ملخص
في ظل هذه المعاناة ثمة سؤال يُطرح حول كيفية إعادة هندسة الوعي الطفولي بعد أن زرعت الحرب في ذاكرة جيل كامل ندوباً صامتة قد ترافقه طويلاً في تشكيل ملامح السودان المقبل.
لم يعرف آلاف الأطفال السودانيين معنى الطفولة خارج سياق الحرب المندلعة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكثر من 33 شهراً، فقد باتت أصوات الرصاص ومشاهد النزوح وفقدان المنازل والمدارس جزءاً من ذاكرتهم الأولى، مما ترك أثراً نفسياً عميقاً في سلوكهم وعلاقاتهم وقدرتهم على التعلم، وفي ظل هذه المعاناة ثمة سؤال يُطرح حول كيفية إعادة هندسة الوعي الطفولي بعد أن زرعت الحرب في ذاكرة جيل كامل ندوباً صامتة قد ترافقه طويلاً في تشكيل ملامح السودان المقبل.
ذاكرة مهددة
تروي فريدة الخليفة، النازحة من أحد أحياء الخرطوم، كيف تغير سلوك ابنها ذي التسع سنوات منذ لحظة النزوح، وتقول "ابني محمد كان طفلاً اجتماعياً يضحك بصوت عال، ويخرج للعب فور عودته من المدرسة، لكن الحرب غيرت هذا كله، فخلال الأيام الأولى بعد أن تركنا منزلنا ظل صامتاً بشكل غريب حتى ظننت أنه متعب فقط، لكن الصمت طال وأصبح جزءاً من يومه"، مضيفة أن "أكثر ما لفت انتباهي هو خوفه المفرط من الأصوات، فأي صوت مرتفع يجعله يقفز من مكانه، وإذا أُغلق باب بقوة يركض نحوي وهو يرتجف ويسأل إن كنا سنهرب مرة أخرى".
وأردفت الأم "بات ابني محمد يرفض الابتعاد من العائلة، وحتى عندما نطلب منه اللعب مع أطفال الحي يعتذر بحجة أنه يريد البقاء قريباً منا وكأنه يخشى أن نختفي فجأة"، متابعة "لم يتوقف التغير عند الخوف فقط، فقد كان محمد ينام بسهولة ولكنه أصبح يعاني الأرق والكوابيس ويستيقظ ليلاً وهو يبكي، ويردد أسماء أصدقائه الذين تفرقوا أثناء النزوح، وكذلك يسأل كثيراً عن البيت الذي تركه وعن ألعابه التي لم يتمكن من أخذها".
ومضت فريدة قائلة "أحاول مع والده طمأنته على رغم أننا كوالدين عاجزين تماماً عن الشعور بالأمان فكيف نمنحه إياه؟"، مؤكدة أن الحرب لم تغير مكان عيش ابنها فقط بل أعادت تشكيل عالمه الداخلي، حيث حل الخوف محل البراءة وأصبحت الذاكرة محملة بما يفوق عمره الصغير.
صدمات متكررة
يقول المتخصص في علم النفس الإكلينيكي مأمون العباس إن "التغيرات السلوكية التي تظهر على الأطفال النازحين تعد استجابة طبيعية لتجارب غير طبيعية"، موضحاً أن "الطفل الذي يتعرض لصدمات متكررة، مثل العنف والنزوح وفقدان الاستقرار، يفقد إحساسه الأساس بالأمان، وهو الركيزة الأولى لنموه النفسي السليم"، مضيفاً أن "الخوف المفرط والانسحاب الاجتماعي واضطرابات النوم والتعلق الزائد بالوالدين ليست مجرد سلوكيات عابرة بل مؤشرات على ضغط نفسي عميق، فالطفل في هذه الحال يعيش في تأهب دائم وكأن الخطر لم ينته بعد حتى لو تغير المكان"، ومشيراً إلى أن الذاكرة الطفولية تختزن الأحداث الصادمة من دون القدرة على معالجتها أو تفسيرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى العباس أن الأخطر هو تطبيع هذه الأعراض داخل الأسرة والمجتمع، فحين يُنظر إلى خوف الطفل على أنه دلال زائد أو ضعف شخصية ويترك من دون دعم، تترسخ الصدمة وتتحول لاحقاً إلى قلق مزمن أو اضطرابات سلوكية خلال مرحلة المراهقة، موضحاً أن "غياب التدخل النفسي الباكر يضاعف آثار الحرب على المدى الطويل".
