Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"وفاة سجين"... عنوان بلا صدى يكشف عن حقيقة السجون اللبنانية

منذ بداية العام الحالي شهدت البلاد وفاة 6 سجناء

ملخص

خلال 13 شهراً شهدت سجون لبنان المكتظة وفاة 50 سجيناً لأسباب مختلفة، وهو ما ولد نقمة كبيرة لدى السجناء والأهالي ضد السلطات في البلاد. وقد دفعت "الظروف غير الإنسانية" والضغوط النفسية السجين علي غادر (36 سنة) لوضع حد لحياته داخل سجن رومية. 

خلف الجدران السميكة وأبواب الحديد الصدئة تدور في السجون اللبنانية حكايات لا تصل غالباً إلى الرأي العام إلا على شكل خبرٍ مقتضب عنوانه "وفاة سجين". هذه العبارة الباردة تخفي وراءها واقعاً قاتماً من الاكتظاظ والإهمال الصحي وتأجيل العدالة، حيث تتحول الزنازين إلى مساحات للاختناق البطيء، لا للعقاب فقط.

سجون لبنان بلغت "مرحلة اللاعودة"، منذرةً بانفجار كبير، مع تحوُّل الوفيات إلى حدث يومي معتاد في هذه الأماكن التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، فيما شهد يناير (كانون الثاني) الجاري وحده وفاة ستة سجناء بسبب سوء الأوضاع والنقص في الرعاية الصحية والاكتظاظ الشديد، وفق لجنة أهالي السجناء في لبنان.

ومع تزايد حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل يموت السجناء بسبب المرض؟ أم الإهمال؟ أم لأن العدالة نفسها محتجزة معهم؟

وفيات بالعشرات

باتت السجون اللبنانية، وتحديداً سجن رومية المركزي، انعكاساً واضحاً لحالة الانهيار المؤسساتي والتردي الخدماتي التي يعانيها المجتمع اللبناني في أسره بعد ست سنوات على الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف به، وشاهداً على "الفشل" وحالة المراوحة في معالجة المشكلات والملفات الضاغطة.

شهد عام  2025 رقماً قياسياً في وفيات السجون، ويقدر أهالي السجناء عدد الوفيات بأكثر من 40 وفاة "بسبب سوء الأوضاع"، من دون أن تصدر أرقام رسمية عن الدولة. فيما شكلت وفاة الشاب حمزة البلباسي في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي شرارة لحراك واسع.

نسأل والده محمد البلباسي عن ظروف وفاة ابنه البالغ من العمر 38 سنة، وكان يملك صالون حلاقة قبل أن يُسجن بشبهة تعاطي المخدرات، فيقول إن السبب هو غياب الإجراءات الرعائية داخل السجن، و"معاملة لا تحترم بشرية الإنسان". ويضيف "خلال الأشهر الأخيرة بدأت حالة ابني تسوء، وبدأنا بإجراءات إخلاء السبيل، وقد وافق القاضي المعني مباشرة بالملف على ذلك لقاء كفالة قيمتها 50 مليون ليرة لبنانية، وبالفعل قمنا بدفعها. إلا أنه لم يُطلق سراحه بحجة وجود قضية أخرى، وفي الأثناء كان وضعه الصحي يتراجع يوماً بعد يوم".

 

تتحدث عائلة البلباسي عن تعرض ابنها للضرب في سجن رومية، الواقع في قضاء المتن شرق العاصمة بيروت، بعد تلاسن مع أحد الحراس، وتقول "بدأ المرض يشتد عليه، وبقي أربعة أيام يعاني الحرارة الشديدة، خلالها لم يحصل إلا على رعاية طبية أولية، وما لبث بعدها أن توفي فجأة بعد نقله إلى المستشفى".

تشتبه العائلة في وفاة ابنها بسبب إهمال أو تقصير طبي، متحدثةً عن "قتل حمزة" بسبب سوء الخدمات الصحية والطبية والتأخير في إخلاء السبيل وسوء الطعام "الذي يأتي إلى السجناء بالحاويات التي لا تحترم الشروط الصحية"، واستخدام العنف، وتكشف عن "وجود كدمات على أكتافه وجسمه".

