ملخص
بين تقارير برنامج الغذاء العالمي عن انعدام الأمن الغذائي، وتحذيرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في شأن النزوح الجماعي، يتضح أن حجم الكارثة لا يقابله زخم دولي مكافئ. هذا التفاوت بين جسامة المعاناة وبرودة الاستجابة يسلط الضوء على تحول عميق في أولويات النظام الدولي، حيث تُقاس الأزمات بمدى اتصالها بمراكز القوة لا بعمقها الإنساني.
بات السودان ساحة مكشوفة لتقاطعات إقليمية - أفريقية تتجاوز منطق النزاع الداخلي، لتلامس اختبارات أوسع تتعلق بإعادة توزيع النفوذ داخل القارة السمراء. ففي قلب أفريقيا، حيث يلتقي الامتداد العربي بمنطقة القرن الأفريقي، عاد السودان ليشغل موقعه التاريخي كمساحة عبور للتوازنات الكبرى. هذا الموقع، الذي طالما منح الخرطوم ثقلاً جيوسياسياً يفوق إمكاناتها الصلبة، أصبح اليوم عاملاً ضاغطاً يضاعف من هشاشة الدولة ويكثف من حضور الخارج بأشكال عدة.
تتبدى هذه التحولات في انخراط دول أفريقية في مسارات محددة بعضها تخوض صراعاً داخلياً معقداً، وتراقب التطورات السودانية بوصفها جزءاً من معادلة أمنها القومي، بينما تنظر أخرى إلى ما يجري من زاوية أمن الحدود وتدفقات اللاجئين، مع ما يحمله ذلك من أعباء سياسية واقتصادية، في المقابل، تتحرك دول ثالثة ضمن أطر دبلوماسية أفريقية أوسع، عبر "الهيئة الحكومية للتنمية" (إيغاد)، في محاولة للحفاظ على دور الوسيط الإقليمي، حتى وإن بدا هذا الدور محدود التأثير.
وعلى مستوى أوسع، لم تغب قوى عابرة للقارة عن المشهد، فروسيا، التي سعت خلال الأعوام الماضية إلى ترسيخ وجودها في البحر الأحمر عبر تفاهمات بحرية، تتابع مسار الصراع السوداني كجزء من إعادة تموضعها الأفريقي. وتحضر الصين، بحسابات أكثر هدوءاً، من خلال استثماراتها السابقة في قطاع النفط والبنى التحتية، فيما تظل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حاضرين عبر أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية، من دون انتقال واضح إلى مرحلة الانخراط المباشر.
وسط هذا التزاحم، تبدو المأساة الإنسانية السودانية وكأنها خلفية صامتة لمشهد أكثر صخباً، فبين تقارير برنامج الغذاء العالمي عن انعدام الأمن الغذائي، وتحذيرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في شأن النزوح الجماعي، يتضح أن حجم الكارثة لا يقابله زخم دولي مكافئ، هذا التفاوت بين جسامة المعاناة وبرودة الاستجابة يسلط الضوء على تحول عميق في أولويات النظام الدولي، حيث تُقاس الأزمات بمدى اتصالها بمراكز القوة لا بعمقها الإنساني.
في هذا الإطار، لا تعود قضية السودان مجرد حرب أهلية ممتدة، بل مرآة دقيقة لتحولات التوازنات الأفريقية نفسها، وكيف باتت دول القارة، ومعها القوى الخارجية، تختبر أدوارها الجديدة على أرض دولة تتآكل سيادتها، وتُعاد صياغة موقعها في معادلة المركز والهامش.
ساحة توازنات
لم يكن السودان، عبر تاريخه الحديث، حالة ظرفية في معادلات التوازن الأفريقي، حضوره ارتبط منذ الاستقلال بموقع تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والموارد والهوية، مما جعل أزماته الداخلية تتجاوز إطارها الوطني وتندمج في حسابات الجوار. هذا التداخل منح السودان دوراً مركزياً في ديناميات الإقليم، إذ تحول إلى مساحة تتجسد فوقها اختبارات إدارة الصراعات وحدود التدخل وقدرة النظام الأفريقي على الاحتواء من دون انفجار شامل.
في الحرب الأهلية في جنوب السودان، تعاملت الدول الأفريقية مع النزاع باعتباره عاملاً مهدداً للاستقرار الإقليمي في شرق القارة.
قادت "إيغاد" مسار التسوية انطلاقاً من إدراك أن استمرار الحرب يعيد إنتاج موجات لجوء، ويخلق فراغات أمنية قابلة للتمدد. الحلول التي جرى تبنيها، وصولاً إلى اتفاق السلام الشامل (نيفاشا 2005)، صيغ وفق منطق ضبط التوازن أكثر من معالجة الجذور. كذلك عملت قضية تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية وحق تقرير المصير كأدوات لإعادة تنظيم الصراع داخل أطر سياسية قابلة للرقابة الإقليمية.
في دارفور، اتخذ الدور الأفريقي مساراً مختلفاً في الشكل ومتقارباً في المضمون. دخول الاتحاد الأفريقي عبر بعثة حفظ السلام عبّر عن سعي القارة إلى إدارة الأزمة ضمن أطرها المؤسساتية. ركزت المقاربة المعتمدة على تثبيت حد أدنى من الاستقرار وحماية المدنيين وفتح مسارات تفاوض عدة من دون الذهاب نحو تسوية شاملة. وكانت دارفور حاضرة في الوعي الإقليمي كمنطقة تماس بين القرن الأفريقي والساحل، حيث تتداخل شبكات السلاح والاقتصاد غير النظامي والامتدادات العابرة للحدود.
في التجربتين، لم تسعَ الدول الأفريقية إلى حسم الصراع بقدر ما سعت إلى ضبط إيقاعه. ظهر السودان كساحة لإدارة التوازنات الإقليمية، حيث انصرفت الدول الأفريقية إلى تفادي تحولات كبرى قد تعيد رسم خرائط النفوذ. هذا الإرث يفسر طبيعة التعاطي الراهن مع الحرب السودانية، ويكشف كيفية قراءة البلاد كمؤشر على تحولات النظام الأفريقي، ومساحة تُختبر فوقها قواعد توزيع القوة وحدود الاستقرار الممكن.
انعكاسات مقلقة
في فضاء الجوار الأفريقي، لا تُقرأ مواقف الدول من الحرب السودانية بوصفها اصطفافاً مع طرف ضد آخر، لكن باعتبارها مقاربات وقائية لإدارة خطر التفكك. فالسودان، بما يملكه من حدود طويلة وتركيبة اجتماعية متداخلة وتاريخ من الحروب الأهلية، يمثل بالنسبة إلى جيرانه مرآة مقلقة لاحتمالات الانهيار، أكثر منه ساحة تنافس على النفوذ التقليدي. من هنا، تتقدم هواجس العدوى على حسابات المكاسب، ويُعاد تعريف "حل الأزمة" بوصفه احتواء للفوضى قبل أن يكون تسوية سياسية مكتملة.
تنطلق أريتريا في مقاربتها من منطق أمني صارم، فأسمرة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة العزلة والصراعات الحدودية، ترى في استمرار الحرب السودانية تهديداً مباشراً لشرق السودان، بما يحمله من احتمالات تنشيط شبكات التهريب وتسييس الانتماءات الحدودية وعودة السلاح غير المنضبط إلى فضاء البحر الأحمر. لذلك تميل إلى موقف حذر، يركز على مراقبة التطورات ومنع الانفلات، من دون اندفاع نحو وساطة معلنة أو انخراط سياسي واسع، فاستقرار السودان بالنسبة إليها شرط صامت لاستقرارها الداخلي.
أما إثيوبيا، فتتعامل مع الأزمة بوصفها ملفاً متعدد الطبقات، حدود الفشقة وقضية سد النهضة والتداخلات الإثنية في ولايتي القضارف والنيل الأزرق، تجعل من السودان عنصراً حساساً في معادلة أمنها القومي. أديس أبابا لا ترى الحل في الحسم العسكري، بل في إدارة التوازنات المحلية وتحسين ضبط الحدود ومنع تشكل فراغات قد تُستثمر من جماعات مسلحة عابرة. قلقها لا ينحصر في السودان، بل يمتد إلى الداخل الإثيوبي ذاته، حيث أي اختلال إقليمي قد يعيد إشعال بؤر توتر كامنة.
تشاد تنظر إلى الحرب من زاوية الذاكرة الثقيلة، فنجامينا خبرت طويلاً ارتدادات الصراعات السودانية، من دارفور إلى اللاجئين والسلاح والمقاتلين. موقفها يتسم بالحذر العملي وتعزيز السيطرة الحدودية وتفادي الانجرار إلى استقطاب مباشر، مع إدراك واضح بأن انهيار السودان يعني فتح خاصرة أمنية شرقية يصعب احتواؤها.
دولة جنوب السودان تتعامل مع الأزمة بمنطق البقاء، فخطوط النفط العابرة للأراضي السودانية والتشابك التجاري والهشاشة الداخلية، تجعل من استقرار الخرطوم ضرورة وجودية لجوبا. لذلك تميل إلى دعم أي مسار يفضي إلى التهدئة، من دون ترف الدخول في حسابات نفوذ أو اصطفاف حاد.
أما جمهورية أفريقيا الوسطى، فموقفها يتسم بالتحفظ والانكفاء. بانغي، الغارقة أصلاً في هشاشة أمنية مزمنة، ترى في السودان عمقاً شمالياً رخواً يمكن أن تتحول فوضاه إلى مصدر ضغط مباشر، سواء عبر مسارات التهريب أو النشاط المسلح العابر للحدود. بالنسبة إليها، حل الأزمة لا يختزل في وقف القتال، بل في منع أي مناطق خارج السيطرة تعيد تدوير عدم الاستقرار داخل أراضيها.
عوائق الحل
وسط تصاعد الأزمات الإنسانية والسياسية، تواجه المبادرات الأفريقية لحل الأزمة السودانية تحديات مركبة وعقبات غير تقليدية تنبع من طبيعة التوازنات الإقليمية والدبلوماسية الصامتة، حيث تُدار الملفات السودانية بعيداً من الضجيج الإعلامي، وتتداخل الحسابات الأمنية والسياسية مع رهانات النفوذ، مما يجعل أي مسار للحل محفوفاً بالقيود ومرتبطاً بقدرة الأطراف على التوافق الصامت، أكثر من اعتمادها على القرارات العلنية أو الضغط الإعلامي.
أحد أبرز العوائق أمام الحل الأفريقي للأزمة السودانية هو التداخل المعقد للمصالح الوطنية والإقليمية. فدول الإقليم تتعامل مع السودان عبر مقاربات أولوية الأمن الداخلي على السلام السياسي، بحيث يصبح أي تدخل علني محفوفاً بتداعيات مباشرة على الداخل، ويدفع الدول إلى إدارة الأزمة عبر أدوات ضبط الحدود والوساطة الخفية بدلاً من الحل الشامل. لذلك لم تنجح، في تجارب عدة، إحاطة أزمات سودانية سابقة بإطار أفريقي موحد في تجاوز الحسابات الضيقة للدول الفردية لضمان استقرار شامل.
ثاني العوائق يتمثل في ضعف آليات التنفيذ والمساءلة. الاتحاد الأفريقي أو "إيغاد"، على رغم امتلاكها أطراً دبلوماسية ونوايا سياسية، لكنها تفتقر غالباً إلى القدرة على فرض الحلول على الأطراف المتصارعة. التجارب السابقة، مثل أزمات دارفور في 2003–2010، أو الانقسامات في جنوب السودان قبل استقلاله، أوضحت أن الاتفاقات الأفريقية غالباً ما تبقى حبرية، وتفتقر إلى آليات إلزامية للتنفيذ، مما يجعلها عرضة للتأجيل أو الالتفاف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، غياب الإرادة الدولية الداعمة بصورة متكاملة يضعف الحلول الأفريقية، لأن القوى الكبرى غالباً ما تتعامل مع السودان كمسرح لاستراتيجيات النفوذ، مما يقلل من الضغط المطلوب لتطبيق الاتفاقات أو دعمها اقتصادياً. هذا يعكس النظر إلى المنظومة الأفريقية وقياس مدى فاعليتها، إذا لم تُسند من ضغط متوازن دولياً.
ورابعاً، تحدي التشابك الداخلي السوداني، من تعدد الفاعلين العسكريين والسياسيين إلى هشاشة المؤسسات، يجعل أي اتفاق هشاً أمام واقع ساحة الحرب. الحلول الأفريقية غالباً ما تصطدم بعائق التنفيذ المحلي، وتتحول إلى إدارة مستمرة للأزمات بدلاً من إنهائها، كما يظهر اليوم بوضوح في الخرطوم ودارفور والمناطق الحدودية.
بوصلة التوقعات
تتجه بوصلة التوقعات المستقبلية في الإقليم الأفريقي نحو نمط إدارة الصراع أكثر من السعي إلى حسمه. معظم القوى المحيطة بالسودان، من إثيوبيا وإريتريا وتشاد وجنوب السودان إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، ترى في التوازن الهش خياراً عملياً، يتيح ضبط الإيقاع الأمني من دون الانزلاق إلى كلفة الانتصار الكامل أو تبعات التسوية الشاملة. سياسة الظلال هنا تتحول إلى بديل مستقر نسبياً، تُدار من خلالها الحرب بوصفها ملفاً مفتوحاً قابلاً للتعديل، لا قضية مغلقة بقرار نهائي، مما يجعل السودان مساحة اختبار دائمة لإعادة ضبط التوازنات الإقليمية.
هذا التوجه ينعكس في حسابات الدول المجاورة، إثيوبيا، مثلاً، ستواصل مراقبة التطورات على الحدود، خصوصاً في مناطق الفشقة والنيل الأزرق، مع تعزيز التحالفات المحلية لتجنب أي تفريغ أمني يمكن أن يهدد الداخل الإثيوبي. إريتريا ستحافظ على سياسة الحيطة في شرق السودان، مع التركيز على منع تحول أي مساحة حدودية إلى قاعدة للمجموعات المسلحة العابرة. تشاد ستستمر في تعزيز السيطرة على حدودها الشرقية، وتجنب الانخراط المباشر، بينما جنوب السودان ستحرص على حماية خطوط النفط والبنى الاقتصادية المشتركة مع الخرطوم، مع دعم أي مسار يخفف من تداعيات الفوضى على الداخل. أما جمهورية أفريقيا الوسطى، فستظل تعتمد على مراقبة الوضع الشمالي للسودان كأداة لتفادي انتقال الانفلات إلى أراضيها الهشة.
على المدى القريب، يبدو المشهد مرشحاً للتحول إلى صراع مجمد بحكم الواقع، مع مناطق نفوذ متداخلة من دون إعلان سياسي صريح. دارفور وأجزاء واسعة من كردفان ربما تظل تحت سيطرة "الدعم السريع"، بينما يحتفظ الجيش بمواقع الثقل في الوسط والشرق والشمال. هذه الجغرافيا المتحركة ستنتج كيانات شبه مستقلة، تدير شؤونها اليومية عبر ترتيبات محلية وتخوض صراعات منخفضة الحدة على الموارد والنفوذ.
في هذا الإطار، تتعلم الدول المجاورة كيف تتعامل مع دولة تتآكل من الداخل من دون أن تختفي، حيث يصبح التعاون الضمني، خصوصاً في قطاعي الطاقة والتجارة العابرة للحدود، أداة ضرورية للحفاظ على الحد الأدنى من الوظائف الاقتصادية. المجتمع الدولي يرفع سقف التوقعات في شأن وقف إطلاق النار والانتقال السياسي، لكن الواقع الإقليمي يرى في السودان ساحة لضبط الإيقاع أكثر من كونه مختبراً للحلول السريعة. النتيجة المتوقعة وفق التصور الأفريقي هي مسار طويل، تتعايش فيه الفوضى مع أشكال محدودة من الاستقرار، ويصبح السودان بؤرة اختبار مستمرة لإدارة الحروب الطويلة في أفريقيا، حيث يُفضل التوازن القابل للإدارة على الانتصار الحاسم.