Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كريستوف بوتون يستعين بالفلسفة ليجيب عن سؤال الزمن

قضية إشكالية شغلت الفلاسفة منذ عهد الإغريق حتى النهضة والعصر الحديث

الزمن العابر بريشة إيزابيل دونت (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

ما الوقت أو ما الزمن؟ ومن يقدر أن يشرحه بإيجاز وسهولة؟ هل هو واقعٌ قائمٌ بذاته، أم هو نوع من العلاقة بين الموجودات؟ هل هو عنصر لا يُختزل من عناصر العالم، أم هو صورة من صور الوعي الإنساني الذاتي؟ وهل يتجه من الماضي إلى المستقبل أم العكس؟

 هذه الأسئلة التي رافقت الفكر الفلسفي منذ شذرات هيراقليطس، ومحاورة أفلاطون "التيماخوس"، وفيزياء أرسطو، مروراً بـ"اعترافات" أوغسطينوس، وكتاب كانط "نقد العقل المحض"، وفلسفة الطبيعة عند هيغل، وصولاً إلى كتابات هوسرل وبرغسون وهايدغر، يجيب عنها أستاذُ الفلسفة في جامعة بوردو- مونتاني، كريستوف بوتون، المتخصص في الفلسفة الألمانية، وفي نظريات التاريخ والوقت، ومسألة الزمن في الفلسفة المعاصرة، في كتابٍ بعنوان "على خطى الزمن"، الصادر حديثاً في باريس عن منشورات مينوي (608 صفحات، 2026).

يندرج الكتاب في إطار النقاشات المعاصرة حول ماهية الوقت والزمن، في محاولة هادئة لإعادة بناء شاملة لفلسفة الزمن على أسس أنطولوجية واقعية، بعيداً من الميتافيزيقا، متخذاً شكل تحقيق فلسفي يستفيد من معطيات الفلسفة القارية، ومن ثراء الفلسفة التحليلية الأنغلوسكسونية، ومن إسهامات الفيزياء المعاصرة.

في المقدمة يعرض بوتون لواقع سؤال الوقت والزمن في تاريخ الفلسفة القارية، مستكملاً تقديمه بـما يُعرف في التقليد الأنغلوساكسوني بـ"فلسفة الزمن" والتي يتواجه فيها المفكرون والعلماء حول عدد من المعضلات النظرية التي يقوم بإحصائها وتحديدها. بعدها يعرض لمنهج دراسته والذي يسميه "التحليلية الزمنية"، والذي يتمثل في شرح مفهوم الزمن من منظور أنطولوجي وواقعي، كـ"أفقٍ" لعالم الأشياء والأحداث، آخذاً في الاعتبار معطيات الفيزياء الحديثة. كما يُدرج في إطار هذا التحقيق علوماً تُعنى بالماضي، كالجيولوجيا، وعلم الأحافير، ونظرية التطور أو النشوء والارتقاء.

أما الأطروحة التي يدافع عنها، في مقابل التقليد الكانطي للمثالية المتعالية، فهي أن الزمن بنية أنطولوجية للعالم قبل أن يكون صورة من صور الذاتية الإنسانية، وأن زمن الطبيعة يسبق زمانية الوعي ويجعلها ممكنة، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة تحرير التفكير في الزمن من هيمنة أولوية الحاضر الأنطولوجية. ولعل التخلص من الأسبقية الأنطولوجية للحاضر هو، بالنسبة إلى الفيلسوف، المهمة الأصعب والأشد جوهرية.

مفهوم التعاقب

في الجزء الأول من الكتاب، ينصرف كريستوف بوتون إلى وصف الزمن انطلاقاً من مفاهيم "الأفق" و"السلب" المستعارة من هايدغر وهيغل، فضلاً عن مفهوم "التعاقب"، منطلقاً من كتاب "الكينونة والزمان"، الذي سعى فيه هايدغر إلى عرض الزمن كـ"أفقٍ للوجود". لكنه سرعان ما يظهر لقرائه عدم اكتمال المشروع الهايدغري. ذلك أن الفيلسوف الألماني اكتفى بحسبه بإظهار أن فهم الوجود أو الكينونة كجوهرٍ وحضورٍ دائم، افترض الأفق الزمني للحاضر. والأفق هنا يعني شرط الإمكان، أو "الوسط" الذي يجعل نمطاً معيناً من الوجود ممكناً.

غير أن بوتون، من جهته، يدافع أيضاً عن ضرورة التفكير في الوجود ضمن أفق الماضي، بحيث يتبدى الزمن بوصفه أثراً؛ وضمن أفق المستقبل، حيث يتخذ صورة القوة؛ وهو مفهوم يعمل على بلورته انطلاقاً من مفهوم "الديناميس" الأرسطي، ومن النظرية المعاصرة للاستعدادات والإمكانات. من هذه الزاوية، نفهم "الثلاثية الزمنية للوجود" التي تتألف بحسبه من القدرة أي نمط الوجود في أفق المستقبل، حيث تسود الإمكانية، واللاتعين، والتفرع؛ والحضور أي نمط الوجود في أفق الحاضر، حيث يتحقق الحدث أو الشيء فعلياً، في اكتماله وتعينه، وإن كان هذا الحضور نفسه سريع الزوال؛ وأخيراً الأثر أي نمط الوجود في أفق الماضي، حيث لا يبقى من الأحداث إلا آثارها، وبقاياها، وعلاماتها، في عالم محكوم باللاعودة. ولأن كل شيء في العالم ينطوي على حضور، مقرون بآثار وقوى، يتحدث بوتون عن "الثلاثية الزمنية للوجود"، مفككاً الأسبقية الأنطولوجية للحاضر، التي تقول إن الحاضر وحده موجود، أو إن الماضي والمستقبل هما مجرد نسخ ضعيفة عنه، مما يحط من قيمتهما. وهذا ما يسميه بوتون "الامتياز الأنطولوجي للحاضر".

في مقابل هذين الموقفين، يؤكد الكتاب أن الحديث عن الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى حديث عن طرائق مختلفة للوجود، لكل منها بنيته الخاصة ودلالته الأنطولوجية. بعبارة أخرى يعتقد بوتون بوجود الماضي والحاضر والمستقبل، لكن هذا الوجود يتم بحسبه وفق كيفيات مختلفة يحللها بدقة، مسترشداً، كما سبق وأشرت، بمفهوم "السلب" الهيغلي، الذي يدل على نشاط نفيٍ دائم كامن في الزمن ذاته. ففي ما يخص المستقبل، يتجلى هذا السلب أساساً في "ما لم يوجد بعد"؛ وفي الحاضر، في تلاشي "ما لم يعد بعد"؛ وفي الماضي، في لاانعكاسية "ما لم يعد موجوداً"، أي وفق مصطلحات الكتاب، يكون المستقبل غير متعين (إمكانـياً وعرضياً)، والحاضر متعيناً (فعلياً وكاملاً)، أما الماضي فمكتملاً ومنقضياً (بقايا وآثاراً مجتزأة).

الحتمية الميتافيزيقية

في الفصل الثاني المخصص للمستقبل، يناقش بوتون اعتراضاً مفاده أن العلوم تعلمنا أن المستقبل متعين. فيحلل أشكال الحتميات الميتافيزيقية والعلمية المختلفة، بما في ذلك تلك المستمدة من فيزياء النسبية، مبيناً أنها لا تُلزمنا على الإطلاق بالقول إن المستقبل متعيناً، مشدداً على أن سلب الزمن عند هيغل يعني أيضاً أن المستقبل يُنفى في الحاضر، والحاضر يُنفى بدوره في الماضي. وانطلاقاً من هذه الجدلية الزمنية، يوضح ما يسميه "مسار الوجود"، أي انتقال الأحداث والأشياء في الزمن من المستقبل إلى الماضي مروراً بالحاضر، ولي عودة إلى هذا المفهوم.

انطلاقاً إذاً من مقولات القوة، والحضور، والأثر المترابطة في ما بينها، يقارب بوتون مفهوم الزمن. على هذا المستوى من التحليل، يطرح كريستوف بوتون السؤال الآتي: ما معنى "مرور" الزمن واتجاهه؟

على خلاف الموقف السائد في الأدبيات المتخصصة، يبين بوتون أن الزمن لا يسير من الماضي إلى المستقبل، بل من المستقبل إلى الماضي، بمعنى أن الأحداث، لا الزمن، تكون أولًا مستقبلية، ثم حاضرة، إن وقعت، ثم ماضية. وحين لا يبقى أي أثر، تختفي الأحداث في منطقة مظلمة يتعذر الوصول إليها يسميها "ليل الماضي". وهذه المرحلة الأخيرة هي، في رأيه، ما يفسر الموضوع القديم لـ"الزمن المدمر"، لافتاً انتباه قرائه إلى أن ليل الماضي لا ينبغي أن يُنسينا فجر المستقبل.

لا تخص هذه الثلاثية الإنسان وحده، بل تنطبق، في المقام الأول، على عالم الأشياء والأحداث برمته. فكل موجود، بحسب بوتون، هو في آن واحد حاضر بوجوده الفعلي، محمل بآثار ماضيه، ومنفتح على قدراته المستقبلية.

هذا يعني أن الزمن ليس مجرد تعاقب محايد، بل هو حركة نفي مستمرة، أي أن المستقبل يُنفى حين يتحقق في الحاضر، والحاضر يُنفى حين ينزلق إلى الماضي، والماضي يُغلق على ذاته بلا رجعة. هكذا لا يسير الزمن من الماضي إلى المستقبل، كما توحي اللغة اليومية، بل من المستقبل إلى الماضي، عبر الحاضر. فالأحداث تكون أولاً ممكنة، ثم تقع، ثم تنقضي وتخلف آثارها. ولعل هذه الفرضية تسمح لبوتون إعادة قراءة إشكاليات كلاسيكية كتلك التي تتحدث عن "سهم الزمن" أو اتجاهه الأحادي كما تبدى هذا المفهوم عام 1927 على يد عالم الفيزياء الفلكية، البريطاني آرثر إدنجتون، وإعادة تفنيد أطروحة جون ماك تاغارت الشهيرة حول "لاواقعية الزمن".

الرؤية الهيراقليطية

يعارض بوتون بشدة التصور "الأزلي" الشائع في فلسفة الزمن التحليلية، والمعروف باسم "الكون كتلة"، والذي يرى أن جميع الأحداث، الماضية والحاضرة والمستقبلية، موجودة دفعة واحدة في نسيج الزمكانية، على نحو متساوٍ، مدافعاً في المقابل عن رؤية هيراقليطية للعالم يتخذ فيها المستقبل شكل شجرة متفرعة من الإمكانيات الواقعية، لا يتحقق منها إلا بعض الفروع، بينما يندثر الباقي. فالعالم، بهذا المعنى، ليس كياناً منجزاً، بل سيرورة وصيرورة معقدة، سيلاً متدفقاً أو نهراً لا يثبت على حال. ولئن لم يكتفِ الكتاب بتحليل الزمن من منظور الفلسفة، منفتحاً على الفيزياء، والجيولوجيا، والعلوم والنظريات التي تتناول الماضي، فإنه في الوقت عينه يرفض أن تملي الفيزياء وحدها تصوراً ميتافيزيقياً للزمن، مؤكداً أن المعطيات العلمية، بما فيها النسبية، لا تفرض تصوراً حتمياً أو مغلقاً للمستقبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الفصل الأخير، ينتقل بوتون من التفكر في أنطولوجيا الزمن إلى التفكر في الأنثروبولوجيا الفلسفية، مسائلاً الكيفية الخاصة التي تتجلى بها "الثلاثية الزمنية" في الوجود الإنساني. فالإنسان، وإن لم يكن كائناً "استثنائياً" قائماً خارج الزمان، إلا أنه يملك وعياً انعكاسياً بمرور الزمن وبالفقد والانتظار والذاكرة. غير أن التجربة المعيشة لا تُؤسس الزمن، بل تفترضه، وتندرج ضمن بنيته الأنطولوجية الأوسع.

هنا يستعين بوتون بالفينومينولوجيا الهوسرلية وبفلسفة الزمن المعاصرة لتحليل تجربة "مرور الزمن" كما تُعاش، من دون أن يجعل من هذه التجربة أساساً أولياً للزمن نفسه.

ختاماً، يقدم كتاب "على خطى الزمان" عملاً فلسفياً مرجعياً لا يكتفي بتقديم أجوبة عن سؤال الزمن، بل يعيد بناءه، مرتباً إياه بطريقة مختلفة. وهو في ذلك يوفق بين صرامة التحليل، وعمق النظر الأنطولوجي، والانفتاح الواعي على معطيات العلوم، محققاً تلاقياً خلاقاً بين التقليدين الفلسفيين القاري والتحليلي، مما يعيد الاعتبار لمفهوم الزمن في كثافته وتعقيده، محرراً إياه من كل اختزال نفسي أو فيزيائي، بوصفه بنيةً أساسيةً للعالم الذي يمر عبرنا ونقيم فيه.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب