ملخص
"ليس الوصف الصوتي، بتقنية مستجدة، ظهرت حديثاً، بل هي موجودة منذ عقود، لكنها لم تبلغ مراحل متطورة بشكل عام، فهذه التقنية تطورت أكثر في بلاد معينة خصوصاً الصين التي كانت سباقة في هذا المجال، وكانت بداية هذه التجربة تعتمد على الوصف الصوتي فيها، فيما لا تزال خجولة في لبنان، كذلك، بلغت مراحل متطورة في دول الخليج التي تركز على تجربة السينما للمكفوفين وعلى تقنية الوصف الصوتي وعلى تطويرها".
استطاعت "سينما المكفوفين" أن تنقل الجمهور من المكفوفين في تجربة حوّلت حلمهم بالدمج في المجتمع إلى حقيقة انطلاقاً من مبدأ "الفن للجميع". يعيش المكفوف في عتمة لا تنيرها إلا إرادته الصلبة التي لا تتزعزع. في ظروف حياته هذه التي لا تبدو سهلة، يبدو وكأنه يعيش في عزلة، خصوصاً في مجتمعاتنا التي لا تضع هذه الفئة المتميزة ضمن أولوياتها. فإذا بهم محرومون من أنشطة كثيرة يحلمون بالاستمتاع بها، لكنها للأسف لا تتاح لهم. حتى يتمكن المكفوفون، خصوصاً الأطفال منهم، من عيش تجربة مميزة تماماً كأي فرد في المجتمع وكغيرهم من الأطفال الذي هم في سنّهم، وانطلاقاً من مبدأ "السينما للجميع"، أقامت جمعية "تيرو للفنون" فاعلية "أسبوع سينما المكفوفين" في بيروت، حيث قُدمت عروض مجانية لأفلام قصيرة تعتمد الوصف الصوتي باللغة العربية الفصحى، استمتع بها المكفوفون ومن يعانون ضعف البصر خلال قرابة ساعتين. باندفاع وحماسة صعبة الوصف نقل الأطفال أحاسيسهم وسعادتهم بتجربة ممتعة يعيشونها للمرة الأولى، وقد استطاعت أن تكسر الحواجز بينهم وبين الفنون البصرية، وهي من التجارب التي افتقدوها طويلاً في مجتمع يعانون فيه من الإقصاء والإهمال.
لأن الفن حق للكل
لأن الفن حق للجميع وليس امتيازاً لفئة معينة في المجتمع، استمتع أطفال وراشدون بمجموعة مختارة من الأعمال السينمائية المصممة خصيصاً لتكون متاحة لذوي الإعاقة البصرية. هي خطوة أراد من خلالها القيمون عليها، إفساح المجال لفاقدي البصر للوصول إلى الثقافة والفنون لاعتبارها من حقوقهم كأفراد في المجتمع، كما أرادوا تكريس مبدأ الشمولية الثقافية، وفتح أبواب المسرح مجاناً أمام الجمهور من فاقدي البصر في تجربة سينما المكفوفين. قد تتشابه هذه التجربة مع تلك التي يمكن اختبارها في أي صالة سينما، إلا أنها تعتمد على الوصف السمعي - البصري حيث يجرى شرح المشاهد البصرية وحركات الشخصيات وتعابير الوجوه والفضاءات، ويشرح الوصف تفصيلاً العناصر المرئية اللازمة للمشاهد المكفوف الذي يتخيّل العمل في ذهنه على طريقته، وبهذه الطريقة، استطاع المكفوفون، من أطفال وراشدين، الاستمتاع وفهم العمل السينمائي كاملاً بما يكرّس مبدأ الحق بالثقافة ويعزز الإدماج الثقافي باعتبار أن الفن حق إنساني لا يستثني فئات معينة.
