ملخص
هناك من يرى أن تدويل الأزمات بوابة لتفكيك القرار الوطني وتنازع السيادة وتحويل الدولة إلى ساحة مفتوحة لتقاطع الإرادات الأجنبية.
أثارت مداخلة المحامية دليلة مصدق بن مبارك في بروكسل جدلاً واسعاً في تونس بين تيار حقوقي يرى أن المرافعة تدخل ضمن الفضاء الذي تتيحه الدولة التونسية، في إطار اتفاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وبين حملات تخوين يرى أصحابها أنها نوع من العمالة للخارج، مما خلق انقساماً حاداً في قراءة مفهوم السيادة الوطنية وعلاقتها بالالتزامات الدولية.
وطالبت دليلة مصدق، شقيقة المعارض المعتقل بتهمة التآمر على أمن الدولة جوهر بن مبارك، أمام البرلمان الأوروبي، بتعزيز آليات حماية حقوق الإنسان وربط التعاون مع تونس باحترام استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة.
انزلاق خطر
في هذا الصدد، ترى الناشطة السياسية، رئيسة منظمة "الشباب العربي" ألفة التبان، أن "تصريحات المحامية دليلة بن مبارك مصدّق أمام البرلمان الأوروبي تأكيد للانزلاق الخطر في وظيفة جزء من المعارضة، من موقع الفعل الوطني إلى موقع الوساطة مع الخارج". وتقول التبان في تصريح خاص "حين ينقل الخلاف الداخلي إلى دوائر التأثير الدولي، لا يعود الأمر متعلقاً بحرية التعبير، بل يتحوّل إلى إعادة تعريف للصراع السياسي خارج شروطه الطبيعية، بما يفتح الباب أمام توظيفه ضمن حسابات لا تخضع لمنطق المصلحة الوطنية". وتابعت "هنا تتجسد المعارضة الوظيفية التي كثيراً ما تحدثنا عنها وعن نخبتها الرثة في أوضح صورها، لتعكس معارضة عاجزة عن ترسيخ حضورها داخل المجتمع فتبحث عن شرعية بديلة في الخارج وتستبدل بالتنافس الديمقراطي الاستقواء بمنابر الضغط الدولي".
وتعتقد التبان أن "هذه المعارضة لا تصنع بدائل، إذ تقتلع الفعل السياسي من جذوره الاجتماعية وتحوّله إلى مادة تستهلك في دوائر خارجية تدير التوازنات بدل أن تبني الدولة"، مضيفة أن التجارب شاهدة في العراق وليبيا وسوريا، وتساءلت "هل كان تدويل الأزمات مدخلاً للديمقراطية؟ بالعكس لقد كان بوابة لتفكيك القرار الوطني وتنازع السيادة وتحويل الدولة إلى ساحة مفتوحة لتقاطع الإرادات الأجنبية، فالخارج لا يمنح ديمقراطية، بل يعيد تشكيل الداخل وفق مصالحه".
وتعتقد التبان أن "حرية التعبير حين تستعمل خارج إطارها الوطني لتغذية ضغط خارجي، تفقد مضمونها التحرري وتتحول إلى أداة اختراق"، وتابعت "المعركة السياسية تخاض هنا، داخل المجتمع، لا في قاعات التآمر الغربية"، وختمت حديثها بالقول "لا حقوق ولا وطن لمن يستقوي بغيره على أهله".
من جانبه اتهم النائب في البرلمان بدر الدين قمودي، المحامية وشقيقة النائب جوهر بن مبارك، بـ"العمالة لدول خارجية"، وجاء ذلك في تدوينة للنائب على "فيسبوك"، تعليقاً على مداخلة دليلة مصدق أمام لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي.
وقال قمودي إن "دليلة مصدق تتبجح بالعمالة وتحرض دولاً أجنبية على شعبها".
خلل عميق
ويشار إلى أن المحامية التونسية دليلة مصدق دعت البرلمان الأوروبي في مداخلة لها باللغة الفرنسية، إلى "تبني موقف رسمي واضح يطالب بالإفراج عن المساجين السياسيين في تونس"، وذلك خلال مداخلة أمام لجنة حقوق الإنسان، تناولت فيها تدهور أوضاع القضاء وتصاعد الاعتقالات ذات الطابع السياسي في البلاد.