والده رفض تشريح الجثة لاعتقاده أن القاضي والجلاد هما شخص واحد في "غوانتانامو لبنان"، كما يقول، ناهيك بأن الطبيب الشرعي طلب 200 دولار أميركي لقاء منح العائلة التقرير عن أسباب الوفاة بسبب عدم تغطية الدولة لهذه الكلف.

إضراب في وجه المماطلة

لم تعُد الحلول الترقيعية و"سياسة التأجيل" صالحة لعلاج أزمة السجون في لبنان، فيما تكشف فيديوهات وصور خاصة حصلت عليها "اندبندنت عربية" عن سوء الأوضاع داخل سجن رومية، والصدوع والعفن الذي يغطي الجدران، وحالة الاكتظاظ، وافتقار النوافذ إلى الزجاج لحمايتهم من الشتاء والصقيع، اضطرار السجناء إلى وضع قطع القماش، ناهيك عن انتشار الجرذان في بعض المرافق.

وبسبب هذه الأوضاع المأسوية، أعلن السجناء قبل ساعات إضراباً عن الطعام في مختلف السجون، فيما أظهرت مشاهد مسربة قيام سجناء بتقطيب أفواههم في خطوة احتجاجية. كذلك انتشر فيديو اطلعت عليه "اندبندنت عربية" يظهر اعتصام سجناء في رومية "رفضاً للعدالة الانتقائية"، وظهر فيه للمرة الأولى من داخل السجن الشيخ أحمد الأسير المتهم بالضلوع في أحداث عبرا جنوب لبنان (عام 2013) وسط العشرات من السجناء.

الشيخ عمر الأطرش ألقى بدوره كلمة باسم المحتجين الساخطين، مشيراً إلى بدء حراك احتجاجي تصعيدي رفضاً للظروف السيئة داخل السجون، والتي تشمل انعدام الرعاية الطبية وإضراب القضاء وتحويل السجناء إلى "رهائن"، على حد قوله، والتي أدت إلى وفاة العشرات، وقيام أحد السجناء بقتل نفسه.

واستهجن تجزئة ملف السجناء، حيث ينصب التركيز بشكل انتقائي على مشكلة السجناء السوريين "على رغم مشروعيتها"، فيما يتجاهل المسؤولون أوضاع اللبنانيين تحت وطأة المماطلة والتسويف والشعارات الفارغة حول تخفيف اكتظاظ السجون.

 

حقوق السجين الإنسان

خلال الأسابيع الماضية، كثف أهالي السجناء تحركاتهم المطلبية، مستفيدين من المفاوضات بين الجانبين اللبناني والسوري الهادفة لحل مشكلة السجناء السوريين في لبنان وتخفيف اكتظاظ السجون.

تتحدث نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين الناشطة رائدة صلح عن ضرورة التعجيل في حل أزمة السجون، فيما تدق حالات الوفاة المتزايدة بفعل الأزمات القلبية المفاجئة ناقوس الخطر، مشددة على ضرورة إنقاذ السجناء من موت محتوم، حيث هناك خشية من "انتحار جماعي" بفعل الضغط النفسي الشديد.

وتوثق صلح ست وفيات أخيراً خلال الشهر الجاري، وتقول "توفي توالياً اللبناني ميشال صادر، والسوري يوسف الحمد، واللبناني محمد حرقوص، واللبناني علي غادر، واللبناني عبدالرحمن الحسن، وأخيراً السوري مرسال علي حسون نصر".

فيما شهد سجن القبة الواقع في مدينة طرابلس شمال لبنان خلال 48 ساعة على وفاة الموقوف المسن عبدالرحمن الحسن عن عمر ناهز الـ60 سنة، بعد تدهور حالته الصحية، والتأخير في إسعافه على رغم المطالبات والنداءات، وإخراجه جثة هامدة من غرفته بعد أن أمضى 10 سنوات من دون محاكمة، وفق أهالي السجناء في لبنان. وأفاد الأهالي بوفاة سجين آخر خلال ساعات قليلة.