مؤسس المسرح الوطني اللبناني والممثل والمخرج قاسم إسطنبولي قال إنه انطلق من شعار "الفن للجميع" لتوفير هذه الأفلام مع الوصف الصوتي للمكفوفين، بما يسمح لهم ولضعاف البصر الاستمتاع بتجربة السينما كأي فرد آخر في المجتمع، "هذه التجربة تحقق دمجاً اجتماعياً رائعاً، خصوصاً بوجود فرصة مناقشة الأفلام المتاحة مع الجمهور في الصالة. لمسنا الفرحة على وجوه الأطفال وسعادتهم بالتواجد في السينما. كانت هناك سعادة ملحوظة لدى الأطفال الذين يحضرون أفلاماً سينمائية للمرة الأولى ويشاركون في هذا الطقس الجميل الذي يعتمد على الوصف الصوتي لنقل تفاصيل الفيلم إلى إليهم، كما لاحظنا اندفاع الجمعيات التي تعنى بالمكفوفين للمشاركة".
في الوصف الصوتي تفاصيل ومشاعر
"ليس الوصف الصوتي، بتقنية مستجدة، ظهرت حديثاً، بل هي موجودة منذ عقود، لكنها لم تبلغ مراحل متطورة بشكل عام، فهذه التقنية تطورت أكثر في بلاد معينة خصوصاً الصين التي كانت سباقة في هذا المجال، وكانت بداية هذه التجربة تعتمد على الوصف الصوتي فيها، فيما لا تزال خجولة في لبنان، كذلك، بلغت مراحل متطورة في دول الخليج التي تركز على تجربة السينما للمكفوفين وعلى تقنية الوصف الصوتي وعلى تطويرها، وثمة إنتاجات لأفلام أبطالها من المكفوفين وهي تعتمد الوصف الصوتي. وهي تتيح للمشاهد المكفوف أن يدرك الأحداث ويفهمها في المشاهد التي فيها صمت وحركة على أساس الوصف الذي ينقل له التفاصيل"، بهذه الطريقة، تابع إسطنبولي أن الوصف الصوتي هو استعادة للمسلسل الإذاعي قديماً، "وهي تسمح بألا يخسر أي مشاهد وإن كان لا يراها بعينيه، فهو يفهمها ويتصورها على طريقته ويستمتع بها في وقت تُنقل إليها بطريقة متسلسلة. باختصار، هو يتخيل الصورة التي أمامه عبر السمع، مع الإشارة إلى أن هذه الطريقة لا تعتبر صعبة التحقيق أبداً، بل ليس مطلوباً إلا أن يُحضّر الوصف الصوتي للفيلم ذاته، ويمكن إدخال الوصف الصوتي لأي فيلم".
المشكلة الأساس
لكن تبقى المشكلة الأساس في قلة الاهتمام بهذه الفئة من المجتمع وبهذه الوسيلة التي يمكن أن تسهّل وصول الأفلام السينمائية إليها، فغالباً ما يتم التركيز على الجمهور العام في إنتاج الأفلام وتقديمها، فيما لا تؤخذ بالاعتبار فئة المكفوفين. هذا تماماً ما يحصل في مجتمعاتنا حين يجرى الاهتمام في أعمال البناء والأرصفة بمن هم قادرون على المشي، ولا يؤخذ بالاعتبار ذوو الهمم الذين يفضل إسطنبولي تسميتهم بذوي القدرات الخاصة، وانطلاقاً من ذلك، دعا إسطنبولي صناع السينما في العالم إلى تقديم نسخات دائمة للمكفوفين بما يسمح بكسب جمهور أكبر، وفي الوقت نفسه بترسيخ مبدأ "الفن للجميع"، "وهذا ما لا يمكن أن يتأمن إلا بالدمج، وبتوافر الفن لمختلف طبقات المجتمع وفئاته، من ضمنها ذوو الهمم لأن لهم الحق بالوصول إلى هذه الفنون على اختلافها".
ووعد إسطنبولي بنقل هذه التجربة إلى صور (جنوب)، مشيراً إلى أنه قدمها أولاً في طرابلس (شمال) قبل نقلها إلى بيروت للوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المسرح الوطني اللبناني
وأكد، في الوقت نفسه، حرص المسرح الوطني اللبناني على ألا تكون هذه التجربة موسمية، بل أن تتكرر وتصبح دائمة، واعتبر أن لقاء المكفوفين مع الجمهور، بحد ذاته، خطوة مهمة في الطريق إلى الدمج تجنباً لعزلة فئة فاقدي البصر، "وبهذه الطريقة، استمتع الجميع بتجربة السينما كاملة أثناء تناول الفشار، وبعد أن تلمّسوا الكراسي بلذة واضحة أثناء دخولهم، فكانت تجربة مميزة لهم".
في نقلهم مشاعرهم، عبّر الأطفال عن فهمهم الأفلام بوضوح، إلى جانب سعادتهم بها، وكان هذا واضحاً من حماستهم في مناقشة تفاصيلها، وفي تأكيدهم على رغبتهم بالعودة مرة أخرى لتكرار هذه التجربة، ومنهم من كان قد قصد صالات سينمائية سابقاً، من دون فهم الأفلام بغياب الوصف الصوتي.
في السياق، عبّر حسن عن سعادته بهذه التجربة المفيدة للمكفوفين متمنياً تعميمها على صالات السينما كافة لتصل إلى العدد الأكبر من الناس.
اما كيندا فعبرت، أيضاً، عن فرحتها بهذه التجربة الجميلة التي استفادت فيها من الوصف الصوتي، وكانت المرة الأولى التي يقدم لها الوصف الصوتي مع الفيلم ما ساعدها على استيعاب الفيلم، وأشارت إلى أنها المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها ليست مكفوفة بل هي كأي إنسان آخر لا يعاني مشكلة في النظر.
تجربة جميلة
كذلك أشارت ليال إلى أنها كانت تجربة جميلة استفادت فيها من الوصف المرافق للأفلام، على رغم أنها لم تستطع فهم بعض التفاصيل بسبب اللهجة المعتمدة في الوصف، لذلك أشارت إلى أنها كانت تفضل لو يستخدم في الوصف الصوتي اللغة الفصحى كما هي لتصل التفاصيل لأي مشاهد.
وعبّر علي أيضاً عن سعادته بهذه التجربة الجميلة للمكفوفين مؤكداً أنها المرة الأولى التي يقصد فيها السينما وهو سعيد بأن هذه الفرصة قد أتيحت له.
أما المربية التي رافقت الأطفال، وهي أيضاً من المكفوفين، فاعتبرتها تجربة جيدة للأطفال أدخلت السعادة إلى قلوبهم كونها المرة الأولى التي يعيشونها فيها، إنما في الوقت نفسه، دعت إلى إحداث التعديلات المطلوبة على مستوى اللغة ليفهم الطفل الوصف الصوتي بتفاصيله كافة، وكذلك بالنسبة للترجمة التي من المفترض أن تكون أقرب إلى الأطفال ولغتهم. لذلك أشارت إلى أن يجلس أولاً كفيف يستمع ويشعر بالتفاصيل انطلاقاً من واقعه الخاص، على أن يكون إلى جانبه آخر مبصر يدوّن المعلومات التي يعطيها له لنقل التفاصيل بأكمل وجه ممكن.
خطوة مهمة في الطريق إلى الدمج
كتجربة أولى من نوعها، هي خطوة مهمة في الطريق إلى الدمج، وقد نجحت في توفير مساحة للمكفوف يشعر فيها بأنه يشكل جزءاً من هذا المجتمع، وبأنه لا يختلف عن أي فرد آخر. يكفي أنها نقلته إلى مكان لطالما كان يتوق إلى زيارته فيما لم تتَح له الفرصة يوماً. أما المطلوب فهو ألا تبقى هذه مناسبة استثنائية لأن من حق ذوي الهمم عامة، والمكفوفين، بشكل خاص، الوصول إلى الفنون والاستمتاع بأي تجربة في الحياة كجميع الأفراد في المجتمع، وعندما تصبح هذه قناعة لدى الأفراد في المجتمع، يصبح الاهتمام بتطوير مثل هذه التجارب حالة عادية لا بل واجباً لا يمكن أن يُهمل.