Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جيم 1983"... فيلم صغير بأسئلة كبيرة

رسوم متحركة للمخرج جورج أبو محيا تعيد تقديم الحرب الأهلية اللبنانية كمساحة للتأمل في الذاكرة الجماعية والفردية

لا يسعى الفيلم لسرد الحرب تاريخياً، بل إلى تمثيل أثرها النفسي والعاطفي (ملف الفيلم)

ملخص

لا يسعى الفيلم إلى سرد الحرب تاريخياً، بل إلى تمثيل أثرها النفسي والعاطفي على الطفل، واستكشاف كيف يمكن للخيال أن يكون أداة مقاومة ونجاة.

ثلاثة عقود مضت على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، ومع ذلك، لا تزال ذاكرة هذا الصراع حاضرة بقوة في السينما المحلية. اللافت في الإنتاج اللبناني المعاصر أن الحرب لا تعرض غالباً بوصفها حدثاً تاريخياً محايداً، بل بوصفها حقلاً معرفياً ونفسياً يشكل تجارب الفرد والجماعة على حد سواء.

لا يعود المخرجون اللبنانيون إلى الحرب للتوثيق المباشر فحسب، بل لمساءلة الوجود ومراجعة الهوية واستكشاف أثر الحرب على الطفولة والفقد والخيبة والنجاة. وفي هذا الإطار، تتحول السينما أداة لإعادة تشكيل الذاكرة، وسؤالاً دائماً عن إمكانية العيش بعد الصدمة، لا مجرد سرد أحداث ماضية.

ضمن هذا السياق، يبرز فيلم الرسوم المتحركة القصير "جيم 1983" للمخرج والكاتب اللبناني جورج أبو محيا، كعمل يعيد تقديم الحرب بوصفها تجربة طفولة متأثرة بالخيال، ومساحة للتأمل في الذاكرة الجماعية والفردية.

لا يسعى الفيلم لسرد الحرب تاريخياً، بل إلى تمثيل أثرها النفسي والعاطفي على الطفل واستكشاف كيف يمكن للخيال أن يكون أداة مقاومة ونجاة.

طفولة تتجول بين الركام

"جيم 1983" فيلم ثنائي الأبعاد قصير مستوحى من أحداث حقيقية، يتتبع يوماً واحداً في حياة صبي يبلغ من العمر سبع سنوات يتجول داخل شوارع بيروت عام 1983، في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية.

 

 

الزمن في الفيلم محدود لكن كثافته الدلالية عالية، فهو لا يروي الحرب بوصفها سلسلة أحداث، بل يلتقط أثرها النفسي على طفل يعيش بين هدنتين، واحدة متخيلة وأخرى قسرية.

يفرض جيم بطريقته الخاصة وقفاً لإطلاق النار، ليس قراراً سياسياً أو عسكرياً بل فعلاً تخييلياً. في هذه المساحة الهشة، يستعيد المدينة كما يشتهيها، لا كما فرضت عليه الحرب. بيروت هنا ليست مجرد خطوط تماس بل ملعب وفضاء لقاء ومسرح سخرية.

يتحرك جيم بين الأزقة يلهو مع أطفال غرباء يشبهونه، ويواجه رجال الميليشيات بأسلوب طفولي ساخر محولاً العنف إلى مشهد كاريكاتيري.

العنصر المفصلي في التجوال هو غريندايزر، البطل الخارق الذي تستحضره مخيلة جيم. هذا البطل لا ينقذه جسدياً، لكنه يمنحه قدرة رمزية على إعادة ترتيب الواقع ولو موقتاً. الخيال هنا ليس إنكاراً للعنف بل إعادة صياغة له، مما يسمح للطفل أن يتنفس وأن يؤجل الصدمة.

 

 

ومع انتهاء فترة وقف إطلاق النار يجبر جيم على العودة إلى المنزل، حيث يواجه خوفاً من نوع آخر. البيت، المفترض أن يكون ملاذاً، يتحول إلى فضاء قلق، حيث الصمت أثقل من القصف والانتظار أكثر رعباً من الرصاص.

بهذه النهاية، يقلب الفيلم الثنائية التقليدية بين الخارج المهدد والداخل الآمن، مؤكداً أن الحرب لا تختزل بالجغرافيا، بل تسكن العلاقات والغياب والفقد.

اللغة البصرية

أحد أبرز إنجازات "جيم 1983" قدرته على نقل مشاعر معقدة من دون الاعتماد على الحوار. الصور والإيقاعات البصرية تعكس تجربة مشبعة بالمعاني: الجدران المثقوبة والشوارع الفارغة والأطفال على حافة الخطر ورجال الميليشيات، كلها رموز مستمدة من الذاكرة الجمعية للحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اعتماد الرسوم ثنائية الأبعاد ليس خياراً تقنياً فحسب، بل تعد موقفاً جمالياً يسمح بخلق مساحة بين الواقع والخيال، إذ يصبح العنف قابلاً للعرض دون تلميعه، والخطر قابلاً للفهم دون التبسيط.

