Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الادخار المالي من قرار بشري إلى هندسة خوارزمية

كان فضيلة تعتمد على الانضباط وتمثل انتصاراً للإرادة الإنسانية على إغراءات الحاضر فصار عملية تقنية آلية

تتفق معظم النظريات المالية على أن الطريق الأسهل للحرية المالية هو إتقان قرار الادخار وإدارته (أن-سبلاش)

ملخص

التطبيقات المالية جعلت المهمة أقرب وأسرع وأسهل وأسلس للوصول والمعاينة والمراقبة والتعديل، إذ تغير مكان الادخار من البنوك التقليدية والخزائن المنزلية إلى التطبيقات والمنصات الرقمية والمحافظ الإلكترونية، ومن الزيارات الدورية للبنوك إلى الوصول من أي مكان عبر الهاتف.

في تفاصيل حياتنا المالية اليومية يظهر الادخار كواحد من أكثر القرارات تناقضاً بين النية والتنفيذ وبين المعرفة والممارسة، ويمتد ليتلاقى مع أعمق معضلات وجودنا، كاشفاً عن حيرتنا الأزلية وعن صراع اللحظة الراهنة في مقابل المستقبل الغامض، وتخبطنا بين الرغبة في الأمان وإغراء المتع العابرة، مما يجعل الادخار تحدياً سلوكياً حقيقياً بالنسبة إلى معظمنا.

الادخار التقليدي

ارتبط مفهوم الادخار لأعوام طويلة مضت ارتباطاً وثيقاً بالانضباط الذاتي، وكان الادخار عملاً واعياً يتطلب قراراً يومياً يتعارض غالباً مع الدوافع النفسية الفطرية، إذ كان يُنظر إلى الادخار كممارسة تقوم على تأجيل الإشباع الفوري لتحقيق أهداف مستقبلية، مما تطلب قوة إرادة كبيرة ومقاومة لإغراءات الاستهلاك المباشر، وتمثلت أدواته بالحصالات وحسابات التوفير البنكية والاستثمارات المحدودة التي تتطلب معرفة متخصصة.

لكن هذا النظام التقليدي القائم على قوة الإرادة واجه تحديات نفسية جوهرية وعوائق خلقت فجوة بين النيات والأفعال، تديرها جملة تحيزات يترأسها التحيز للحاضر، وكذلك تطلب التخطيط المالي طويل المدى جهداً معرفياً كبيراً في حساب الفوائد والأخطار، مما جعل هذا النهج من الادخار مهمة شاقة لكثيرين.

فلسفة الادخار

لكن تغيراً تدريجياً تسلل إلى حسابتنا البنكية ليغير فلسفة الادخار التي سادت لأعوام طويلة، ويعيد تعريف الادخار من فضيلة تعتمد على الانضباط وتمثل انتصاراً للإرادة الإنسانية على إغراءات الحاضر إلى عملية تقنية آلية تديرها الخوارزميات، ففي عصر البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لم يعد الاحتفاظ بالمال معركة إرادة نخوضها بوعي، بل أصبح عمليات حسابية تُجرى في خوادم بعيدة وتتخذ القرارات نيابة عنا، وأحياناً من دون علمنا.

خوارزميات باردة المشاعر لا تعرف التردد، وما كان من الإنسان بضعفه البشري وتناقضاته إلا أن انسحب بسلاسة من خط المواجهة المباشر مع قرارات الادخار المتعبة تلك، فقد جعلت التطبيقات المالية المهمة أقرب وأسرع وأسهل وأسلس للوصول والمعاينة والمراقبة والتعديل، وتغير مكان الادخار من البنوك التقليدية والخزائن المنزلية إلى التطبيقات والمنصات الرقمية والمحافظ الإلكترونية، ومن الزيارات الدورية للبنوك إلى الوصول من أي مكان عبر الهاتف.

ولقد غيّر هذا التحول الأدوات التي نستخدمها وقلل الاعتماد على المهارات والخصائص الفردية في مقابل تبني التطبيقات وخوارزمياتها التي تعمل في الخلفية لتراقب عنا وتحلل وتدخر وتصحح مسارنا المالي بصمت، وأعاد تعريف علاقتنا بالمال من قرار دائم التسويف إلى عملية شبه تلقائية تحكمها البيانات والتنبؤات، لنجد أنفسنا أمام تحول أنثروبولوجي في علاقتنا بالمال وبأنفسنا، والسؤال كيف تحولت فلسفة الادخار من كونها مسعى فردياً يعتمد على الحزم الشخصي إلى نظام معقد تُدار فيه قراراتنا المالية بواسطة رموز برمجية؟ وكيف أثر هذا التحول في سلوكنا المالي وهويتنا كمستهلكين ومدخرين؟

هندسة السلوك المالي

شهدت الأعوام الأخيرة ظهور جيل جديد من "التكنولوجيا المالية FinTech" (حلول مالية مدعومة بالتكنولوجيا) غيرت طريقة التوفير ليصبح ذكياً يعمل آلياً بمجرد ربط حسابك بتطبيقات مالية مبرمجة على مفاهيم معينة تقوم بأتمتة عملية الادخار برمتها، فعلى سبيل المثال تقوم بعض التطبيقات بعملية التقريب التلقائي(Round-Up Saving) ، وهي تقنية مدمجة تقوم تلقائياً بتحويل فوارق صغيرة من مشترياتك اليومية إلى مدخرات، عبر تقريب قيمة المشتريات اليومية ببطاقات الدفع إلى أقرب عدد دولار صحيح، وتحويل الفرق تلقائياً إلى حساب منفصل، مما يساعد في بناء المدخرات من دون مجهود أو شعور بـ "ألم الدفع"، لتتراكم المدخرات حتى تصل مبلغاً محدداً ثم تتحول تلقائياً لحساب ادخار منفصل أو تستثمر في محفظة مالية، فعند شراء شيء بـ (3.70 دولار) على سبيل المثال يقرب التطبيق المبلغ لأقرب دولار (4.00 دولارات)، والفرق (0.30 سنت) يذهب تلقائياً لحساب الادخار، ليصبح الادخار بذلك فعلاً خوارزمياً سهلاً ومستمراً ومن دون مجهود ولا يتطلب قرارات يومية ضاغطة.

وتقدم بعض التطبيقات عملية "ادخار استباقي" (Proactive Saving) لتتحول التكنولوجيا من أداة تنفيذ إلى شريك تنبؤي، يتوقع الحاجات المالية المستقبلية بناء على تحليل الأنماط وإنشاء مدخرات استباقية قبل وقوع الحدث، إضافة إلى تقديم نصائح مالية مخصصة بناء على سلوك الشخص المالي، وكذلك يصمم أهداف ادخار ذكية تتكيف مع تغير الظروف، ويقدم تنبيهات ذكية عن أنماط الإنفاق غير الاعتيادية.

ورافقت التحولات جملة من التأثيرات في علاقتنا بالمال، فجعلت البيانات والرسوم البيانية الأمور المالية ملموسة أكثر، وأصبح التفاعل مع أموالنا يومياً والوصول للمعلومات المالية متاحاً للجميع، وصارت التكنولوجيا تتنبأ بحاجاتنا قبل أن ندركها، فانتقلنا من الثقة في المؤسسات إلى الثقة في الخوارزميات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علم النفس يتحدث

هذا التحول من إرادة الإنسان إلى خوارزمية الآلة لم يكن مجرد تغيير في الوسيلة، بل كان تحولاً عميق في علاقتنا الوجودية مع المال حين أصبح عبارة عن تيار من البيانات التي تدار تلقائياً، والأمر الأكثر تطوراً في هذه الأنظمة هو قدرتها على التعلم والتكيف مع السلوك الفردي وتقديم خيارات مخصصة، وتحديد أفضل إستراتيجيات الادخار المناسبة لكل شخص من خلال تحليل البيانات من الأنماط المتوافرة، فالخوارزميات الحديثة للادخار تعتمد على فهم عميق للسلوك البشري ونقاط ضعفه، وبدلاً من محاربة النفس البشرية تعمل هذه الخوارزميات على توظيف الميول النفسية لمصلحة الادخار، وتشعل ثورة في هندسة القرار المالي حين لم تعد المسألة مجرد حساب رياضي، بل تصميم نظام يتفاعل مع العقل البشري بذكاء، وأصبحت الخوارزميات تقرأ سلوكنا المالي أفضل مما نقرأه بأنفسنا.

وربما تقودنا هذه العملية من التخلي عن القرار المالي المتعلق بالادخار إلى تحيز معرفي قوي يبدو أثره جلياً هنا، وهو تأثير الخيار الافتراضي، فالناس يميلون إلى تفضيل الخيارات المحددة مسبقاً حتى عندما تكون البدائل المعروضة أفضل بالنسبة إليهم، وعندما نواجه خياراً افتراضياً محدداً مسبقاً يسجله الدماغ على أنه المسار الأسهل، مما يزيد احتمال قبوله في مقابل بذل جهد ذهني إضافي لاختيار البديل، فالبشر يميلون بطبيعتهم إلى توفير الطاقة الذهنية عند اتخاذ القرارات.

وفي النهاية تتفق معظم النظريات المالية على أن الطريق الأسهل للحرية المالية هو إتقان قرار الادخار وإدارته، وإذا كان الفشل في الادخار ناتجاً عن محدودية الإرادة الإنسانية فلماذا لا نستعين بأنظمة مدرّبة لا تعرف التردد أو التعب؟

اقرأ المزيد

المزيد من علوم