ملخص
مشروع "مجلس السلام" الذي يروج له ترمب يبدو أداة دبلوماسية لكنه يحمل نزعة توسعية تسعى لتركز السلطة الدولية في يده، فيما تتحفظ قوى كبرى وتنخرط دول أخرى طمعاً بالنفوذ، مما يجعل المشروع عبثياً ومقلقاً بوصفه محاولة لإعادة تشكيل النظام العالمي.
سوف يسود السلام في العالم. هذا ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء تدشين "مجلس السلام" الذي شكله في دافوس، سويسرا، محاطاً بمجموعة عشوائية من ممثلين عن 19 دولة.
وكانت نظرة سريعة إلى الشخصيات الجالسة على المنصة، بقدر من الارتباك، كافية للكشف عن كثير، فبينهم الزعيم المجري الاستبدادي فيكتور أوربان، فيما لوحظ غياب لافت لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين والأقوى في أوروبا وحلف "الناتو".
من جهتها قررت المملكة المتحدة، على سبيل المثال، البقاء خارج المجلس حتى الآن، بسبب مخاوفها من إشراك روسيا فيه.
لعل كثراً ما زالوا مصدومين من إصرار ترمب المتكرر الأربعاء الماضي على أنه من حقه الاستيلاء على غرينلاند (أو أيسلندا، كما استمر في تسميتها) الشريكة في حلف "الناتو"، وهي خطوة يمكن أن تفضي في حد ذاتها إلى انهيار الحلف وربما اندلاع حرب.
لكن من يهتم.
بعد خطاب مشبع بالاستطراد والتشتت كالعادة، هاجم فيه الأمم المتحدة وهنأ نفسه على إنهاء عدة حروب بمفرده، أعلن ترمب بداية "سلام جميل ودائم ومجيد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال للمجموعة التي تضم دولاً من أذربيجان إلى باراغواي "أنتم أقوى الناس في العالم".
وأضاف بنظرة استشرافية مقلقة "يمكننا أن نفعل ما نشاء تقريباً".
وهذا هو تحديداً مصدر القلق.
إذ يخشى من أن هذا التجمع، الذي تأسس في الأصل بهدف الإشراف على تنفيذ خطة ما بعد الحرب في غزة، لديه ميثاق واسع النطاق يجعله أشبه بمحاولة من جانب ترمب لاستبدال الأمم المتحدة، وهي مؤسسة لا يتحرج من التعبير عن كراهيته لها.
وأكد ترمب أن المجلس قد يحل محل الأمم المتحدة في بعض المهام، وربما يجعل المنظمة بأكملها غير ضرورية في يوم من الأيام (على رغم تصريحه الخميس الماضي بأن عمل المجلس سيجري "إلى جانب" عمل الأمم المتحدة).
وأرسلت دعوات للانضمام إلى المجلس - الذي تضم عضويته أيضاً رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير - إلى قادة نحو 60 دولة، بما في ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما أثار قلق بريطانيا.
والخميس الماضي، زاد بوتين من عبثية الوضع بالإعلان عن استعداده لدفع مبلغ مليار دولار مقابل حصوله على عضوية دائمة في مجلس السلام الذي أنشأه ترمب، وذلك باستخدام الأصول الروسية التي جمدتها الولايات المتحدة جزئياً بسبب غزو روسيا لأوكرانيا.
وفي الكواليس، يساور الدبلوماسيين القلق من أن هذا النادي الذي يبدو أن ترمب سيترأسه إلى أجل غير مسمى، صُمم بهدف تركيز سلطة اتخاذ القرارات العالمية في يديه.
وتشير تسريبات ميثاق المجلس، التي أطلعت عليها وسائل الإعلام، إلى أنه سيتمتع بسلطة تعيين الأعضاء الذين لا يمكن عزلهم إلا بموافقة ثلثي الأعضاء.
لا تزال بعض الأسئلة مطروحة حول موقع مقر المجلس والوضع القانوني الذي من المفترض أن يتمتع به وكيفية تأثير القرارات التي يتخذها على عمل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة.
ومن اللافت أن الدول التي انضمت إلى هذا المجلس علناً تشمل قطر والسعودية والأردن وتركيا والإمارات، وهي جميعها تدرك أن ترمب هو الزعيم العالمي الوحيد القادر على إجبار إسرائيل على الالتزام بشروط أية هدنة في غزة، وفلسطين بصورة أعم.
أما الدول الأخرى، مثل أوزبكستان وكازاخستان ومنغوليا، فمن المرجح أن دافعها هو الحصول على فرصة نادرة للمشاركة وامتلاك نفوذ.
وقال الدكتور أندرياس كريغ من كينغز كوليدج لندن لقناة "الجزيرة"، إن هذا يفتح لها "خطاً مباشراً مع البيت الأبيض" و"يمنحها ضمانة" ضد الاستبعاد في المستقبل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية بخاصة لدول مثل الأرجنتين التي انضمت اليوم أيضاً، نظراً إلى تركيز ترمب على "مبدأ دون-رو" [جمع كلمتين "مبدأ دونالد" و"مبدأ مونرو" والأخير يعود لعام 1823 ودعا إلى ردع الأوروبيين عن التدخل في الأميركيتين وحماية المجال الحيوي الأميركي] الرامية إلى ترسيخ هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، أو ما يعده ترمب "الحديقة الخلفية" لأميركا.
فخلال هذا العام وحده، أقدم بالفعل على قصف فنزويلا وتهديد كولومبيا وكوبا فيما أعاد إبداء اهتمامه بالاستيلاء على قناة بنما. وعلى رغم أن ترمب دعم خافيير ميلي خلال انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في الأرجنتين، فإن الجميع يعلم جيداً أن مدى انتباهه قصير وأن أفعاله غير متوقعة.
وقال الرئيس الأميركي إن عشرات الدول انضمت إلى هذه المبادرة، دون أن يذكرها بالاسم. ويبدو أن إسرائيل، التي لم تشارك في حفل التوقيع، من بين هذه الدول.
ومن جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن بعض القادة أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى المجلس، لكنهم ما زالوا في حاجة إلى موافقة برلمانات بلادهم، في حين طلبت دول أخرى لم تكن مدعوة إلى المشاركة أن تنضم.
لا يزال من غير الواضح ما الذي يمكن تحقيقه نظراً إلى أن بعض الجهات الفاعلة الرئيسة مثل الصين والاتحاد الأوروبي وكندا وأوكرانيا والنرويج والسويد وفرنسا والمملكة المتحدة لم تلتزم بالانضمام إلى المجلس، أو رفضت ذلك بالفعل.
ولكن مهما حدث، فإن هذا هو أقوى مؤشر حتى الآن على أن النسخة الجديدة من دونالد ترمب الذي قاد حملته الانتخابية تحت شعار "أميركا أولاً" وعلى مبدأ العزلة ظاهرياً، هو في الواقع شخصية تطمح إلى فرض سياسة تدخلية.
إنه يناصر التوسع ويحمل عقلية تاجر عقارات، وهذا ما يغير شكل العالم إلى الأبد.
© The Independent