Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بالصور... إسرائيل تفرض هويتها البصرية على الضفة الغربية

إزالة العلم الفلسطيني من المنشآت ومنع رفعه يرافقه انتشار المجسمات اليهودية والرموز العبرية في الطرق والشوارع

نشر الأعلام والرموز والشعارات ونجمة داوود في كل بقعة ليس مجرد عمل سياسي بل للتعبير عن التزام ديني (اندبندنت عربية)

ملخص

يأتي تحرك المستوطنين وتكثيف نشر الرموز والأعلام والشعارات في الضفة الغربية، بالتزامن مع مساع إسرائيلية رسمية للسير بمشروع قانونٍ يفرض على القوانين الإسرائيلية، وكل المراسلات والسجلات الرسمية، تسمية الضفة الغربية بـ"يهودا والسامرة"، في إطار يرى مراقبون أنه يأتي لتعزيز الرواية الإسرائيلية حول المنطقة.

في كل مرة يخرج فيها أيوب عطاري (15 سنة) من رام لله إلى نابلس شمال الضفة الغربية، لزيارة جدته، تختلط مشاعره بين التيه والفرح، ففي حين يستمتع بمشاهد الطبيعة الخضراء وأشجار الزيتون التي تملأ الجبال والتلال بين المدينتين، يعكر صفو سعادته رؤية مئات الأعلام الإسرائيلية المثبتة عن يمينه وشماله على طول الطريق البالغ نحو 75 كيلومتراً، إلى جانب بعض الرموز والشعارات الإسرائيلية.

الطريق الذي يشهد مروراً كثيفاً للمستوطنين بين شمال ووسط الضفة، بات يخلق لديه شعوراً بالغربة، فمن منطلق استيطاني تحمل هذه السياسة مزيجاً من الأبعاد الدينية والرؤية التوراتية، إضافة إلى أبعادٍ تاريخية نصب مستوطنون مئات الأعلام إسرائيلية، ومجسماتٍ دينية تحمل شكل الشمعدان السباعي (مينوراه) ونجمة داوود السداسية لخلق واقع جديد في شوارع الضفة يصعب تجنبه أو التراجع عنه.

ورصد فلسطينيون خلال مارس (آذار) الماضي اقتحام عشرات المستوطنين، مدرسة ثانوية فلسطينية للبنين في بلدة حوارة جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية، وأزالوا العلم الفلسطيني عنها ورفعوا مكانه علم إسرائيل، قبل أن يخطّوا شعارات عنصرية على جدران المدرسة.

وأظهر استطلاع سابق للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن عنف المستوطنين يمثل التهديد الأكبر لسكان الضفة الغربية، إذ إن 69 في المئة من الفلسطينيين يخشون حصول اعتداءات من المستوطنين عليهم في المستقبل، إلا أن هذه النسبة بالنسبة للفلسطينيين في المناطق المصنفة (ج) ترتفع لتصل إلى 80 في المئة و73 في المئة في المنطقة (ب)، وتنخفض إلى 61 في المئة في المنطقة (أ).

وبينّت الأرقام أن التهديد من عنف المستوطنين يتصاعد ليصل إلى 96 في المئة في المناطق التي شهدت أو لا تزال تشهد اعتداءاتٍ كهذه في المنطقتين (ب) و(ج)، ومنطقة "H2" في الخليل، حيث تصل هذه النسبة إلى 93 في المئة.

وبحسب المعطيات، فإن مخاوف السكان الفلسطينيين تشمل الاعتداءات على المساكن والممتلكات، والخوف من التهجير أو الإجبار على الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً، في حين أكدت تقارير مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسليم) "أن إسرائيل خلقت في الضفة الغربية نظام فصل عنصري ثنائي القومية يحدد الحقوق حسب الانتماء القومي ويعزز هيمنة المستوطنين على الأرض".

غرامة وسجن

ويتكئ المستوطنون لتبرير هذه الممارسات على نصوصٍ دينية كثيرة، يروّجون فيها أن الاستيطان فريضة دينية واجبة على كل يهودي وأن نشر الأعلام والرموز والشعارات ونجمة داوود في كل بقعة من الضفة الغربية ليس مجرد عمل سياسي، بل هو تعبير عن التزام ديني عميق، فالأرض بالنسبة للمستوطنين ورجال الدين اليهود (الحاخامات) ليست مجرد ملكية مادية لمساحة معينة، بل هي جزء من الوعد الربّاني الذي يجب تحقيقه.

وعملت قيادات المستوطنين لعقود على تحويل هذه الرؤية الأيديولوجية إلى سياسة دولة من خلال دعم الاستيطان، والتنسيق العسكري مع المستوطنين، واستخدام جهاز الإدارة المدنية في مناطق "ج" وعلى الطرق والشوارع لفرض السيادة في الفضاء العام على الفلسطينيين باستخدام الرموز والأعلام والشعارات، بما يمهد تدريجاً تغيير التركيبة البصرية والجغرافية لمصلحة المستوطنين على الطرقات، وضم الضفة الغربية، وتحويل مناطق (أ) إلى جزرٍ معزولة محاطة بمستوطنات وبؤر وطرق التفافية.

وصادق الكنيست الإسرائيلي عام 2016 على قانون من شأنه تشديد العقوبات على أي شخص يقوم بتدنيس العلم الإسرائيلي.

وبموجب قانون "العلم والشعار والنشيد الوطني" لعام 1949 والمعمول به حالياً في إسرائيل يسمح القانون بسجن المخالف لمدة تصل إلى ثلاثة أعوم، أو غرامة مالية تصل قيمتها إلى 50 ألف شيكل (16 ألف دولار).

 

 

في المقابل، مرر الكنيست عام 2023 قانوناً يقضي بمنع رفع العلم الفلسطيني بشكل جماعي داخل إسرائيل، إضافة إلى قمع الاحتجاجات وتنفيذ اعتقالات وفرض عقوبة السجن لمدة تصل إلى عام، في حال رفع متظاهرون العلم الفلسطيني.

وورد في موقع صحيفة "هآرتس" الإلكتروني، أن صلاحيات حظر رفع العلم الفلسطيني في الأماكن العامة تُمنح للمفتش العام للشرطة بموجب أمر الشرطة، إذ يكون بموجبه أن يفعل ذلك طالما أن العلم هو "رمز من أجله الإخلال بالنظام".

ووفقاً لما ذكره المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية "عدالة" فإن الشرطة الاسرائيلية كثّفت في الفترة الأخيرة من الاعتقالات والتحقيقات المرتبطة برفع العلم الفلسطيني، رغم أن هذا الفعل وفق قرارات قضائية وتوضيحات قانونية سابقة لا يشكّل مخالفة قانونية، مؤكداً أن هذه الاعتقالات تُستخدم كأداةٍ للترهيب وقمع حرية التعبير السياسي للفلسطينيين"، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن "المركز تابع عدداً من الحالات التي اعتُقل فيها مواطنون بسبب رفع العلم الفلسطيني في مظاهراتٍ ضد الحرب على غزة أو حتى داخل الحيّز الشخصي".

وأفادت محافظة القدس، بأن السلطات الإسرائيلية اعترضت في الـ11 من أبريل (نيسان) الجاري فرق الكشافة المقدسية التي انطلقت في مناطقة متفرقة بالقدس لمناسبة إحياء الكنائس المسيحية "سبت النور"، في كنيسة القيامة، وأزالت العلم الفلسطيني المعلق على القمصان، وهو ما يندرج وفق بيانها" ضمن محاولات فرض سيادة غير شرعية بالقوة لتغيير الطابع القانوني والمكانة التاريخية للقدس، بمكوناتها الإسلامية والمسيحية على حد سواء".

"يهودا والسامرة"

ويأتي تحرك المستوطنين وتكثيف نشر الرموز والأعلام والشعارات في الضفة الغربية، بالتزامن مع مساعٍ إسرائيلية رسمية للسير بمشروع قانون يفرض على القوانين الإسرائيلية، وكل المراسلات والسجلات الرسمية، تسمية الضفة الغربية بـ"يهودا والسامرة"، في إطار يرى مراقبون أنه يأتي لتعزيز الرواية الإسرائيلية حول المنطقة.

وبحسب ما قالته القناة السابعة الاسرائيلية، فإن الهيئة العامة للكنيست، صادقت بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون تعديل مصطلح "الضفة الغربية" إلى "يهودا والسامرة" بأغلبية أصوات الائتلاف وكتل المعارضة، وبدعمٍ من الحكومة، وهو ما اعتبرته وزارة الخارجية الفلسطينية "تصعيداً خطراً في إجراءات السلطات الإسرائيلية أحادية الجانب غير القانونية، وتمهيداً لاستكمال ضم الضفة الغربية وفرض القانون الإسرائيلي عليها بقوة الاحتلال، وتقويضاً ممنهجاً لفرصة تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض وحل الصراع بالطرق السياسية السلمية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطالبت الخارجية الفلسطينية في بيان "بتدخلٍ دولي عاجل لوقف محاولات إسرائيل تغيير الواقع السياسي والقانوني والجغرافي لأرض دولة فلسطين المعترف بها دولياً، ومنذ أكثر من 15 عاماً، بحسب التقديرات، تم استبدال اسم الضفة الغربية في التشريعات الإسرائيلية والسجلات الرسمية، بما فيها العسكرية، بكنية "منطقة"، وقبلها كان يتم استخدام مصطلح "المناطق المدارة".

ورغم أن مشروع القانون لا يزال في إطار القراءة الأولى، فإن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي أصدر أوامر لموظفيه باستعمال اسم "يهودا والسامرة" في المراسلات الرسمية والاتصالات والتوثيق، كما صوّتت الجمعية العامة في ولاية تينيسي الأميركية قبل أيام على قانونٍ يقضي بعدم استخدام اسم "الضفة الغربية" في الوثائق الحكومية، واستبداله بالتسمية التوراتية "يهودا والسامرة".

خطة 2030

أمام كل تلك التحديات والضغوطات التي يواجهها الفلسطينيون، جاءت تحركات المستوطنين، بالتزامن مع تصاعد اعتداءاتهم في الضفة الغربية، ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون خلال مارس الماضي497 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، أدت إلى مقتل تسعة فلسطينيين وخراب في الممتلكات.

ووفقاً لما طرحه الكاتب الإسرائيلي حجاي إلعاد في مقال رأي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإن عنف المستوطنين وعمليات القتل والتهجير "ليست انفلاتاً طارئاً على الهامش، بل تعبيراً عن منطق أعمق رافق المشروع الصهيوني منذ بداياته، يسعى لإخضاع الفلسطينيين، وحسم "المسألة الديموغرافية" بالقوة متى تعذر حسمها بالهيمنة وحدها، مؤكداً أن سياسات الدولة ومؤسساتها، من حكومة وجيشٍ وقضاء وتشريع وهيئات تخطيط، تتجه إلى معالجة هذه الفجوة، لا عبر المساواة، بل عبر تقليص الحضور الفلسطيني نفسه.

وخلال مؤتمر لحزب "الصهيونية الدينية" بمستوطنة "بسيجوت" في الضفة الغربية، في فبراير (شباط) الماضي، عرض رئيس الحزب ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ملامح المرحلة المقبلة ضمن حملته الانتخابية، ليس لترسيخ المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية لعقود قادمة وحسب، بل لاعتبارها إطاراً استراتيجياً متكاملاً يشمل مسارات عمرانية وديموغرافية وسياسية وأمنية، لإقامة عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية إلى جانب توسيع المستوطنات الزراعية وتعزيز ما يُعرف بالاستيطان الرعوي.

 

 

وأعلن سموتريتش توجيهه استثمارات ٍواسعة نحو البنية التحتية، بما يشمل شبكات الطرق والإسكان والخدمات داخل المستوطنات، والعمل على مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة الغربية خلال السنوات المقبلة، عبر تحسين مستوى الخدمات وجودة الحياة في مستوطنات الضفة الغربية، بما يعزّز استقرار السكان فيها، مؤكداً رفع حضور المستوطنين داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية وترسيخ مكانتهم في دوائر صنع القرار.

ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة التي قدمها سموتريتش بوصفها محطة مفصلية تتجاوز إطار دورة انتخابية اعتيادية، خصوصاً وأنه يصر في تصريحاته على فكرة إبقاء الفلسطينيين ضمن نظام فصل عنصري، أو الرحيل إلى الشتات، أو القمع بالقوة لمن يرفض.

ووفقاً لما كتبه عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية قبل أيام "فإن المستوطنين في الضفة لم يعودوا يسعون لإخفاء أفعالهم، بل باتوا ينشرون تقارير شهرية توثق اعتداءاتهم، بما في ذلك حرق منازل ومركبات ومساجد، وإصابة عشرات الفلسطينيين، وقطع أشجار الزيتون، في مشهدٍ علنيّ يعكس حجم الجرأة والدعم".

ويرى الكاتب الإسرائيلي أنّ هذه الظاهرة تحظى بغطاء سياسي واسع، في ظل قرارات حكومية، من بينها إلغاء الاعتقالات الإدارية بحق المستوطنين، إلى جانب إضعاف دور الشرطة، وتقييد تعريف "الإرهاب اليهودي" داخل الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أنّ الواقع الميداني يكشف عن تداخلٍ غير مسبوق بين الجيش والمستوطنين، خصوصاً بعد إدماج عناصر من البؤر الاستيطانية ضمن منظومات "الدفاع"، ما زاد من الفوضى وأضعف قدرة الجنود على ضبط الانتهاكات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير