ملخص
على مدى 25 عاماً، تراجع معدل نصيب الفرد في نمو الاستثمار في هذه الاقتصادات بصورة ملحوظة، إذ وصل إلى 2 في المئة وحسب خلال عشرينيات القرن الحال
دراسة بحثية حديثة عن أن اقتصادات "الأسواق الوليدة" أخفقت إلى حد كبير في تحقيق الاستفادة الكاملة من إمكاناتها خلال العقود الأخيرة، ففي المتوسط كان معدل نصيب الفرد في نمو الاستثمار خلال العقد الثاني من القرن الحالي إلى الآن، أقل من نصف معدله في العقد السابق.
ومع ذلك، تظهر تجربة الاقتصادات الأفضل أداء بين الأسواق الوليدة وهي مجموعة تضم في الغالب اقتصادات متوسطة الدخل تُعد بيئة اختبار للجيل المقبل من الاقتصادات العملاقة، دروساً مستفادة للاقتصادات البالغ عددها 56 التي تندرج حالياً ضمن هذه المجموعة.
وبالنسبة إلى المستثمرين العالميين الباحثين عن فرص خارج الاقتصادات المرتفعة الدخل، تشكل الأسواق الوليدة نقطة وسطية، فهي عموماً أقل اندماجاً في الأسواق المالية العالمية مقارنة بالأسواق الصاعدة لكنها أكثر اندماجاً من الاقتصادات النامية الأخرى التي لا تنتمي إلى فئة الاقتصادات "الصاعدة" أو "الوليدة".
وأسهم إنشاء هاتين الفئتين من الأصول خلال الثمانينيات والتسعينيات، وهي مبادرة حظيت بدعم كبير من مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي، في توجيه تدفقات كبيرة من الاستثمارات الخاصة إلى البلدان النامية.
وجهة مفضلة للمستثمرين مع استقرار أسواق الأسهم
وقال رئيس المتخصصين الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي لشؤون اقتصاديات التنمية إندرميت جيل "إذا استبعدنا عدداً قليلاً من الاقتصادات التي حققت درجة متقدمة في الاستثمارات على مدى الأعوام الـ25 الماضية، سنجد أن الأسواق الوليدة أخفقت في تحقيق طموحات التنمية الاقتصادية".
وأوضح أن "الأفراد في الأسواق الوليدة هم في المتوسط أفضل تعليماً وأطول عمراً من نظرائهم في الاقتصادات النامية الأخرى، كذلك فإن جودة سياساتها ومؤسساتها أفضل من غيرها من الاقتصادات، وبعضها غني بالموارد الطبيعية، لكنها لم تترجم هذه المزايا إلى نهضة وتقدم، ومع ذلك لا يزال من اليسير للغاية على هذه الاقتصادات أن تحقق التقدم والنهوض مقارنة بالاقتصادات النامية الأخرى على مستوى العالم".
يُذكر أن اقتصادات الأسواق الوليدة تضم في الوقت الحالي نحو 1.8 مليار نسمة، أي ما يعادل خمس سكان العالم، ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد بنحو 800 مليون نسمة إضافية خلال الأعوام الـ25 المقبلة، وهي زيادة تفوق الزيادة في بقية دول العالم مجتمعة.
ويقع أكثر من ثلث هذه الأسواق في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وإن عدداً كبيراً منها غني بالمعادن الضرورية للتكنولوجيات الجديدة المرتبطة بمشاريع الطاقة المتجددة والاتصالات والإلكترونيات، وغالباً ما تفتخر هذه الاقتصادات بأن مؤسساتها أقوى مقارنة ببقية الاقتصادات النامية الأخرى.
إضافة إلى ذلك، تبرز هذه الأسواق كوجهة مفضلة للمستثمرين، فعلى مدار الأعوام الـ25 الماضية، تحركت بورصات الأسهم فيها بصورة مستقلة إلى حد كبير عن الأوضاع المالية العالمية، مما يفسر أن حركة الأسهم والبورصات صعوداً وهبوطاً في هذه الاقتصادات كانت الأقل على مستوى العالم بنسبة واحد إلى ثمانية، وهذه النسبة أقل بكثير مقارنة بالاقتصادات المتقدمة أو الأسواق الصاعدة.
حصة هزيلة في تدفقات رأس المال العالمي
من جانبه يرى نائب رئيس المتخصصين الاقتصاديين ومدير مجموعة آفاق التنمية في مجموعة البنك الدولي أيهان كوسي أن هذه الاقتصادات ستؤدي دوراً مهماً في التصدي للتحدي المتمثل في خلق الوظائف الذي تواجه الاقتصادات النامية، فهي ستضم نحو خمس الشباب في البلدان النامية والبالغ عددهم 1.2 مليار شخص الذين سيصلون إلى سن العمل خلال العقد المقبل.
وأشار إلى أن "الأسواق الوليدة الأفضل أداء اتبعت مسارات مختلفة، لكنها توافقت في شأن بعض الاستراتيجيات المشتركة، خصوصاً السياسات المشجعة للنمو والبنية التحتية الداعمة للاستثمار وتحسين إدارة المالية العامة والبيئة المؤسسية التي تجتذب الاستثمارات الخاصة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت إلى أن "المكاسب التي تحققت كانت كبيرة، فقد تضاعف نصيب الفرد من الدخل في الربع الأعلى أداء في هذه الاقتصادات بمقدار أربعة أضعاف تقريباً خلال الأعوام الـ25 الماضية".
ومع ذلك، فإن هذه الاقتصادات في المتوسط لم تحرز تقدماً كبيراً في جذب الاستثمارات منذ عام 2000.
وعلى مدى الأعوام الـ25 الماضية، تراجع معدل نصيب الفرد في نمو الاستثمار ضمن هذه الاقتصادات بصورة ملحوظة، إذ وصل إلى اثنين في المئة وحسب خلال عشرينيات القرن الحالي، وهو أقل من نصف المعدل المسجل في العقدين السابقين.
وتشكل هذه الاقتصادات حالياً نحو 3.1 في المئة وحسب من إجمال تدفقات رأس المال العالمية، وأقل من خمسة في المئة من إجمال الناتج الاقتصادي العالمي.
ووفقاً للقوانين المعمول بها، حققت هذه الأسواق تقدماً ملحوظاً في فتح أسواقها المالية على مدى الأعوام الـ25 الماضية، فبلغت درجة الانفتاح الحالية نصف ما حققته الاقتصادات المتقدمة، مقارنة بنحو خمس المستوى في 2000.
لكن التنمية الفعلية لهذه الأسواق المالية لا تزال بطيئة، فعلى سبيل المثال لا تزال أسواق العملات المحلية غير متطورة نسبياً، ولا تقدم البنوك والمؤسسات المالية المحلية كثيراً من القروض إلى الأسر المعيشية والشركات الخاصة مقارنة بالوضع في الأسواق الصاعدة.
ارتفاع نسب التخلف عن سداد الديون
ويرى البنك الدولي أن تحسين ضبط أوضاع المالية العامة يمثل عاملاً رئيساً في تمكين الأسواق الوليدة من تحقيق إمكاناتها خلال الأعوام المقبلة، إذ شهد الإنفاق الحكومي كنسبة من إجمال الناتج المحلي ارتفاعاً، بينما ظلت الإيرادات ثابتة، وأدى ذلك إلى زيادة أعباء الديون والتخلف عن سدادها.
وفي الوقت الحالي، تنفق هذه الأسواق في المتوسط نحو 2.5 في المئة من إجمال الناتج المحلي على مدفوعات فوائد ديونها، وهو أعلى مما تنفقه الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى.
وتخلفت نحو 40 في المئة من هذه الأسواق عن السداد مرة واحدة في الأقل بين عامي 2000 و2024، ومنذ تفشي جائحة كورونا سجلت هذه الأسواق حالات تخلف عن السداد أكثر مما سجلته جميع البلدان الأخرى مجتمعة.
ومع ذلك، تمكنت بعض اقتصادات الأسواق الوليدة من تحقيق نجاح أفضل في تجاوز مثل هذه الأزمات، ففيتنام التي كانت واحدة من أفقر بلدان العالم عند مطلع القرن الحالي، أصبحت الآن ضمن أسرع 10 اقتصادات نمواً خلال الأعوام الـ25 الماضية.
أما رواندا التي خرجت من حرب أهلية في تسعينيات القرن الماضي، فأصبحت إحدى قصص النجاح الاقتصادي الكبرى في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، من خلال اعتمادها بصورة كبيرة على السياحة والخدمات الأخرى.
وعلاوة على ذلك، تمكنت أربع أسواق وليدة كبلغاريا وكوستاريكا وبنما ورومانيا من تحقيق وضعية البلدان المرتفعة الدخل منذ عام 2012.
وحتى يتسنى لهذه الاقتصادات الاستفادة القصوى من إمكاناتها، عليها بذل لكثير من الجهود التي تتجاوز مجرد فتح أسواقها، إذ سيتعين عليها تطوير هذه الأسواق وتنميتها وتوفير الضمانات المؤسسية الضرورية لإدارتها.