ويختم المتخصص في علم النفس الإكلينيكي بأن "حماية الأطفال بعد الحرب لا تعني فقط تأمين الغذاء والمأوى بل توفير بيئات آمنة وداعمة نفسياً، وإتاحة مساحات للعب والتعبير وبرامج دعم نفسي مبسطة تساعد الأطفال في إعادة بناء إحساسهم بالأمان، ومن دون ذلك سنواجه جيلاً يحمل آثار الحرب داخله حتى وإن لم يحمل سلاحاً يوماً".
تعليم متعطل
ولم تقتصر آثار الحرب على نفسية الأطفال فقط وإنما امتدت لتضرب واحداً من أهم مسارات استقرارهم وهو التعليم، ففي واقع النزوح تحولت المدرسة من مساحة أمان وتعلم إلى ذكرى بعيدة بعد أن وجد آلاف الأطفال أنفسهم خارج الفصول الدراسية لأشهر بل ولأعوام أحياناً، مما أعاد تشكيل علاقتهم بالمعرفة والانضباط والمستقبل، وتوضح أمل عبدالرحمن، وهي معلمة عملت مع أطفال نازحين في مراكز إيواء موقتة، أن "الانقطاع الطويل عن التعليم أحدث فجوة عميقة في سلوك الأطفال وقدرتهم على التعلم، فالأطفال الذين عادوا للدراسة بعد النزوح لم يعودوا كما كانوا، وكثير منهم فقد مهارة الجلوس والتركيز، وبعضهم لم يعد يرى في المدرسة أولوية لأن حياته اليومية أصبحت قائمة على البقاء لا على التعلم"، متابعة أن "المدرسة بالنسبة إلى الطفل ليست مكاناً للتعليم فقط بل هي إطار نفسي يمنحه الإحساس بالروتين والاستقرار، وحين يفقد الطفل هذا الإطار يفقد معه شعور الزمن المنتظم، فهو لا يعرف متى يبدأ يومه ومتى ينتهي مما ينعكس على سلوكه داخل الصف وخارجه".
ويشير تربويون إلى أن الأطفال الذين نشأوا في ظل الحرب غالباً ما يطورون علاقة مضطربة مع التعليم، إذ يرتبط لديهم بالفشل أو الشعور بالعجز، ومع غياب البرامج التعليمية المرنة والداعمة نفسياً تتحول المدرسة إلى عبء إضافي بدلاً من أن تكون وسيلة تعاف.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التعطل يهدد بإنتاج جيل يعاني فجوات معرفية واجتماعية واسعة مما ينعكس مستقبلاً على سوق العمل والاستقرار الاجتماعي وقدرة المجتمع على التعافي، فحين يحرم الأطفال من التعليم في لحظة التكوين لا تتوقف الخسارة عند الحاضر، بل تمتد لتطاول ملامح السودان المقبل.
عالم مشوه
وفي ظل الحرب لا يتغير وعي الأطفال فقط عبر ما يعيشونه وإنما أيضاً عبر ما يشاهدونه ويسمعونه يومياً، فالصور العنيفة والأحاديث المشحونة بالخوف وفقدان النماذج الآمنة تعيد تشكيل إدراك الطفل للعالم من حوله، وتجعله يبدو مكاناً معادياً وغير قابل للتنبؤ، ويشير الباحث في علم نفس النمو عبدالله يوسف إلى أن "الأطفال في مناطق النزاع يطورون فهماً مختلاً لمفاهيم أساس مثل الأمان والسلطة والعدالة، فحين يرى الطفل السلاح حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية ويشاهد العنف من دون مساءلة يبدأ في اعتبار ذلك أمراً طبيعياً أو حتمياً"، مضيفاً أن "هذا الإدراك المشوه ينعكس لاحقاً على سلوكياتهم، سواء في صورة عدوانية مفرطة أو انسحاب كامل من التفاعل الاجتماعي".
ويلفت يوسف إلى أن "أخطر ما في الأمر هو تغير مفهوم المستقبل لدى الطفل، فالطفل الذي يكبر وسط الحرب لا يبني أحلاماً طويلة المدى وتصبح طموحاته قصيرة ومرتبطة بالنجاة لا بالتحقيق، وبالتالي فإن هذا التشوه في الرؤية يجعل التخطيط والدراسة أو بناء علاقات مستقرة أموراً ثانوية في وعيه"، مستطرداً أن "هناك دراسات نفسية تشير إلى أن غياب النماذج الإيجابية، مثل المعلمين والأطباء أو الشخصيات العامة الآمنة، يترك فراغاً رمزياً في وعي الطفل يُملأ أحياناً بصور القوة العنيفة أو منطق السيطرة، ومع مرور الوقت تتحول هذه الصور إلى مرجعيات داخلية تحكم سلوكه وتفاعلاته".
ويرى الباحث نفسه أن "إعادة تصحيح هذا الوعي تتطلب جهداً جماعياً يبدأ بإعادة تقديم العالم للطفل بوصفه مساحة يمكن فهمها والثقة بها، عبر التعليم والإعلام المسؤول والدعم النفسي المستمر، ومن دون ذلك سيظل العالم في نظر هؤلاء الأطفال مكاناً مشوهاً يصعب العيش فيه من دون خوف".
إعادة الأمان
مع مرور الحرب تتأثر حياة الأطفال بالهجمات والنزوح وفقدان البيئة التي تمنحهم الشعور بالأمان والاستقرار النفسي، ففقدان المدارس والملاعب وحتى الروتين اليومي يجعل الطفل يعيش في حال دائمة من القلق، وتصبح ذاكرته عن الطفولة مرتبطة بالخوف والغياب بدلاً من اللعب والتعلم، وتقول متخصصة الصحة النفسية للأطفال سماح النور إن "الأطفال الذين نشأوا في مناطق النزاع يفقدون تدريجاً القدرة على الثقة بمحيطهم، فكل حدث عنيف أو مفاجئ يعيد إنتاج تجربة الخوف ويعزز شعورهم بعدم الاستقرار، وهؤلاء الأطفال لا ينسون بسرعة بل يحملون كل صدمة كتجربة مركزية في وعيهم مما يؤثر في العلاقات الاجتماعية والتحصيل الدراسي لاحقاً"، مضيفة أن "إعادة الأمان للأطفال لا تتحقق بمجرد إنهاء الحرب بل تحتاج إلى برامج دعم نفسي مستمر وتعليم آمن وأنشطة ترفيهية تعيد للطفل إحساسه بحق الطفولة، فالمدارس يجب أن تصبح مساحات موثوقة والمعلمون نماذج للاستقرار والثقة، وإذا غابت هذه البيئة فسيظل وعي الأطفال مشوهاً، وسيصبح الخوف جزءاً من شخصيتهم اليومية مما يؤثر في مستقبل المجتمع كله".
وتؤكد متخصصة الصحة النفسية أن "التدخل الباكر مهم جداً، فكل عام إضافي يعيشه الطفل في بيئة غير آمنة يزيد صعوبة تصحيح وعيه، ويجعل إعادة بناء ثقته بالعالم أبطأ وأكثر تحدياً، فالهدف هو استعادة مساحة الطفل الطبيعية للعب والتعلم بغية التخفف من إرث الصدمات".