ملخص
يحاول كير ستارمر خلال زيارته بكين الموازنة بين واشنطن وبروكسل والصين في لحظة جيوسياسية شديدة التعقيد، فيما ترى بكين في هذا الانفتاح دليلاً على تغير موازين القوى وعودة بريطانيا إلى نهج أكثر براغماتية يخدم مصالحها الاستراتيجية.
"بريطانيا استعادت أخيراً رشدها"... بهذه الكلمات تناول تعليق رسمي صيني وصول رئيس وزراء المملكة المتحدة إلى بكين، في مديح صادر عن الجانب المستضيف قد لا يكون رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر قد تلقاه بارتياح كامل.
وتعد هذه الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء بريطاني للصين منذ نحو ثمانية أعوام. وفيما يرفض ستارمر اتهامات المعارضة في المملكة المتحدة له بـ"الانحناء" أمام بكين، تصور الصين الخطوة بأنها مؤشر إلى أن موازين القوى العالمية تميل إلى مصلحتها.
قد يكون الهدف البريطاني غير المعلن من هذه الرحلة هو توسيع آفاق التبادل التجاري وتقليص مصادر التوتر. لقد تابعت فيما مضى ثلاثة من أسلاف ستارمر في المنصب - توني بلير وغوردون براون وديفيد كاميرون - وهم يؤدون الروتين الدبلوماسي ذاته، الذي يوحي بأن "الأمور تسير كالمعتاد"، وإن بدرجات متفاوتة من القلق. غير أن ما يحدث هذه المرة هو بعيد كل البعد من المعتاد.
من خلال الحفاظ على علاقة ودية، أو في الأقل تفاعلية، مع واشنطن وبروكسل وبكين في آن، يحاول ستارمر إنجاز ثلاثة أمور دفعة واحدة. "إنها معضلة الأجسام الثلاثة الخاصة به" [مسألة فيزيائية شهيرة وعنوان رواية خيالية صينية]، هكذا قال مسؤول رفيع في وستمنستر، عمل طويلاً على ملف العلاقات البريطانية - الصينية، لموقع "بوليتيكو".
وعلى غرار سلسلة الخيال العلمي الصينية الشهيرة، تجرى هذه السياسة على أكثر من مستوى، إذ يشبه النهج البريطاني لغزاً فيزيائياً معقداً يتلخص بالآتي: كيف يمكن إرضاء بكين، وطمأنة العواصم الأوروبية، وإبقاء الأميركيين إلى جانبنا؟
عندما يلتقي ستارمر بالرئيس شي جينبينغ، سيقف أمام "إمبراطور أحمر" هو في ذروة سطوته. فقد أقدم شي أخيراً على إقصاء أعلى قائد عسكري في البلاد، وأحكم قبضته شبه المطلقة على أكبر جيش نظامي في العالم، وتجاوز آثار الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، ونسج محوراً من الأنظمة الاستبدادية مع كل من روسيا وكوريا الشمالية، وراقب انقسامات الغرب، وبدد الإشاعات حول انقلابات محتملة ضده أو تقدم في السن أو اعتلال صحي.
سيخيم شبح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يصفه منتقدوه بأنه "إمبراطور برتقالي" في الولايات المتحدة، على قاعة الاستقبال الكبرى. غير أن الاعتقاد بأن الزيارة البريطانية لبكين تثير انزعاج سيد البيت الأبيض، هو غير دقيق. فقد عملت إدارة ترمب شيئاً فشيئاً على تهميش صقورها المتشددين تجاه الصين، ولم تعد أحدث خطط "البنتاغون" تصنف بكين على أنها العدو الأول، كما ينتظر أن يقوم ترمب بنفسه بزيارة المدينة المحرمة في أبريل (نيسان) المقبل.
لا، بل على العكس، فإن الأميركيين الجديين سيقدرون التواصل المباشر بين أقرب حلفائهم والرئيس الصيني الغامض. ومن بين المخاوف السياسية الكثيرة المطروحة، أنه كلما ازداد نفوذ شي جيبينغ، بات أكثر ابتعاداً وأقل استعداداً لتلقي المشورة التي قد لا يود سماعها، ولا سيما تلك المتعلقة بقضايا حاسمة مثل مصير تايوان وتصاعد التوترات العسكرية في منطقة شرق آسيا.
لهذا السبب تحديداً حرصت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على إرسال مبعوث تلو الآخر لنقل الرسائل الحساسة وجهاً لوجه، في وقت كانت فيه "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي أي) ووزارة الدفاع، تخشيان من أن يقدم صقور الصين - وهم كثر داخل مؤسساتها - على خطوة متهورة، على غرار تلك التي اتخذها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
غير أن الدبلوماسية الفاعلة ليست مضمونة النتائج. فعندما غادر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بكين أخيراً باتفاق تجاري، متحدثاً عن نظام عالمي جديد تضطر فيه القوى المتوسطة إلى الاعتماد على نفسها، كان ذلك إلى حد كبير ما أراد الزعيم الصيني بالضبط سماعه. إذ يسعى شي جيبينغ إلى تفكيك منظومة التحالفات التي تربط القوى الغربية بدول آسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايلاند والفيليبين وسنغافورة.
أما فيما يتعلق بالأوروبيين، فلا يمكن انتقاد رئيس الوزراء البريطاني لسيره على خطى ملك إسبانيا ورئيس فرنسا ورئيس وزراء فنلندا في خطب ود بكين، ومن المرجح ألا يتأخر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن اللحاق بهذا الركب.
فلماذا إذا تعتقد الصين أن بريطانيا تحديداً قد "عادت أخيراً إلى رشدها"؟ هذه العبارة وردت في إحدى المنشورات التابعة لـ"صحيفة الشعب" People’s Daily الصينية، ثم جرى ترديدها حرفياً في وسائل إعلام رسمية صينية الأربعاء الماضي.
العبارة عن المملكة المتحدة وردت في تعليق نسب شكلاً إلى صحيفة "غلوبال تايمز" Global Times، وهي منصة إعلامية تستخدم للتنفيس وتمرير الرسائل، ضمن حيز إعلامي "شبه رسمي"، تفضله عادة الأنظمة الشمولية. مع ذلك، يبقى من المفيد التوقف عنده لفهم المنظور الصيني.
فكاتب التعليق التقط تصريح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي كان قد أدلى به في مقابلة مع موقع "بلومبيرغ نيوز"، عندما قال إنه ليس مضطراً إلى الاختيار بين دول مثل الولايات المتحدة والصين.
الصحيفة الصينية رحبت بهذا الموقف، قائلة إنه "ينظر إليه على نطاق واسع بوصفه انعكاساً لنهج دبلوماسي بريطاني أكثر عقلانية، ودليلاً على أن دوائر الاصطفاف الضيقة والمواجهات القائمة على التكتلات في الغرب تفقد زخمها بصورة متزايدة".
ومن خلال فك شيفرة هذا الكلام، يتضح أن المقصود به هو أن الدبلوماسية الصينية تسعى إلى إضعاف التحالفات الديمقراطية التي ترى فيها الأنظمة الاستبدادية عقبة أمام طموحاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الصيني شي جيبينغ كان قد تحدث عن الفكرة الكبرى القائلة بأن الشرق آخذ في الصعود فيما الغرب يتراجع، مما يجعل التعليق الصحافي يبدو وكأنه كتبه بنفسه.
الصحيفة أضافت أن "العالم الغربي يمر بمرحلة إعادة تفكير عميقة"، مشيرة إلى أن موقف كير ستارمر المتمثل في "عدم الاصطفاف مع أي طرف"، إنما يعكس، إلى حد ما، إعادة نظر غربية في مفاهيم عفا عليها الزمن، في قضايا الأمن والحضارة والعلاقات الدولية.
ومضت صحيفة "غلوبال تايمز" تقول بنبرة طوباوية إن عدداً متزايداً من المسؤولين البارزين في الغرب "باتوا يدركون أن اتباع قوة مهيمنة واحدة بصورة عمياء، وقطع العلاقات العالمية، يؤديان في نهاية المطاف إلى تقويض مصالح دولهم".
وأشارت إلى أن العلاقات بين الصين وبريطانيا "مرت بفترة ركود طويلة امتدت أعواماً عدة"، معتبرة أن "نهج ’المد والجزر‘ الذي اعتمدته رئاسة الوزراء البريطانية كان عاملاً رئيساً في ذلك. ويبقى أن نرى ما إذا كان ’العصر الجليدي‘ لهذه العلاقات سيبدأ في الذوبان، حتى لو أن ’العصر الذهبي‘ بات، لحسن الحظ، مجرد ذكرى بعيدة".
مايكل شيريدان هو مراسل دولي مخضرم ومحرر الشؤون الدبلوماسية في "اندبندنت"، وهو مؤلف كتابي "الإمبراطور الأحمر: شي جينبينغ والصين الجديدة في عهده" The Red Emperor: Xi Jinping and His New China، و"بوابة الصين" The Gate to China
© The Independent