وأكدت مصدق أن "ملف ما يسمى بقضية التآمر وما تلاها من إيقافات واسعة يعكس" وفق تعبيرها، "خللاً عميقاً في منظومة العدالة"، مشددة على "ضرورة ربط التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي باحترام حقوق الإنسان وضمان استقلال القضاء وصون الحريات الأساسية".
وفي سياق مداخلتها، اعتبرت مصدق أن "الاستثمار الأوروبي في إصلاح القضاء التونسي خلال الأعوام الماضية لم يحقق نتائجه"، مشيرة إلى أن "الوضع الحالي يعكس تراجعاً حاداً في الضمانات الحقوقية، ما يجعل ملف الحريات عنصراً أساسياً في أي حوار سياسي بين الطرفين".
واختتمت بالتأكيد أن ما يجري في تونس لا يقتصر على أبعاد حقوقية فحسب، بل يحمل أيضاً أخطاراً سياسية أوسع، محذرة من أن غياب المعارضة وتوسع الاعتقالات قد يقود إلى انفجار اجتماعي، في ظل ما وصفته بتوظيف القضاء لتصفية الخصوم وتجريمهم.
ادعاء باطل
من جانب آخر، يرى الكاتب العام للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان محيي الدين لاغة أن "هذه المداخلة تأتي ضمن ما تتيحه الاتفاقات بين الدولة التونسية والاتحاد الأوروبي، التي تسمح بإثارة إشكالات الحريات للطرفين، والدولة التونسية ما زالت ملتزمة ذلك، ووزراؤها يتناولون يومياً الشأن السياسي الداخلي مع مسؤولي الدول الأوروبية".
وأضاف أن "كل المواثيق الدولية تتيح طلب الحماية من الظلم إذا انعدمت العدالة في الداخل، وكل التقارير المستقلة الداخلية والأجنبية تجمع على أن المحاكمات ذات العلاقة بالشأن السياسي لم تتوفر على أدنى شروط المحاكمات العادلة"، وفق تعبيره.
ويواصل لاغة قائلاً إن "دليلة مصدق تحدثت أمام لجنة برلمانية تشريعية وليست حكومية عن معاناة عائلة يسجن ابنها ظلماً في قضية سياسية، وتعتقد أن القضاء التونسي لم ينصفها، ونددت بقضاء تعتبره غير مستقل، أي بسياسة سلطة تنفيذية، فهي لم تتهم الوطن ولا تونس بل اتهمت سلطة قائمة"، بحسب رأيه.
كذلك كتب الوزير السابق والمحامي مبروك كورشيد في تدوينة له التالي "ما تتعرض له مصدق من اتهامات بالعمالة عقب خطابها في البرلمان الأوروبي ليس سوى ادعاء باطل ومحاولة يائسة لإسكات الأصوات الحرة التي أوجعت النظام التونسي الحالي".
وفند كورشيد المعارض الفار إلى خارج البلاد "المنطق الذي يبني عليه الخصوم اتهاماتهم"، مؤكداً أن "الدفاع عن النفس والعائلة والوطن أمام المحافل الدولية هو حق أساس وفرض عين، وليس جريمة كما يحاول البعض تصويرها"، ولفت إلى أن "البرلمان الأوروبي ليس عدواً لتونس، بل هو فضاء ديمقراطي يمثل الشعوب الأوروبية وتياراتها المتعددة"، مشيراً إلى "أن اليسار الأوروبي، الذي يناصر القضية الفلسطينية، هو ذاته الذي يقف اليوم مع المظلومين في تونس من سياسيين وصحافيين ومحامين".
ورأى كورشيد أن حملات التشويه لن تغير من الحقيقة شيئاً، وأن التاريخ سيسجل لدليلة مصدق شجاعتها في طرح قضيتها العادلة بكل جرأة، في وقت يُراد فيه فرض الصمت المطبق على الجميع.
وتشهد تونس، منذ أن صعد قيس سعيد إلى سدة الحكم، محاكمات متواصلة لأسلافه الإسلاميين وغيرهم من المعارضين بتهم التآمر على أمن الدولة التونسية.