بدورها أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، التي تشرف على السجون، بياناً، لإيضاح ملابسات الوفاة، نافيةً ما تردد على وسائل التواصل الاجتماعي من تأخر الإسعاف على رغم مرور ثلاث ساعات من الصراخ. وأشارت إلى أنه في حالة السجين (ح.ت.ع) في سجن طرابلس المصاب بأمراض مزمنة، لم تتجاوز المدة بين النداءات ونقله إلى المستشفى بسيارة الإسعاف 25 دقيقة، ولكنه سرعان ما فارق الحياة أثناء الانتقال إلى المستشفى، و"اتضح عدم التزام السجين، بتناول الأدوية الموصوفة له بشكل منتظم".

أما فيما يتعلق بالسجين السوري (م.ن) في سجن رومية، قالت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إنه كان يعاني أمراضاً مزمنة، وخضع لعمليات جراحية في أوقات سابقة، ونقل إلى المستشفى بصورة طارئة بسبب سعال وضيق تنفس، ونقل إلى مستشفى آخر ليوضع بالعناية المركزة، وحصلت معه مضاعفات، وفارق الحياة على رغم محاولات إسعافه من قبل الطاقم الطبي.

وأكدت المديرية العامة أن "حياة السجناء وصحتهم أمانة ومسؤولية لا يمكن التهاون فيها، لهذا يتم اتخاذ الإجراءات الطبية عند الاقتضاء على نحو مباشر، بالتنسيق مع الجهاز الأمني والطبي في كل السجون اللبنانية".

سجون مزدحمة  

تتحدث صلح عن مشكلات عديدة تعانيها السجون في لبنان، في مقدمها التأخير في المحاكمات بسبب النقص والتعطيل في القضاء "والتي وصلت لدى البعض إلى حد قضاء 12 سنة فعلية، والتي تساوي 16 سنة سجنية، من دون محاكمة، وهي جريمة قضائية كافية لإحداث استقالات في القضاء والحكومة"، وتضيف "في لبنان هناك 9 آلاف سجين من بينهم 7 آلاف غير محكومين، أي إن نسبتهم تتخطى 80 في المئة من سجناء لبنان"، كاشفة عن أنه في عام 2025 وحده توفي 44 سجيناً.

وتشير صلح إلى سوء نوعية الغذاء والعلاج وغياب الظروف الصحية المناسبة، والافتقار إلى التدفئة، والأماكن المريحة للنوم، فيما "يضطر غالبية السجناء إلى شراء الطعام على حسابهم الخاص، إلا المجبر، حيث "تعود أوعية الطعام كما هي، بسبب تركها مكشوفة وعرضة للجرذان".

وتلفت صلح إلى أن "سجن القبة الذي مضى على بنائه 100 عام يعاني اكتظاظاً شديداً وتصدعاً وشقوقاً منذ زلزال فبراير (شباط) 2023 وسط مخاوف من تكرار كارثة سقوط المباني على سقوط السجناء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التحرك طارئ

تشكل مشكلة السجون عبئاً على السلطة في لبنان، حيث أصبحت "كرة لهب" تتقاذف مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة.

يأسف رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية النائب ميشال موسى للفشل المزمن في إدارة ملف السجون، حيث يطالب بمعاملة السجناء بوصفهم بشراً. ويقول الدكتور موسى "أمام تكرار حالات الوفاة في السجون، وجدنا ضرورة لعقد اجتماعات وتكثيف المطالبات لإجراء تحقيقات وتقديم أدلة للأهالي سواء أكانت وفاة لأسباب طبيعية أو نتيجة عارض صحي أو انتحار. وقد طالبنا رسمياً وزارة الداخلية والعدل بتقديم الحقائق للرأي العام خلال الاجتماعات في مجلس النواب".  

يصف موسى حالة نزلاء السجون بأنهم يعيشون "في ظروف غير إنسانية بسبب الاكتظاظ وعدم وجود سجون كافية وذات ظروف جيدة"، مطالباً بإعطاء الملف أولوية كبيرة في الحل. ويقترح تسريع المحاكمات وتفعيل عمل محكمة سجن رومية لتلافي مشكلة عدم سوق الموقوفين إلى المحاكم بسبب نقص الموارد، كاشفاً عن "تطور ملموس في المحادثات اللبنانية - السورية لحل مشكلة المحكومين السوريين في لبنان، والتي تحتاج إلى تصنيف الجرائم والأحكام والموقوفين إلى فئات قبل إنجاز عملية التسليم، وهو ما يمكن أن يكون لها دور في حل مشكلة الاكتظاظ". وينوه موسى بقيام الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بزيارات ميدانية للاطلاع على أحوال السجون، والعمل بالتعاون مع الصليب الأحمر الدولي والمجتمع المدني والمانحين لتحسين أوضاع السجون وتقديم خدمات شاملة لكافة السجناء والموقوفين، وتفعيل خدمات المستوصفات والمرافق الصحية لتأدية أدوارها داخل السجون. ويعتقد موسى بضرورة أخذ حالة السجناء كبار السن والمرضى في المراحل المتقدمة بالاعتبار، والعمل لوضع مشروع قانون لمعالجة أوضاعهم، وربما منحهم إجراءات استثنائية كإطلاق السراح المشروط.    

 

حلول مستدامة

باكراً، بدأ تدخل المجتمع المدني لحل مشكلة السجون، وتحسين ظروف التوقيف. ويتحدث رئيس "جمعية عدل ورحمة" الأب نجيب بعقليني عن ضرورة وضع حد لحوادث الموت والانتحار التي يمكن أن تحصل في مختلف السجون العالمية، إلا أنه "لا بد من تحديد أسباب تلك الأفعال لمعرفة الخلفيات، هل هو موت مفاجئ، أو نتيجة أمراض مزمنة، أو غياب الخدمات الصحية داخل السجن، أو عدم التمكن من نقله إلى المستشفى، أو حصول إهمال أو تسمم وغيرها من الأسباب".

يلفت بعقليني إلى "تراجع الأوضاع الإنسانية للمساجين يوماً بعد يوم لأسباب مختلفة في مقدمها عدم وجود قرار سياسي واضح بمعالجة أوضاع السجون والاهتمام بها على رغم مرور 12 سنة على تعاظم المشكلة وتردي أوضاع السجون، وقد فاقمتها جائحة كورونا، ومن ثم الأزمة الاقتصادية وحالة الفوضى التي عاشها لبنان منذ 2019، مما انعكس مباشرة عبر نقص التمويل والموازنات الضئيلة التي تقدمها الحكومة من خلال مجلس النواب، وغياب الإمكانات الكافية لوقف التقهقر".

يسلط الأب بعقليني الضوء على افتقار السجون للظروف الصحية والنفسية والاجتماعية الملائمة للعيش، ففي سجن رومية الذي تأسس في عام 1958، لاستيعاب 1100 شخص في حده الأقصى، ينزل فيه اليوم ما يزيد على 3000 موقوف وسجين، وهو ما يتسبب في ضغط شديد. ناهيك بعدم تسريع المحاكمات والبطء في عمل القضاء وعجز القوى الأمنية عن سوق الموقوفين بسبب النقص في السيارات والعناصر الأمنية، وعدم تفعيل العقوبات البديلة، وتأخير إخلاءات السبيل، وعدم مراعاة ظروف المتقدمين في السن وذوي الأمراض المزمنة.

 ويتحدث في المقابل عن "وضع غير مطمئن" وضرورة تأهيل مباني السجون وتحديث أصول المحاكمات الجزائية والقوانين المرعية، وبناء سياسة قائمة على التأهيل والدمج الاجتماعي واحترام حقوق وكرامة الإنسان، وليس الإصرار على مجرد العقاب، وكذلك اتباع خطوة إطلاق السراح في الجنح بعد قضاء حد أقصى من التوقيف إلى حين إتمام المحاكمة، وتطبيق قانون العقوبات البديلة ومتابعة السجين بعد إطلاقه لتأهيله وبناء مشروع لحياة جديدة، و"اعتماد السوار الإلكتروني الذي يحول دون تطبيقه غياب الكهرباء الدائمة وعدم استقرار شبكة الإنترنت".

وشدد على الحاجة لتأهيل وتدريب العناصر الأمنية المكلفة بحراسة السجن والسجناء، من أجل تيسير التعاطي مع ملفات دقيقة، والتعامل مع أشخاص من ذوي المشكلات الاجتماعية والنفسية المعقدة، ومن ثم "تعيين أشخاص اختاروا الخدمة في السجن، وعدم تكليفهم مرغمين تلك المهام المتعبة التي تشبه القصاص، ومنح هؤلاء حوافز مادية تتجاوز العلاوات للعناصر العادية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير