Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مئات القتلى وعشرات آلاف النازحين مع تجدد القتال في دولة جنوب السودان

معارك جونقلي بدأت في ديسمبر والحكومة ردت بهجمات جوية "عشوائية" وتحذيرات أممية من خطر "عنف جماعي ضد المدنيين"

نقص الإمدادات يهدد بموت الأطفال بمناطق النزاع في جنوب السودان (أ ف ب)

ملخص

خاض كير ومشار حرباً استمرت خمس سنوات بعيد الاستقلال عن السودان، وأودت بحياة 400 ألف شخص. وأرسى اتفاق تقاسم السلطة الذي أبرم عام 2018 سلاماً دام سنوات، لكن بنوده في شأن إجراء انتخابات ودمج قوات الطرفين ظلت حبراً على ورق.

حذّر خبراء مستقلون مكلفون من الأمم المتحدة اليوم الأحد من خطر "عنف جماعي ضد المدنيين" و"صراع عرقي واسع النطاق" في ظل تجدد التوترات بجنوب السودان، مشيرين إلى تصريحات "تحريضية" لمسؤولين عسكريين وتعبئة كبيرة للقوات.

ومع تصاعد العنف حضّ جيش جنوب السودان سكان ثلاث مقاطعات على إخلائها "في أسرع وقت".

وأعربت لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان في بيان عن "قلقها البالغ" جراء الوضع في ولاية جونقلي حيث تدور منذ أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 معارك بين الجيش الخاضع لقيادة الرئيس سلفا كير والقوات الموالية لنائبه السابق رياك مشار الموقوف منذ مارس (آذار) 2025، والمتهم بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية".

ونبّه الخبراء الأمميون المستقلون من أن التصريحات التحريضية التي أدلى بها بعض المسؤولين العسكريين والتقارير التي تتحدث عن نشر قوات كبيرة "تزيد بصورة كبيرة من خطر العنف الجماعي ضد المدنيين ومن تقويض اتفاق السلام" الذي أنهى حربا أهلية استمرت منذ عام 2013 إلى عام 2018.

يأتي ذلك بعدما أصدر قائد الجيش بول ماجوك نانغ الأربعاء الماضي أوامر لقواته المنتشرة في المنطقة بسحق التمرد في غضون سبعة أيام.

"عدم استثناء أحد"

وبحسب تقارير كثير من وسائل الإعلام في جنوب السودان فقد صرح مسؤول عسكري كبير آخر بأنه "ينبغي عدم استثناء أحد، ولا حتى كبار السن".

وتابع أعضاء اللجنة أن "التصريحات التي يدلي بها القادة وغيرهم ممن يمارسون سيطرة فعالة عندما تشجع على العنف ضد المدنيين وتتزامن مع تعبئة نشطة للقوات، تشكل تصعيداً خطراً في ظل تدهور حاد للأسس السياسية لعملية السلام".

وأشارت رئيسة اللجنة ياسمين سوكا إلى أن "مثل هذا الخطاب سبقه في الماضي وقوع فظائع جماعية في جنوب السودان".

وفي بيان صدر أيضاً اليوم الأحد دانت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (يونميس) "الخطاب التحريضي الذي يدعو إلى العنف ضد المدنيين، بمن فيهم الأكثر ضعفا"، وهو أمر "بغيض ويجب أن يتوقف على الفور".

وحضّ المتحدث باسم جيش جنوب السودان، لول رواي كوانغ، سكان ثلاث مقاطعات في ولاية جونقلي الواقعة في مناطق تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان- المعارضة، على "الإخلاء الفوري في اتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة حفاظاً على سلامتهم"، محذراً من أن المدنيين المسلحين الموجودين قرب ثكنات "الحركة الشعبية لتحرير السودان" سيعتبرون "أهدافاً عسكرية مشروعة".

"مأساة يمكن تجنبها"

دعا الخبراء الأمميون المستقلون المجتمع الدولي إلى "الضغط على قادة جنوب السودان للعودة للمسار السياسي الذي التزموا به"، وإلا فإن الدولة التي يناهز عدد سكانها 12 مليون نسمة معرضة لخطر الانجرار "إلى صراع عرقي واسع النطاق ومأساة يمكن تجنبها"، مشيرين إلى أن القادة العسكريين والمدنيين الذين يحرضون على ارتكاب الجرائم "يمكن محاسبتهم جنائياً".

وبحسب السلطات في جنوب السودان فقد نزح نحو 180 ألف شخص فراراً من هذه الاشتباكات، وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن سكان هذه المناطق "يعانون أصلاً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي وانتشار الأوبئة والأضرار الناجمة عن فيضانات العام الماضي".

وعلى رغم أن الدولة التي استقلت عن السودان عام 2011 قد شهدت عنفاً في بعض المناطق لنحو عام، لكن النزاع في جونقلي أوسع نطاقاً حتى وإن لم يكن له بعد البعد العرقي للحرب الدامية بين أنصار كير ومشار والتي أسفرت عن 400 ألف قتيل بين عامي 2013 و2018.

وقال مصدر إنساني مقيم في جوبا، عاصمة جنوب السودان، لوكالة الصحافة الفرنسية إن منطقة جونقلي تقطنها غالبية من إثنية النوير التي ينتمي إليها رياك مشار، وقد حمل كثير من شبانها السلاح إضافة إلى الجناح المعارض في "الحركة الشعبية لتحرير السودان" ضد الجيش الذي ينظر إليه على أنه موال لسلفا كير.

ودعا خبراء الأمم المتحدة المستقلون "جميع الأطراف إلى الكف فوراً عن الخطاب التحريضي وتعبئة القوات" من أجل "تهدئة التوترات".

وشددت ياسمين سوكا على أن "هذه الأزمة ليست حتمية"، لكن "التحريض المتعمد وإساءة استخدام السلطة ستكون لهما عواقب، ونافذة التحرك تضيق بسرعة".

نزوح أكثر من 180 ألف شخص

وأدى تجدد القتال في دولة جنوب السودان إلى نزوح أكثر من 180 ألف شخص، فيما تحدث شهود عيان عن استخدام عشوائي للبراميل المتفجرة وفرار مدنيين إلى منطقة المستنقعات مع انهيار السلام في البلاد.

وتعاني أحدث دولة في العالم الحرب والفقر وتفشي الفساد منذ انفصالها عن السودان عام 2011، ويتركز حالياً العنف المتصاعد في ولاية جونقلي الواقعة إلى الشمال من العاصمة جوبا.

قال دانيال دينغ (35 سنة) وهو واحد من آلاف النازحين بسبب القتال في جونقلي، لوكالة "الصحافة الفرنسية" عبر الهاتف "أنا عالق، وإذا ساءت الأمور، فإن المكان الآمن الوحيد الذي يمكنني الذهاب إليه هو المستنقعات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحدث عن قتال عنيف وقع الأسبوع الماضي في مقاطعة دوك حيث يعيش، بعدما سيطرت قوات المعارضة على المنطقة قبل أن ترغمها القوات الحكومية على الانسحاب.

وأضاف دينغ "لقد قُتل كُثر"، مقدراً العدد بنحو 300 مقاتل، وهو ما لم تتمكن وكالة "الصحافة الفرنسية" من التحقق منه.

وانتهت مفاعيل اتفاق تقاسم السلطة بين الفصيلين الرئيسين عملياً بعدما تحرك الرئيس سلفا كير ضد نائبه وغريمه القديم رياك مشار الذي أوقف في مارس (آذار) الماضي ويحاكم حالياً بتهمة "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية".

خاضت قوات الطرفين معارك عدة خلال العام الماضي، لكن الاشتباكات الأطول بدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 في جونقلي.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) هذا الأسبوع إن السلطات في جنوب السودان تقدر عدد النازحين بأكثر من 180 ألفاً في أربع مقاطعات في جونقلي.

وأكد دينغ أن "معظم الناس يستقرون تحت الأشجار. لقد نهبت منازلهم والمرافق الصحية أو أحرقت، وتفشى الجوع".

هجمات عشوائية

خاض كير ومشار حرباً استمرت خمس سنوات بعيد الاستقلال عن السودان، وأودت بحياة 400 ألف شخص. وأرسى اتفاق تقاسم السلطة الذي أبرم عام 2018 سلاماً دام سنوات، لكن بنوده في شأن إجراء انتخابات ودمج قوات الطرفين ظلت حبراً على ورق.

وأوضح مصدر في منظمة غير حكومية في جوبا، طلب عدم كشف هويته، أن القتال في جونقلي بدأ في ديسمبر في منطقة تسمى يري. وأضاف أن الحكومة ردت بهجمات جوية "عشوائية"، شملت استخدام براميل متفجرة ضد المدنيين الذين تعتبرهم "معادين" لها وأمرتهم بمغادرة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وأكد مصدر آخر من منظمة غير حكومية أن براميل متفجرة سقطت على مقربة من مرافق صحية. وقال "لقد صدرت أنواع مختلفة من التهديدات من كلا الجانبين".

دفع ذلك كثيرين للفرار إلى مدينة بور عاصمة ولاية جونقلي.

وقال المسؤول في المجتمع المدني المحلي بول دينغ بول عبر الهاتف "تم تصنيف جزء كبير من جونقلي مناطق حمراء، مما يعني غياب الوصول الإنساني والرحلات الجوية... يواصل الناس الفرار، ويتزايد عددهم في بور ليلاً ونهاراً". وأضاف "نشهد حشداً للقوات العسكرية من كلا الجانبين، وهو ما يشير إلى أن التصعيد وشيك". ولفت إلى أن تقدير عدد القتلى أمر مستحيل، لأن عديد من السكان ما زالوا يختبئون "في الأدغال".

وقال "أوتشا" في تقرير في شأن الوضع "أدى نهب ومصادرة الأصول الإنسانية، من الطرفين بحسب ما ورد، إلى تعليق الخدمات الصحية الأساسية لآلاف الأشخاص".

سيموت أطفال

يمتلك جنوب السودان احتياطات نفطية كبيرة، لكن الفساد المستشري جعله من بين أفقر دول العالم، حيث يعاني ما يقارب 7.7 مليون من مواطنيه البالغ عددهم 12 مليوناً، من الجوع، وفق أرقام أصدرها برنامج الأغذية العالمي في أبريل (نيسان) الماضي.

وقال مدير العمليات في منظمة "أطباء بلا حدود" غول بادشاه من العاصمة الكينية نيروبي، إنهم واجهوا صعوبة في تموين الفرق الموجودة على الأرض في جونقلي، ما أدى إلى نقص "كارثي" في الإمدادات. وأضاف محذراً "ليس لدينا الإمدادات... سيموت أطفال، الأمر بهذه البساطة".

وأفادت تقارير بوقوع اشتباكات في ولايتي أعالي النيل والاستوائية الوسطى في الأشهر الأخيرة.

في الأثناء، دعا المعارض البارز ويسلي ويليبي سامسونا الإثنين إلى مسيرة في جوبا من أجل "إزالة النظام المعادي للسلام".

وقال عضو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان بارني أفاكو في بيان "ما نشهده في جونقلي ليس حادثاً أمنياً معزولاً، بل هو تصعيد خطر يتجلى في مناطق أخرى من البلاد أيضاً". ونبه من أن "الأحداث في جونقلي قد تدفع البلاد إلى دوامة عنف خطرة أخرى".

اقرأ المزيد

المزيد من الأخبار