Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السمنة قد تصيب نصف البالغين بحلول 2050 والدول تتحرك لمكافحتها

المعدلات ترتفع بسرعة في العالم والحكومات تحدد استراتيجيات صحية بوسائل متعددة

وضعت دول عديدة استراتيجيات للتصدي لارتفاع معدلات السمنة (رويترز) 

ملخص

تتزايد السمنة عالمياً بوتيرة مقلقة، مع توقعات ببلوغ نصف البالغين وثلث الأطفال مستويات سمنة أو زيادة وزن بحلول 2050. وتستجيب دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا بسياسات وقائية تشمل تقييد الإعلانات غير الصحية، وتعزيز التغذية السليمة، وتشجيع النشاط البدني، وتوفير علاجات خاضعة للرقابة لخفض الأخطار الصحية المتنامية.

أصبحت السمنة آفة تشكل تهديداً صحياً عالمياً مع تزايد مقلق في مستوياتها في السنوات الأخيرة، إذ تشير أرقام منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليار شخص في العالم يعانون من السمنة. كذلك لا تبشّر الأرقام التقديرية للأعوام المقبلة خيراً، فبحسب أرقام أطلس السمنة العالمي لعام 2025 الذي نشرته الفيدرالية العالمية للسمنة، من المتوقع أن يعاني نصف البالغين وثلث الأطفال والمراهقين في العالم من زيادة الوزن أو السمنة بحلول 2050. لذلك، تتكثف الجهود على مستوى العالم لمواجهة هذا التحدي الذي يزداد خطورة بكل ما له من تداعيات صحية على الأفراد، ومن أعباء على الأنظمة الصحية وعلى الدول، بعد أن أصبحت السمنة أحد أهم تحديات الصحة العامة في أيامنا هذه.

السمنة واستراتيجيات المواجهة

تعتبر السمنة مرضاً مزمناً يؤدي إلى الإصابة بأمراض أخرى عديدة، منها السكري من النوع الثاني والسرطان وأمراض القلب وغيرها، لكن من المتوقع أن تساعد الإجراءات التي تتخذ لمكافحة السمنة على خفض الأعباء العالمية لهذه الأمراض. لذلك، أتى موضوع اليوم العالمي للسمنة لعام 2025 بحسب منظمة الصحة العالمية "بناء مستقبل صحي: التصدي للسمنة من خلال الوقاية والرعاية"، ليشكل نداءً حاشداً للحكومات والنظم الصحية والمجتمعات المحلية لإعطاء الأولوية للوقاية من هذه الآفة ورعاية المصابين بها.

منذ عام 1990، تضاعفت معدلات السمنة بشكل عام، خصوصاً بين المراهقين، إذ زادت بينهم بمعدل أربعة أضعاف في مختلف أنحاء العالم. أما الأسباب الرئيسة وراء ذلك فيعيدها الخبراء إلى تراجع النشاط البدني، والأنظمة الغذائية غير الصحية التي ترتفع فيها معدلات الدهون والسكريات والسعرات الحرارية، فتؤدي إلى أمراض مزمنة وتشكل عبئاً صحياً واقتصادياً على المجتمعات والحكومات والأفراد.

في مواجهة هذه الآفة، وضعت دول عديدة استراتيجيات وسياسات هدفها خفض معدلاتها. في بريطانيا، سجّلت أرقام صادمة حول سمنة الأطفال بشكل خاص والسمنة عامةً، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات وقائية في مجال الصحة العامة لحماية وتحسين صحة الأطفال. ومن التدابير المتخذة فرض قيود على الإعلانات عن الوجبات السريعة ومشروبات الطاقة عالية الكافيين على التلفزيون قبل الساعة التاسعة مساءً وعبر الإنترنت، وتوسيع نطاق وجبات الطعام المدرسية المجانية، وتقييد العروض الترويجية التي تشجع على الشراء عبر عرض كميات إضافية مجانية.

أما في الولايات المتحدة، فوُضعت استراتيجيات بالاعتماد على نهج يدمج بين التدخلات الطبية وتوفير العلاجات الحديثة، والتثقيف الغذائي وزيادة النشاط البدني، وتحسين السياسات الصحية للأطفال والبالغين. وضمن برنامج "لنجعل أميركا صحية مرة أخرى"، وضعت خطة لتقليل السكريات والدهون في الأغذية، وإطلاق مبادرات لتقليل استهلاك السكريات والدهون المشبعة وزيادة الاعتماد على الفاكهة والخضراوات، والتشجيع على الرضاعة الطبيعية في برامج التعليم المبكر، وتعديل وجبات المدارس، وتقييد إعلانات الأطعمة غير الصحية الموجهة للأطفال، وتوفير أدوية التنحيف بأسعار معقولة وتوسيع تغطيتها التأمينية بموجب قانون علاج السمنة والحد منها. هذه الإجراءات أسهمت في خفض مستويات السمنة إلى حد ما في بعض الولايات.

 

 

فرنسا أيضاً تتبنى استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة السمنة 2026-2030، هدفها الوقاية والكشف المبكر منذ الطفولة وتحسين مسارات العلاج طويلة الأمد للمصابين. ومن المبادرات التي أطلقت ضمن الاستراتيجية تلك الهادفة إلى تعزيز التغذية الصحية، وتطوير نظم زراعية مستدامة، وتحسين القدرة على الصمود الغذائي للفئات الضعيفة، مع قيود على أدوية السمنة، وتشجيع تناول الأطعمة الطازجة والموسمية، وتجنب الأطعمة الجاهزة.

استراتيجية لبنانية وفوضى في سوق العلاجات

في لبنان، بحسب رئيسة دائرة التغذية في وزارة الصحة العامة وفاء حوماني، تعتبر معدلات السمنة لدى البالغين مرتفعة نسبياً بالمقارنة مع المناطق المجاورة، فبحسب أحدث أرقام Global Nutrition Report تقدّر النسبة بـ 39.9 في المئة لدى النساء، و30.5 في المئة لدى الرجال. وتصف حوماني هذه الآفة بالتحدي الكبير الذي يشكل عبئاً حقيقياً على الدولة لما ينتج منها من مشكلات صحية من أمراض قلب، وارتفاع مستويات الضغط والسكري والسرطان وغيرها.

في مواجهة هذا التحدي، وضع لبنان استراتيجيات للحد من مستويات السمنة، منها الاستراتيجية الوطنية للتغذية 2021-2026 التي أطلقتها وزارة الصحة العامة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية بهدف تحسين التغذية الشاملة وتعزيز التغذية الصحيحة وخفض عوامل الخطر المرتبطة بأنماط الغذاء غير الصحيحة ومعالجة المشكلات التغذوية غير المتوازنة. وضمن البرامج والمبادرات الهادفة لمكافحة السمنة، عملت وزارة الصحة على التوعية حول النظام الغذائي الصحي، والدعوة إلى التقليل من مستويات الدهون والسكريات في الأنظمة الغذائية، وتحسين سبل الرصد والتوثيق لحالات السمنة ضمن الخطة الوطنية للتغذية. أيضاً، وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، تقضي الاستراتيجية الوطنية بتعزيز التغذية الصحية في المدارس وتشجيع النشاط البدني ضمن البرنامج المدرسي. أما على مستوى القطاع الخاص، فتقام حملات ومبادرات غير رسمية على مستوى العيادات الخاصة أو الجمعيات الصحية ومنظمات المجتمع المدني، فتروّج للرياضة وتشجّع على اعتماد التغذية السليمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعتبر هذه الاستراتيجيات والمبادرات، سواء تلك التي على المستوى الرسمي أو تلك التي يطلقها القطاع الخاص، فاعلة ومهمة نظرياً، لكن على الأرض يبدو واضحاً أنها تفتقر إلى الثبات والاستمرارية، ما يقلل من جدواها في مكافحة السمنة وفي خفض المستويات للمدى البعيد. وتبقى الجهود الرسمية المستمرة والجدية على الأرض مطلوبة وضرورية لتحقيق الهدف المنشود، فلا تقام في مناسبات معينة أو من وقت إلى آخر، وإن كانت للحملات أهميتها. هذا، مع ضرورة الحرص على تعزيز دور الأجهزة الرقابية لضمان التطبيق الفعلي والجدي للآليات المطلوبة من قبل كافة الإدارات والجهات المعنية.

حقن التنحيف

أما حقن التنحيف التي حققت انتشاراً واسعاً في لبنان كما في مختلف دول العالم بعد أن أثبتت فاعليتها في خفض الوزن، فكان لها وضع خاص، إذ سجّلت فوضى كبرى في هذا القطاع. فكون الحصول على هذه العلاجات في لبنان لا يتطلب وصفة طبية، ومع ازدياد الطلب عليها، بدأت تباع في السوق السوداء بأسعار خيالية وبطريقة عشوائية، مع ما لذلك من تداعيات وآثار على الصحة. على إثر الفوضى التي حصلت في هذا المجال، خصوصاً في الفترة الأولى التي كان هناك شح فيها، ناشدت حوماني الصيادلة واختصاصيي التغذية نشر الوعي حول هذه العلاجات، والتشديد على ضرورة عدم تناولها من دون وصفة طبية أو من الأسواق غير الرسمية، نظراً للأخطار الصحية الخطيرة التي يمكن أن تنتج من ذلك مثل اضطرابات السكر في الدم واضطرابات الدهون وغيرها من المضاعفات الخطيرة.

من جهته، شدد طبيب أمراض الغدد الصم والسكري والدهنيات الدكتور شوقي عطالله، على أن السمنة تعتبر بالفعل آفة عالمية تسعى معظم الدول للتصدي لها، خصوصاً أنها ليست منعزلة بل ترتبط بأمراض عديدة، ولا يمكن الاستخفاف بها. وبالنسبة لحقن التنحيف، على رغم فاعليتها، هي لا تؤخذ بطريقة عشوائية ولا توصف لأي كان، كما يحصل في لبنان مع الفوضى الحاصلة في هذا القطاع. فتعتبر الحمية والرياضة أولى الوسائل التي يتم اللجوء إليها لمكافحة السمنة، أما في حال العجز عن خفض الوزن عبر هذه السبل، وبوجود مشكلة قد تسبب مشكلات قلب وشرايين وكلى ومفاصل وارتفاع في خطر الإصابة بالسرطان، فمن الممكن أن يصف الطبيب حقن التنحيف، إذ تبين أن بعض أنواع السرطان يمكن أن ينتج من البدانة، مثل سرطاني الثدي والقولون.

وفي ما يتعلق بطريقة عمل حقن التنحيف، فهي تؤثر على الدماغ عبر تخفيف الإحساس بالجوع، إلى جانب كونها تبطئ عمل الجهاز الهضمي بحيث تفرغ المعدة بوقت أطول، وهذا تحديداً ما قد يرتبط بالآثار الجانبية التي يمكن أن تنتج منها. فهي تبطئ وظائف الأمعاء، ويمكن أن تسبب إسهالاً أو إمساكاً. هي من أنواع الهرمونات في الجسم وتنظم عمل الإنسولين والغلوكاغون. ويقول عطالله، "تستطيع هذه الحقن خفض الوزن بمعدل 20 إلى 25 في المئة، إلا أن البعض يتجاوب بشكل أفضل من الآخرين، بحسب الجسم والتركيبة الجينية. في الوقت نفسه، لا يمكن الاستمرار بالأكل بشكل طبيعي لدى تناولها، بل يجب اتباع حمية والالتزام بالتعليمات".

تحدي كبير وحاجة للتوعية

ثمة تفاوت في الدراسات حول حقن التنحيف ومدة تناولها، لكن أحدثها يدعو إلى تناولها طويلاً، وربما تكون هناك حاجة إلى تلقيها مدى الحياة، إذ تبيّن أنه لدى وقفها 50 في المئة أو أكثر ممن يتلقونها يستعيدون ثلثي الوزن الذي خسروه. لذلك تطرح هنا إشكالية كلفتها المرتفعة، إلى جانب الآثار الجانبية التي يمكن أن تنتج منها.

تحظى هذه العلاجات بتغطية صحية من قبل الحكومات في دول معينة، ما يخفف من أعباء تكاليفها ويسهم في تنظيم سوقها خصوصاً أنها لا تباع إلا بوصفة طبية. أما في لبنان، فلا تغطية صحية لها، ولا يعترف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بها إلا لمريض السكري الذي لم يظهر تجاوباً مع بقية علاجات السكري. غير أن الكثيرين في لبنان يتناولونها عشوائياً للتخلص من بضعة كيلوغرامات من دون استشارة طبيب، بدلاً من اللجوء إلى حمية لخفض الوزن. بحسب عطالله، لا تزال هذه العلاجات غير متوافرة في كثير من الأحيان حتى لمرضى السكري، بسبب ارتفاع الطلب عليها لخفض الوزن والفوضى الحاصلة، ما يشكل تحدياً كبيراً لا سيما للمرضى الذين هم بحاجة إليها فعلاً إما لضبط مستويات السكري أو لمعالجة السمنة التي قد تشكل خطراً عليهم. لذلك، يدعو الطبيب إلى تنظيم هذا القطاع وفرض ضوابط صارمة، بالتزامن مع خفض مستويات السمنة المرتفعة في لبنان بالتركيز على التوعية في المدارس حول أخطار زيادة الوزن ووضع البدانة ضمن الأولويات في استراتيجيات الصحة العامة.

في لبنان، يبدو واضحاً أن هناك قلة وعي حول التداعيات الصحية الخطيرة للسمنة. لذا من المهم البدء بتوعية الجيل الجديد والأطفال حول هذه الأخطار، علّ ذلك يساعد على خفض المعدلات مستقبلاً، كون الوقاية من سن صغيرة هي الحل عبر التشديد على الحد من تناول السكريات والأطعمة الغنية بالدهون والتشجيع على ممارسة الرياضة.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة