة رفض الولايات المتحدة تقديم ضمانات للقوات الأوروبية في أوكرانيا، ومن الحقائق الأخرى التي لا جدال فيها تبادل روسيا وأوكرانيا جثث القتلى للمرة الأولى منذ أسابيع عدة، وقد تسلمت أوكرانيا ألفاً من جثامين مقاتليها، بينما تسلمت روسيا 38 من جثامين جنودها. وإذا اعتبر هذا جزءاً من عملية التفاوض فيمكننا الاستنتاج أن تبادل الجثامين قد تم، لكن هذا لا يكفي لإحلال السلام، بحسب اعتقاد معلق صحيفة "كوميرسانت" الروسية.

إذا لم تفشل الجولة الجديدة من المحادثات في أبوظبي في الأول من فبراير، التي ستكون ثنائية بين روسيا وأوكرانيا، سيكون من المهم معرفة ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على النهج البناء نفسه.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير