ملخص
يمكن تشبيه وضع بوتين الحالي بالزعيم الذي يمسك بكل شيء معاً، من دون القدرة على الإمساك بأمر واحد بصورة صارمة ومحددة، اللهم إلا أمر الحرب في أوكرانيا، في نظر النخبة الروسية التي تتنافس على حصصها من قطعة الجبن الكبيرة، يُعد بوتين ضمانة "عدم الانهيار"، وهذا، بالمناسبة، ما يُميزه عن ضمانة الاستقرار.
أقحم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزارة الدفاع في الصراع ضد الفساد المستشري في البلاد، واستجاب لطموح وزير الدفاع الروسي، أندريه بيلوسوف، بتوسيع صلاحيات وزارته لمكافحة الفساد، ولذلك ستتلقى وزارة الدفاع الروسية أدوات جديدة وشاملة للقيام بهذه المهمة الشاقة، اعتباراً من أواخر يناير (كانون الثاني) الجاري، بموازاة مهمتها العسكرية الأساسية المتمثلة بتحقيق النصر في الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ نحو أربعة أعوام.
وبحسب مسودة الأمر المنشورة على بوابة القوانين الفيدرالية الروسية، سيمنح بيلوسوف نائبه، رئيس المديرية العسكرية السياسية الرئيسة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال فيكتور غوريميكين، سلطة إرسال الطلبات الرسمية إلى البنك المركزي الروسي، وتنص الوثيقة على توسيع نطاق الرقابة المالية بصورة كبيرة.
وسيتمكن الآن الجهاز العسكري من طلب المعلومات ليس فقط من مصلحة الضرائب وهيئة الرقابة المالية، بل أيضاً من البنوك، ووكالات تقييم الائتمان، ومراكز الإيداع، ومشغلي أنظمة المعلومات الذين يصدرون الأصول المالية الرقمية (العملات المشفرة).
في وقت سابق من هذا الشهر أكملت لجنة التحقيق الروسية تحقيقها الجنائي مع رئيس قسم مراقبة تنفيذ العقود الحكومية، أندريه تيورين، المتهم بإساءة استخدام منصبه أثناء تنفيذ عقد لوزارة الدفاع .
استخبارات مالية
وباشرت وزارة الدفاع الروسية فحص التعاملات المصرفية، والسجلات الائتمانية، وتعاملات العملات المشفرة لمكافحة الفساد وتعزيز الأمن القومي، وبحسب الوثيقة المنشورة على الموقع الرسمي للقوانين الفيدرالية، جرى توسيع كبير لصلاحيات الإدارة العسكرية في مجال الرقابة المالية وإنشاء فرع استخبارات مالية.
وإضافة إلى تفاعلاتها التقليدية مع السلطات الضريبية والسجل التجاري الحكومي، ستتمكن وزارة الدفاع من الوصول إلى البيانات من البنوك ووكالات الائتمان ومراكز الإيداع ومشغلي منصات المعلومات التي تصدر الأدوات المالية الرقمية، بما في ذلك العملات المشفرة.
وجاء في أمر وزير الدفاع الروسي، "أصدر بموجب هذا الأمر تفويضاً لنائب وزير الدفاع في الاتحاد الروسي، رئيس الإدارة العسكرية العامة الرئيسة للقوات المسلحة في الاتحاد الروسي، لتقديم استفسارات إلى المؤسسات الائتمانية، وسلطات الضرائب في الاتحاد الروسي، والوكالات المسؤولة عن تسجيل الدولة لحقوق العقارات والتعاملات المتعلقة بها، والكتالوغ المركزي لتاريخ الائتمان، والبنك المركزي للاتحاد الروسي، ومكاتب الائتمان، ومشغلي أنظمة المعلومات التي يتم من خلالها إصدار الأصول المالية الرقمية، وحاملي سجل مالكي الأوراق المالية، والجهات المودعة أثناء عمليات التفتيش لأغراض مكافحة الفساد".
وشهد عام 2025 عدداً كبيراً من قضايا الفساد التي وصلت إلى المحاكم، ومن بين المدانين مسؤولون رفيعو المستوى وقضاة وجنرالات، صودرت منهم مليارات الدولارات.
وأصبحت مكافحة الفساد في وزارة الدفاع محور اهتمام المجتمع الروسي منذ بدء العمليات العسكرية في أوكرانيا، وقد بات التحقيق في جرائم نائب وزير الدفاع السابق تيمور إيفانوف، الذي بدأ عام 2024، على رأس الأولويات .
وتعتقد وزارة الدفاع أنه من خلال الوصول إلى بيانات البنوك ومكاتب الائتمان ومراكز الإيداع، ستتمكن الهياكل العسكرية من مراقبة التعاملات المالية للعسكريين والجنرالات وموظفي الصناعات الدفاعية، مما يضمن مزيداً من الشفافية والنزاهة في القطاع المالي.
وفي الوقت نفسه، ستتيح المراقبة الموسعة تحديد التعاملات المشبوهة وإساءة استخدام السلطة على الفور، مما يقلل من احتمالية الفساد واختلاس الأموال العامة.
علاوةً على ذلك، فإن قدرة وزارة الدفاع المحسنة على مراقبة التدفقات المالية تعزز الأمن القومي، مما يمكنها من منع محاولات تمويل الجماعات المتطرفة والتهديدات الأخرى بصورة غير قانونية على الفور، ومن ثم فإن السيطرة على عمليات الهياكل العسكرية ستضمن الاستخدام الرشيد لموازنة الدولة، مما يزيد كفاءة خصخصة الموارد ويقضي على الإنفاق غير المبرر.
تشديد الإجراءات
ابتداءً من يناير الجاري دخلت حيز التنفيذ في روسيا قواعد جديدة لتحديد التعاملات المصرفية المشبوهة، أقرها البنك المركزي لتعزيز مكافحة الفساد والاحتيال، ويوسع هذا القرار قائمة مؤشرات سرقة الأموال ويستبدل اللوائح القديمة، وبموجب هذه الآلية يشدد البنك المركزي متطلباته على المؤسسات المالية ويطبق تدابير إضافية لحماية حسابات الأفراد.
بحسب الوثيقة سيتضاعف تقريباً عدد معايير تصنيف التحويلات المالية على أنها احتيالية، وسيخضع التحويل "إلى الذات" عبر نظام الدفع الفوري الذي تبلغ قيمته 200 ألف روبل (2500 دولار) أو أكثر لتدقيق خاص إذا تم تحويل الأموال خلال 24 ساعة إلى مستلم جديد لم يسبق للعميل التعامل معه، وسيُعتبر تغيير رقم الهاتف أخيراً في الخدمات المصرفية عبر الإنترنت أو على بوابة الخدمات الحكومية قبل إجراء التحويل مباشرة أمراً مشبوهاً.
وقال متخصص تكنولوجيا المعلومات إيليا كوستونوف "اليوم، أصبحت هذه مخططات مُحكمة التنظيم، تتسم بالتعقيد التقني والنفسي، لا يسع البنوك والهيئات الرقابية إلا أن تتخذ إجراءات استباقية، وإلا ستبقى متأخرة بخطوة".
استشراء الفساد
الفساد في روسيا قضية معقدة، فالجميع، بدءاً من الرئيس وصولاً إلى أصغر مسؤول، أعلنوا الحرب عليه، لكن ثمة فجوة كبيرة بين الأقوال والأفعال، وهذا واضح، إذ يكفي النظر إلى استطلاعات الرأي العام والتصنيفات الدولية.
كثيراً ما شكّلت مكافحة الفساد أولوية قصوى في روسيا، إلا أن العام الماضي شهد تصاعداً ملحوظاً في هذا الصدد، إذ فُتحت 24 ألف قضية جنائية متعلقة بالفساد خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 فقط، بزيادة مقدارها 16 في المئة على العام السابق، وأشار الرئيس الروسي إلى أن الفساد يعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وسوق العمل، ويؤثر سلباً في بيئة الأعمال، لذا يجب مواصلة مكافحته.
واحتلت روسيا مرتبة متدنية في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ تحتل حالياً المرتبة 137، متساوية مع ليبيريا ولبنان ومجتمعات هشة أخرى عانت صراعات حادة، ووفقاً لاستطلاعات مركز "ليفادا"، يعتقد 31 في المئة من الروس أن الفساد ازداد منذ بداية حكم بوتين، بينما يرى 43 في المئة آخرون أنه لم يطرأ أي تغيير على مستوى الفساد، ويعتقد 15 في المئة أنه انخفض.
وفي مارس (آذار) الماضي أصدر بوتين تعليمات لأجهزة إنفاذ القانون بتعزيز مكافحة الفساد، وسنّ قوانين جديدة تهدف إلى تقليل احتمالات الاختلاس من الخزانة العامة، علاوةً على ذلك، أفاد مكتب المدعي العام بارتفاع معدل كشف الجرائم المالية المرتكبة ضد مسؤولين في موسكو والمناطق المحيطة بها.
خلال اجتماع موسع لمجلس وزارة الداخلية أكد الرئيس الروسي ضرورة مواصلة مكافحة الفساد بكل أشكاله دون أي تباطؤ، وأضاف أن الفساد يعوق تنمية كثير من القطاعات في روسيا الاتحادية، لا سيما الاقتصاد والمجتمع وسوق العمل، فضلاً عن تأثيره السلبي في قطاع الأعمال وبيئة الاستثمار.
الفساد يكلف روسيا مليارات
عام 2025 بلغت الأضرار الناجمة عن الفساد، وفقاً للتحقيقات الرسمية، قرابة 18.5 مليار روبل (185 مليون دولار تقريباً) (الدولار يساوي 76 روبلاً) ولكن هذا ليس إلا قمة جبل الفساد المخفي، وفي الوقت نفسه صودرت أصول مسؤولين فاسدين بقيمة إجمالية مقدارها 24.5 مليار روبل، بينما أُعيد 4.7 مليار روبل طواعية.
وتعكف لجنة التحقيق على إعداد مشروع قانون يسمح بمصادرة الممتلكات المرتبطة بالفساد، حتى لو كانت مخفية عبر أطراف ثالثة، ويسهّل إعادة الأصول إلى الخارج، وتهدف هذه الإجراءات الجديدة إلى تعزيز مكافحة الفساد وحماية مصالح الدولة.
غالباً ما ينتشر الفساد بين المسؤولين الحكوميين، وكبار الجنرالات وكذلك العاملون في قطاعي التعليم والرعاية الصحية، وضباط إنفاذ القانون، ورجال الأعمال الساعون إلى تحقيق مكاسب غير مشروعة. وأشار رئيس لجنة التحقيق، ألكسندر باستريكين، إلى أن "هذه القطاعات تُركز أهم العلاقات العامة وتدفقات الموازنة الكبيرة، مما يجذب أولئك الذين يسعون إلى الإثراء غير المشروع أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، وغالباً ما يحاول ممثلو الكيانات التجارية تهيئة الظروف الأمثل لأنشطتهم من خلال الفساد".
التربح من الحرب
وأصبحت الحرب في أوكرانيا بمثابة اختبار ضغط لجميع المؤسسات في روسيا الحديثة، وقد اجتاز المجتمع والدولة ككل هذا الاختبار بصعوبة حتى الآن، لكن لا ينطبق الأمر نفسه على رجال الأعمال والمسؤولين في المناصب الحكومية، الذين يرون، كما كانت الحال قبل 100 عام، في الصراع المسلح فرصة للتربح.
لماذا لا يدرك حتى المسؤول الفاسد المخضرم أن سرقة المال العام وعمليات ابتزاز الجيش في عمليات خاصة تشكلان خطراً عليه في أقل تقدير؟ هل هي عادة متأصلة، أم غياب غريزة البقاء، أم شعور مطلق بالإفلات من العقاب؟ يبدو أن الأمر مزيج من كل ذلك، لا عجب إذ إن مسؤولاً حكومياً كبيراً قال أخيراً لقوات الأمن، وهو يكاد يبتسم حين رأى الأصفاد في يديه "انتظرتُ هذا طويلاً، لقد سئمتُ".
يتزايد عدد المسؤولين الفاسدين الذين ينتظرون مصيرهم المحتوم، أو بالأحرى لقد انتظرت البلاد بالفعل، لكن وسائل الإعلام امتلأت أخيراً بتقارير عن الاعتقالات والمحاكمات والأحكام، وللاختصار، سنذكر أبرز الفضائح التي هزّت هذا المجتمع الفاسد في الآونة الأخيرة.
بدايةً، لا بد من الإشارة إلى أولئك الذين استفادوا من العقود المبرمة مع وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها، إن عملية التطهير هنا واضحة للعيان، وتجري بصورة منهجية، فقد حُكم على نائب رئيس قسم الإمداد والتموين السابق في الحرس الوطني الروسي، ميرزا ميرزاييف، بالسجن تسعة أعوام بتهمة قبول رشوة مقدارها 140 مليون روبل (1.4 مليون دولار تقريباً)، ويطالب الادعاء العام بسجن نائب المدير العام السابق لشركة "أوبورونليس" الفيدرالية الحكومية الموحدة، أليكسي كوبيانوف، 17 عاماً بتهمة قبول رشوة ضخمة، أما المدير العام السابق لشركة الإنشاءات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، أندريه بيلكوف، فقد مُنع من التطوع في الجبهة مقابل تعليق قضيته الجنائية، هذا القرار مثالي ومناسب في آنٍ، فمن المنطقي إرسال حتى القاتل إلى وحدات الاقتحام بدلاً من إرسال شخص سرق من وزارة الدفاع، مما قوّض القدرة الدفاعية للبلاد، فمثل هذا الشخص قادر على خيانة رفاقه، إذ لم يتردد في سرقة أبناء شعبه خلال الحرب.
محاولات يائسة
وتحاول روسيا خوض حرب منهجية ضد الفساد على جميع المستويات، بغض النظر عن الرتبة أو المنصب، أو الإنجازات السابقة، سواء كانت حقيقية أو متصورة، لكن هذه المحاولات ما زالت يائسة، لا مجال للتساهل في هذه الحرب، التي عجز بوتين عن تحقيق أي نصر فيها، لذلك قال في مارس الماضي بعد أكثر من 20 عاماً على تربعه على سدّة الرئاسة في الكرملين، "يجب ألا نبطئ وتيرة مكافحة أي مظهر من مظاهر الفساد"، لقد فهمت قوات الأمن توجيهات بوتين جيداً، والآن ينتظر هؤلاء المسؤولون المتورطون في ممارسات فاسدة زيارة ضباط إنفاذ القانون، إنهم "ينتظرون مصيرهم" ولكن ليس على أحرّ من الجمر.
ولا يسعهم إلا الانتظار، فالرئيس المتهم بتأسيس نظام سياسي يفتقر إلى مؤسسات دستورية متوازنة ومستقلة، يشرّع بتركيبته أبواب الرشوة والفساد، ليس وحده في حربه المنهجية ضد الرشوة والفساد، إذ يتزايد الطلب الشعبي على استئصال الفساد، لا سيما في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ويطالب الشعب بقطع رؤوس متلقي الرشاوى، حرفياً، وبلا رحمة.
يدرك فلاديمير بوتين جيداً أن المواطنين ينظرون إلى المسؤولين الفاسدين على أنهم خونة للوطن بلا أدنى شك، ومن هنا تأتي الأحكام الصارمة، بل القاسية، ولا يقتصر الأمر على العسكريين وحسب، إذ حُكم على المدير التنفيذي لشركة السكك الحديدية الروسية، دينيس أندرييف، بالسجن 12.5 عام بتهمة تلقي رشوة مقدارها 105 ملايين روبل، بينما حُكم على نائب وزير التنمية الرقمية السابق، سيرغي بارشين، بالسجن تسعة أعوام مع الأشغال الشاقة.
للحرب على الفساد بُعد إقليمي واضح، تتوالى الأخبار هنا يومياً، وليس فقط حول مسؤولين صغار مثيرين للجدل، بل حول جنرالات كبار ووزراء ومديرين عامين، ففي الأسابيع الأخيرة في روستوف-نا-دونو أُلقي القبض على رئيس الإدارة السابق، أليكسي لوغفينينكو، للاشتباه في اختلاسه 47 مليون روبل (470 ألف دولار تقريباً) من الموازنة، في سوتشي يطالب مكتب المدعي العام بمصادرة أصول بقيمة 1.6 مليار روبل (16 مليون دولار تقريباً) تعود لرئيس البلدية السابق أليكسي كوبايغورودسكي وشركائه، في كولومنا احتُجز نائب رئيس البلدية سيرغي تسابلينسكي بتهمة الاحتيال في قطاع البناء، في منطقة فورونيغ يخضع نائب وزير التجارة السابق ألكسندر كوكين للتحقيق بتهمة إساءة استخدام السلطة، وفي منطقة سامارا يخضع نائب الحاكم الأول السابق فيكتور كودرياشوف للتحقيق.
نتيجة لجهود قوات الأمن تسترد الدولة بصورة متزايدة جزءاً كبيراً من الأموال المسروقة (مع أن تلك المأكولات البحرية الفاخرة التي تناولها المسؤول الفاسد في مطعم راقٍ قد ضاعت إلى الأبد)، منذ عام 2020 استردت النيابة العامة ما يقارب 800 مليار روبل (أكثر من 10 مليارات دولار) من الممتلكات والأموال من مسؤولين فاسدين، ومن المثير للاهتمام أنه بينما قُدّرت الأضرار الناجمة عن الفساد عام 2024 بنحو 30.4 مليار روبل، تجاوزت الممتلكات المصادرة والأصول المجمدة هذا المبلغ بمقدار 6 مليارات روبل، وتؤكد النيابة العامة أن مكافحة الفساد تحولت من مجرد الإبلاغ الإحصائي إلى مصادرة الأصول بصورة منهجية وتحديد هوية المتورطين الرفيعي المستوى في هذه المخططات، وازداد عدد الجرائم التي يتم فضحها: ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025 وحدها، كُشف عن 15458 قضية، بزيادة مقدارها 24 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه، وهكذا، فإن الحرب ضد متلقي الرشاوى والمختلسين، التي بدأتها وزارة الدفاع، على أشدها، إذ يشكّل الفساد تهديداً حقيقياً للأمن القومي.
إذا عدنا إلى دروس التاريخ: في الحرب العالمية الأولى، كاد جشع المختلسين يُنهي الإمبراطورية الروسية، حين تجاهل الإمبراطور الأخير شكاوى رئيس مديرية المدفعية الرئيسة، الجنرال أليكسي مانيكوفسكي، من أن الصناعيين يرفعون الأسعار بنسبة 300 في المئة وأن هذا سرقة صريحة، قائلاً إنه لا جدوى من "إثارة الرأي العام"، لقد استُخلصت دروس التاريخ، يُدرك فلاديمير بوتين تماماً أن الرأي العام اليوم لا يتعاطف مع اللصوص قيد أنملة.
التكيف مع الواقع
يُجبر الواقع الجديد اللاعبين على التكيف مع الحياة في مناخ من انتشار الفساد وانعدام الأمن وعدم القدرة على التنبؤ، وكما هي الحال في الرأسمالية الجامحة، يمكن الحديث عن ظهور "بوتينية جامحة"، إذ لا أحد يعلم ما يخبئه الغد، والجميع - بغض النظر عن المنصب أو الرتبة - مستعدون للاعتقال في أي لحظة.
عام 2025 تضاءل اهتمام العالم الخارجي والروس أنفسهم بالعمليات السياسية الداخلية في روسيا بصورة ملحوظة، بدا حكم فلاديمير بوتين أبدياً، ولا يزال الشعب يدعم الحكومة والحرب على حد سواء، ولم تُفضِ العقوبات إلى انهيار مالي أو اقتصادي أو سياسي، واضطرت النخب المتمسكة بالالتحاق بالغرب إلى التكيف مع الواقع، مما جعلها غير مقبولة في نهاية المطاف لدى الغربيين، إلا أن هذا "اليأس" خادع، فقد بدأت الحرب تُؤثر بصورة عميقة في طبيعة قيادة بوتين، وسلوك النخب، وعملية صنع وتنفيذ القرارات الحكومية، وما بدا من الخارج كـ"حصن" يتحول تدرجاً إلى بنية تُعيد إنتاج نفسها، لذلك يتضاءل دور المؤسسات الدستورية والرقابية والقضائية، لينحدر النظام المستقر إلى حال من "البوتينية الجامحة"، إذ يتآكل دور الحكومة المركزية وقادة الرأي والمفكرين، لمصلحة بلطجية ومشاغبين من أمثال رئيس الشيشان رمضان قديروف وغيره، بينما تؤدي الحماسة الشعبية على النقيض من ذلك دوراً محورياً.
فشل بوتين في مكافحة الفساد
يعترف بوتين خلف الأبواب المغلقة وفي الجلسات الخاصة بفشله في وقف عاصفة الفساد التي تهب على البلاد من كل النواحي، ويقرّ بتضاؤل دوره كحَكَم في صراعات القوى داخل حاشيته، وفقدانه الاهتمام بالشؤون الروتينية، وابتعاده عن صنع القرارات غير الاستراتيجية، كثيراً ما فوّض بوتين المسؤولية بنشاط إلى مجلس الوزراء، والمحافظين، والبنك المركزي، والأجهزة الأمنية، وما إلى ذلك، لا يحتفظ بوتين لنفسه إلا بتلك الأمور التي، كما يقول سكرتيره الصحافي، ديمتري بيسكوف، "تقع على المستوى الرئاسي"، وقد انحصرت صلاحياته المباشرة في حالات محددة للغاية، ولكن حتى في هذه الحالات بات تدخل الرئيس الشخصي سطحياً بصورة متزايدة، إذ لا يقدم أي ضمانات للأطراف المعنية.
يمكن تشبيه وضع بوتين الحالي بالزعيم الذي يمسك بكل شيء معاً، من دون القدرة على الإمساك بأمر واحد بصورة صارمة ومحددة، اللهم إلا أمر الحرب في أوكرانيا، في نظر النخبة الروسية التي تتنافس على حصصها من قطعة الجبن الكبيرة، يُعد بوتين ضمانة "عدم الانهيار"، وهذا، بالمناسبة هو ما يميزه عن ضمانة الاستقرار، فمنذ ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 بدأ الاستقرار بمفهومه الخاص بالتغير، إذ بدأ التطور المتوقع، الذي يعتمد على رأس مال الدولة واقتصاد السوق الذي لا يزال قائماً مع نظام سياسي مُعطل منذ أعوام، يُستكمل باضطرابات جيوسياسية، وقد شهدنا بالفعل كثيراً منها: الحرب في سوريا، والرسوم المُرعبة حول أسلحة جديدة تطورها روسيا، وسيل من العقوبات، وأزمة الحرب المتفاقمة في أوكرانيا، وغيرها.
كان اندلاع الحرب الشاملة مع أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 صدمة شديدة، لكنها لم تعطل التنمية الداخلية المستقرة، بعد العام الأول أعرب كثير من أفراد النخبة عن دهشتهم السارة، لم يتعطل النظام وحسب، بل تكيّف بسرعة مذهلة مع الواقع الجديد، في الوقت نفسه أدى وضع سوق العمل (انخفاض البطالة وارتفاع الأجور) والنمو الاقتصادي (وإن كان نتيجة لضخّات عسكرية واسعة النطاق) إلى شعور السكان بتحسّن غير مسبوق.
الحرب وهاجس النصر
بطبيعة الحال يحلم كثير من النخبة المحيطة بـ"القيصر" بإنهاء الحرب وبدء محادثات السلام واستعادة العلاقات مع الغرب، لكن في الوقت نفسه يسيطر على المؤسسة الحاكمة هاجس تحقيق النصر بأي ثمن، لقد بلغت الحرب من التفاقم حداً أنشأ إدراكاً راسخاً، وإن لم يكن إجماعاً، بضرورة صمود البلاد حتى النهاية، مع ذلك، قلّما يستطيع أحد شرح معنى "حتى النهاية"، لكن من المؤكد أن ذلك لن يعني الهزيمة في الحرب، إذ سيُخلّف مثل هذا السيناريو على روسيا التزامات مالية واقتصادية وسياسية هائلة، ومن المرجح أن تكون هذه الالتزامات مدمرة، سواء على مستوى التصورات الروسية الداخلية للوضع، أو على مستوى الاقتصاد، أو النظام السياسي، أو الدولة كمؤسسة.
مع ذلك فإن هذه الميزة التي يتمتع بها بوتين كداعمٍ له جانب سلبي خطر للغاية بالنسبة إلى النخب، فالحرب تُقلّل من قيمة القيادة السياسية الفعّالة، التي تُعد أساسية لاستقرار النظام. الحرب، والمواجهة مع الغرب، وبناء العلاقات مع الصين والهند (وما يُسمى بالجنوب العالمي برمّته)، وتنافس القيم والحضارات - كلها أمور تؤثر عاطفياً في بوتين اليوم، وهو أقل انخراطاً بكثير في الشؤون الداخلية.
منذ بدء الحرب في أوكرانيا برزت صراعات وجودية أكثر حدة داخل النخب المحيطة ببوتين، مثل تخلي عدد من رجال الأوليغارشية الفاسدين، الذين ترك لهم الرئيس البلاد سدحاً مدحاً، عنه، وعلى رأسهم مهندس الرأسمالية المتوحشة في البلاد، أناتولي تشوبايس، وكذلك أشهر مطربة في روسيا، أللا بوغاتشوفا، وزوجها الكوميدي المعروف مكسيم غالكين وغيرهم، وهربهم إلى إسرائيل بعدما سبقتهم إليها الأموال التي جمعوها من عمليات فساد ونهب، وبعد ذلك تمرد يفغيني بريغوجين في يونيو (حزيران) 2023، ولما يقارب عاماً لم يتدخل بوتين في الصراع بين شركة "فاغنر" الأمنية الخاصة ووزارة الدفاع، معتمداً على ضمير بريغوجين ووطنيته وولائه، وبينما أبقى بوتين على خدمات هذه الشركة الأمنية غير الشرعية، دعم وزارة الدفاع كمؤسسة رئيسة في الحرب، لكنه ترك الوضع يتطور، مما أدى إلى عواقبه المعروفة: زحف الدبابات نحو موسكو.
بيلوسوف آخر الخيارات
تراجعت حساسية بوتين بصورة ملحوظة تجاه القضايا السياسية الداخلية الحساسة لدى النخبة والمجتمع، عملياً يؤدي هذا الوضع إلى هيمنة القرارات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأولويات الأفراد أو المؤسسات، ويتجلى ذلك بوضوح في كيفية توزيع أصول الشركات الأجنبية، ومسار الاعتقالات، بما في ذلك اعتقال مسؤولين رفيعي المستوى، وكيفية مراجعة صفقات الخصخصة التي أُبرمت في التسعينيات، وحتى في كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بالموظفين، هذا يخلق واقعاً جديداً يُجبر الفاعلين على التكيف مع بيئة يسودها انعدام الأمن وعدم القدرة على التنبؤ، قياسا إلى الرأسمالية الجامحة، يمكننا الحديث عن ظهور بوتينية جامحة، إذ لا أحد يعلم ما يخبئه الغد، والجميع - بغض النظر عن المنصب أو الرتبة - مستعد للاعتقال في أي لحظة، فبينما كانت الأخطار السياسية في الأعوام السابقة تنبع من المبادرة، أصبح التقاعس الآن هو الخطر.
أمام هذا الواقع الملتبس وجد بوتين ضالته في المتخصص الاقتصادي أندريه بيلوسوف، الذي يطلق عليه في روسيا لقب "البلشفي المؤمن"، فأسند إليه قيادة وزارة الدفاع الروسية، في العام الثالث من العملية العسكرية الخاصة، بعدما بلغ سيل الفساد داخل الجيش الزبى، تحت قيادة صديقه المقرب وأحد مؤسسي حزب السلطة معه (روسيا الموحدة)، سيرغي شويغو، فنقله من قيادة وزارة الدفاع ليترأس مجلس الأمن القومي، من دون أن يكلف نفسه عناء توجيه سؤال واحد له عن سبب انتعاش الفساد تحت عباءته في وزارة تقود الحرب في أوكرانيا والمواجهة الشرسة مع الغرب الجماعي.
أندريه بيلوسوف نشأ في عائلة من العلماء، ودرس على نطاق واسع، وعمل في المختبرات، كان والده، ريم بيلوسوف، متخصصاً اقتصادياً وحاصلاً على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، وشارك في إعداد إصلاحات رئيس الوزراء اليكسي كوسيغين خلال عهد ليونيد بريجنيف، أما والدته، أليسا بافلوفنا، فكانت تعمل كمتخصصة كيماوية إشعاعية ومعلمة، وتحمل شهادة دكتوراه في الكيمياء.
تخرج بيلوسوف في مدرسة متخصصة في الفيزياء والرياضيات، وإلى جانب دراسته، مارس الشاب رياضة السامبو والكاراتيه مثل بوتين، وكانت خطوته التالية هي الالتحاق بقسم الاقتصاد في جامعة موسكو الحكومية، إذ تخصص في علم التحكم الآلي الاقتصادي.
ثم التحق بيلوسوف بالدراسات العليا في المعهد المركزي للاقتصاد والرياضيات التابع لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي، وفي الوقت نفسه بدأ الشاب العمل: أولاً كمهندس بحث، ثم كباحث مبتدئ في أحد المختبرات، وكان فريق العلماء، الذي ضم بيلوسوف، يدرس أنظمة التفاعل بين الإنسان والآلة.
في مايو (أيار) 2024 رشح الرئيس بوتين بيلوسوف لمنصب وزير الدفاع، وفي الـ14 من مايو، وافق مجلس الاتحاد على ترشيحه .
شكّل هذا التعيين مفاجأة لكثيرين، إذ اعتقد الصحافيون أن وجود المتخصص الاقتصادي على رأس وزارة الدفاع ضروري للإشراف على الإنفاق الدفاعي، وصرح مصدر مقرب من الرئيس لوسائل الإعلام الغربية بأن "بيلوسوف تكنوقراطي مجتهد معروف لدى بوتين"، وهو "نزيه تماماً".
ومنذ ذلك الحين يُجري بيلوسوف في منصبه الجديد تدقيقاً شاملاً مصحوباً بعمليات تطهير، ففي عهده أُلقي القبض على نائبين لوزير الدفاع وعلى الجنرال إيفان بوبوف، القائد السابق للجيش الـ58، وغيره من كبار الجنرالات بتهمة الرشوة والفساد والاحتيال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سجل الاعتقالات
طاولت موجة الاعتقالات المستمرة منذ أشهر عدة في وزارة الدفاع الروسية كثيراً من كبار المسؤولين العسكريين، وشمل المعتقلون نائبين للوزير، وعشرات الجنرالات، ومسؤولين نافذين، على رأسهم نائب وزير الدفاع، تيمور إيفانوف، ووفقاً لمصدرين مستقلين مقربين من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، فإنه "لم يكن أحد ليُلقي القبض على هذا المتنفذ في حزب السلطة "روسيا الموحدة" بتهمة الفساد، كان الجميع [في الكرملين] على علم بالأمر منذ فترة طويلة، أصدر بوتين الأمر بعدما تمكن من إقناعهم بوجود خيانة".
في الـ26 من يوليو (تموز) الماضي أُلقي القبض على نائب وزير الدفاع السابق، الجنرال ديمتري بولغاكوف، وأفادت لجنة التحقيق وجهاز الأمن الفيدرالي الروسي بأن بولغاكوف مارس ضغوطاً لمصلحة موردي المواد الغذائية للجيش، فعلى سبيل المثال، وبمساعدة إدارة مصنع "غريازينسكي" للأغذية، أُنشئ نظام لإرسال حصص غذائية جافة رديئة الجودة إلى الجيش بأسعار مبالغ فيها، ولهذا السبب، لم يحصل العسكريون على طعام جيد حتى في زمن الحرب،
في الـ13 من مايو 2024 اعتقل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يوري كوزنيتسوف، رئيس مديرية الموارد البشرية بوزارة الدفاع، الرئيس السابق للمديرية الثامنة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية (المسؤولة عن حماية أسرار الدولة).
وفي الـ17 من مايو 2024 أُلقي القبض على القائد السابق للجيش الـ58، اللواء إيفان بوبوف، بتهمة الاحتيال الواسع النطاق بالتنسيق مع قائده، الفريق أوليغ تسوكوف، الذي تولى منصب نائب قائد المنطقة العسكرية الجنوبية، وقُتل عندما أصاب صاروخ "ستورم شادو" مركز قيادة الاحتياط التابع للجيش الـ58 في فندق "ديون" بمدينة بيرديانسك، وقد مُنح لقب "بطل روسيا" بعد وفاته.
في الـ21 من مايو 2024 أُلقي القبض على الموظف في إدارة المشتريات الحكومية بوزارة الدفاع، فلاديمير فيرتيليتسكي، بتهمة إساءة استخدام السلطة في مناقصات لقادة عسكريين "ودودين"، إذ تم إنشاء نظام كامل يسمح للشركات "الموالية" للجنرالات بالفوز بمناقصات توريد معدات متنوعة، بما في ذلك المعدات القتالية من أجل أن ينتهي المطاف بالمال في جيوب مُحتالين يرتدون الزي العسكري ورجال أعمال مُريبين.
في الـ23 من مايو أُلقي القبض على رئيس مديرية الاتصالات الرئيسية نائب رئيس الأركان العامة، الفريق فاديم شامارين، بتهمة الرشوة على نطاق واسع.
في الـ25 من يوليو 2025 أُلقي القبض على رئيس شركة القانون العام التابعة لشركة الإنشاءات العسكرية، في موسكو، أندريه بيلكوف، للاشتباه في إساءة استخدامه عقود الدفاع الحكومية، وذكرت صحيفة "كوميرسانت" أن تيمور إيفانوف كان يشرف على عمل بيلكوف.
في الأول من أغسطس (آب) 2025 أفادت وسائل الإعلام باعتقال الرئيس السابق لفرع شركة الإنشاءات العسكرية، مديرية الإنشاءات التابعة للمنطقة العسكرية المركزية سيرغي سوخوف، وكان نائب وزير الدفاع السابق إيفانوف، الذي اعتُقل يشرف على عمليات الشركة.
في الخامس من أغسطس أفادت التقارير باحتجاز إدارة منتزه باتريوت العسكري، وصرحت المتحدثة باسم لجنة التحقيق الروسية، سفيتلانا بيترينكو، بأن اعتقاله تم بتهمة الاحتيال الواسع النطاق الذي ارتكبه مع مجموعته.
احتُجز مدير منتزه باتريوت، فياتشيسلاف أحمدوف، في إطار هذه القضية الجنائية، وبناءً على طلب المحققين، أمرت المحكمة بحبسه احتياطياً، واحتُجز نائب رئيس المديرية الرئيسة للتطوير الابتكاري بوزارة الدفاع الروسية اللواء شيستيروف.
بحسب المحققين فإن هؤلاء الفاسدين، إلى جانب متهمين آخرين، متورطون في اختلاس أموال ضخمة تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.
رئيس الأركان العامة لوزارة الدفاع الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، فقد جزءاً كبيراً من سلطته بعد وصول وزير الدفاع الجديد، أندريه بيلوسوف، وبات يفتقر الآن إلى النفوذ اللازم للتغطية على الجنرالات الفاسدين.
صراع العشائر
صرح عالم السياسة ستانيسلاف بيلكوفسكي لصحيفة "نوفايا يوروبا" بأنه "من الواضح أن نظام السلطة في روسيا برمته لا يمكن أن يستمر من دون فساد، ووزارة الدفاع جزء لا يتجزأ من هذا النظام"، فالفساد هو الدافع الرئيس وراء أهم القرارات الاقتصادية، وتتزايد خصخصة الأموال لوزارة الدفاع من الموازنة العامة، حتى أن تمويل الجيش يتخذ أشكالاً خيالية، وفي محاولة لمعالجة نقص الجنود على الجبهة، ضاعف بوتين رواتب الجنود المتعاقدين، وفي الوقت نفسه أراد خفض نسبة السرقة في وزارة الدفاع، ولهذا السبب استُبدل الوزير، لم يكن الهدف القضاء على الفساد، بل حصره ضمن حدود معقولة، كون بيلوسوف في ظل نظام السلطة الروسي الحالي يُعتبر نزيهاً.
ويقول مصدر في وزارة الدفاع لصحيفة "نوفايا يوروبا"، "لا يملك أندريه بيلوسوف، الذي حلّ محل سيرغي شويغو، فريقاً كبيراً خاصاً به لإعادة هيكلة وزارة الدفاع البيروقراطية بأكملها، وليس من قبيل المصادفة أن بافيل، الابن الأصغر لرئيس الوزراء السابق ميخائيل فرادكوف، عُيّن أحد نوابه، يسعى بيلوسوف جاهداً إلى كسب حلفاء، أما شويغو، فبعد توليه الوزارة، استعان برجاله من مناصبه السابقة في وزارة الطوارئ وإدارة منطقة موسكو، حاول شويغو التستر على الفساد المستشري، فعيّن مرؤوسيه الموثوق بهم في مناصب مربحة داخل الوزارة، وقد أنشأوا هيكلاً معقداً لخصخصة أموال الدولة، جرى تحويل جزء كبير منها عبر بنود سرية في الموازنة."
كان شويغو نفسه المستفيد الرئيس من هذه المؤامرة الهرمية بأكملها، فبينما كان يحظى بالدعم، روّج لنفسه، ونظّم سباقات ثنائية الدبابات، وفي الوقت نفسه نهب القوات المسلحة، كان بوتين على دراية بكل شيء، لكنه كان واثقاً من أن الجيش جاهز تماماً للقتال، إلا أن مسار العمليات في بداية العملية العسكرية في أوكرانيا أثبت أن هذا لم يكن صحيحاً على الإطلاق.
بحسب عالم السياسة عباس غالياموف بدأت تتشكل الآن جماعة أندريه بيلوسوف، حدث الأمر نفسه في وزارة الدفاع بعد استبدال سيرغي شويغو بأناتولي سيرديوكوف، استغرق شويغو بعض الوقت ليثبت نفسه، لكن على مدى أعوام نمت جماعته واكتسبت قوة ونفوذاً، وبدأت في بناء شبكاتها الإجرامية الخاصة، من الواضح أن بيلوسوف أكثر ذكاءً من شويغو، الذي حاول السيطرة على جميع قنوات النفوذ بمفرده.
وتؤكد مصادر في وزارة الدفاع الروسية أن بيلوسوف وبوتين قصدا من الاعتقالات في الجيش ردع متلقي الرشاوى والجنرالات الفاسدين، فقد انتاب القلق كثيراً من القادة العسكريين، لا سيما مديري سلاسل الإمداد، فشرعوا على وجه السرعة في تفكيك مخططات الفساد، ومع ذلك فقد وُقِّعت بعض العقود فترات طويلة، حتى بعد إجراء المناقصات، ولا يمكن ببساطة إعادة التفاوض عليها بشروط جديدة "تمنع الرشوة".
الفساد وتمسك بوتين بالسلطة
يوضح ستانيسلاف بيلكوفسكي أن لبوتين مخاوف كثيرة في شأن زعزعة استقرار النظام السياسي، مرتبطة بتصوره لانهيار الاتحاد السوفياتي، يسعى بوتين بشدة إلى تجنب تكرار أخطاء القادة السوفيات، وتجنب اجتماع ثلاثة عوامل: حرية التعبير، وتضخم الموازنة العسكرية بصورة هائلة، والتوسع العسكري المفرط للبلاد، لذا يجب على الزعيم الروسي منع أي زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري وكذلك في حرية التعبير، ولمنع ذلك لا بد من ضبط مستوى السرقة.
ويتوقع هذا المتخصص مزيداً من الاعتقالات ليس فقط داخل وزارة الدفاع الروسية، بل أن تستمر الآلة القمعية المكلفة بتطهير وكالة معينة في اعتقال أي شخص لا يملك احتضاناً مناسباً، وبما أن الجميع يسرق في هذا النظام فإن الجميع معرضون للاعتقال.
ويقول "من المعروف أن بوتين لا يعيّن في المناصب الرئيسة إلا ممثلين عن عائلات تربطه بها علاقات طويلة الأمد، كذلك فإن أبناء المقربين من الرئيس جزء من هذه الدائرة، وفي صميم هذا الهيكل أشخاص يعرفهم بوتين منذ 20 أو 30 عاماً، وهذا ما يفتح لهم الأبواب ليس فقط للترقي في مناصب السلطة، بل ممارسة الفساد والاستيلاء على المال العام" بسبب ركونهم لمعرفتهم وقربهم من رأس الهرم.