هذه اللغة البصرية مكنت الفيلم من التفاعل مع جمهور عالمي لا يشترك بالضرورة في خلفية ثقافية محددة، وهو ما فسر التنويه الخاص الذي ناله في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي تقديراً لفرادته وجرأته السردية.

الفقد بوصفه نقطة انطلاق

يتجاوز حضور المنتج والكاتب المشارك جورج مكتبي الجانب الإنتاجي مستعيناً بذاكرته الشخصية. فقد مكتبي والده خلال الحرب في العمر نفسه الذي يجسده جيم، مما يمنح الفيلم صدقية داخلية ويجعله شهادة على الفقد.

يربط مكتبي، الرئيس التنفيذي لمجموعة "ويبيديا" العربية، هذا العمل بمشروع أوسع حول الذاكرة، كما في معرض Ceasefire داخل بيت بيروت عام 2025، إذ يعيد إحياء لحظات ساكنة من الحرب، مجمدة في الزمن لكنها مشحونة بالحياة المؤجلة. في رؤيته، الخيال ليس هرباً بل استراتيجية نجاة، أداة لبناء عالم يمكن العيش فيه على رغم الصدمة وإعادة تأسيس الأمل.

يقول "’جيم ‘1983 فيلم عن الأجيال المتعاقبة التي عاشت الحرب. فقدت والدي خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وهي حقيقة احتجت عقوداً طويلة لأتمكن من النطق بها علناً. لكن هذا الفيلم لا يتناول الفقد وحده، بل يتناول الحياة أيضاً. إنه عن العوالم التي نبنيها لأنفسنا عبر الخيال، وعن القدرة على رسم واقع آخر، ومساءلة القدر، وخلق الأمل إذ لم يكن موجوداً. هكذا نجوت. وهكذا نجا كثر منا. ومع إحياء الذكرى الـ50 للحرب الأهلية اللبنانية، آمل أن يكون هذا الفيلم تذكيراً بكيف يمكن للخيال أن يتحدى الصراع، بل وأن يتجاوزه ويستمر بعده".

 

 

في المقابل، يرى المخرج ورسام الأنيميشن جورج أبو محيا المعروف بأعماله التي تمزج الجمالية البصرية بالتعليق السياسي والاجتماعي، في "جيم 1983" امتداداً لسيرة جيل كامل. الحرب بالنسبة إليه ليست موضوعاً فحسب، بل تجربة تأسيسية شكلت الوعي والخيال. أعوام الطفولة تحت القصف، والاعتماد على سينما الديستوبيا كغذاء للخيال، غذت رؤيته الإبداعية، وجعلت من الصورة لغة أساس للفيلم.

اعتماده على الستوري بورد وكتابة الفيلم بالصورة أكثر من الكلمات منح العمل كثافة بصرية نادرة، وأتاح التعبير عن الخوف والترقب من دون لغة مباشرة، مستنداً إلى تفاصيل مستمدة من الذاكرة الشخصية والجمعية، بما في ذلك صور المصور رمزي حيدر. هذا النهج مكن الفيلم من تجاوز السيرة الفردية ليصبح مرآة لتجربة لبنانية مشتركة.

خلال عام 2018، أخرج الفيلم الطويل للرسوم المتحركة "أليفيا 2053"، الذي عُد محطة مفصلية في هذا النوع السينمائي. وتتجلى رحلته الفنية في روايته المصورة Ville Avoisinante La Terre""، التي ترجمت ونشرت داخل الشرق الأوسط وخارجه. وتشمل قائمة مشاريعه الحالية في الإنتاج فيلم رسوم متحركة طويلاً، يطور بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي والمؤلف الموسيقي خالد مزنر.

أسئلة كبيرة

"جيم 1983" ليس فيلماً عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن الطفولة تحت وطأة العنف، عن الخيال بوصفه فعلاً سياسياً هادئاً، وعن الذاكرة كمساحة صراع مستمر. قوته تكمن في الطريقة التي يسرد بها الفيلم، بهدوء، ومن خلال الثقة في ذكاء المشاهد.

يُذكر العمل بأن السينما اللبنانية على رغم محدودية مواردها قادرة على إنتاج سرديات عميقة، تتعامل مع الحرب كسؤال مفتوح يُعاد طرحه مع كل جيل، وبأدوات جديدة.

في هذا المعنى يبدو "جيم 1983" أكثر من فيلم قصير، إنه شهادة فنية على أن الخيال، حتى في أحلك الظروف، يمكن أن يكون صورة من صور النجاة وبداية للشفاء.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما