Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المكفوفون في الجامعات المصرية... النظام التعليمي لا يراهم

يشكون غياب الوسائل المساعدة وسط تشكيك بقدرتهم على متابعة الدراسة الجامعية

يعاني المكفوفون ضعف التفاعل داخل المحاضرات بالجامعة بسبب الاعتماد على شاشات العرض من دون تزويدها بأنظمة صوتية (رويترز)

ملخص

وثقت "اندبندنت عربية" شكاوى طلاب ذوي الإعاقة البصرية في التعليم الجامعي بينها عدم قدرة الغالبية على الاندماج سريعاً، إضافة إلى ضعف التفاعل داخل المحاضرات، بسبب الاعتماد على شاشات العرض من دون تزويدها بأنظمة صوتية، وكذلك تأخر تسلم الكتب أو تجهيز المحاضرات بصيغة "وورد" بما يتيح تحويلها إلى "برايل".

في وقت تعلن فيه الجهات المتخصصة بالعملية التعليمية في مصر دعمها الطلاب ذوي الإعاقة بتوفيرها الأدوات المساعدة لهم داخل الجامعات، لا يزال عبد الله حمدي، الطالب المكفوف في الفرقة الرابعة بكلية الألسن بجامعة الفيوم، يفتقر كغيره من أقرانه إلى التسهيلات التي تمكّنه من متابعة دراسته، إذ يشير عبد الله، الذي لم يتمكّن من الالتحاق بالكلية التي كان يرغب فيها بسبب عدم إتاحة التخصص للمكفوفين، إلى أنه يواجه تحديات عدة في التفاعل داخل قاعات المحاضرات.

وفق عبدالله فإن الاعتماد الأساس يبقى على المحاضرات، خصوصاً مع تأخر توفير الكتب، وصعوبة الاستفادة الكاملة من شرح بعض الأساتذة. يقول "عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس يستخدمون أجهزة العرض خلال أجزاء من المحاضرة، مما يتيح للطلاب المبصرين التدوين، بينما يواجه المكفوفون صعوبة في المتابعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عبدالله مثل كثر من أقرانه ممن ألقوا الضوء على معاناتهم داخل الحرم الجامعي، إذ وثقت "اندبندنت عربية" شكاوى طلاب ذوي الإعاقة البصرية في التعليم الجامعي تعددت وشملت عدم قدرة الغالبية على الاندماج سريعاً بعد فصلهم خلال المراحل السابقة في مدارس النور المخصصة للمكفوفين، إضافة إلى ضعف التفاعل داخل المحاضرات، بسبب الاعتماد على شاشات العرض من دون تزويدها بأنظمة صوتية، وتأخر تسلم الكتب أو تجهيز المحاضرات بصيغة "وورد" بما يتيح تحويلها إلى "برايل".

وحين حاولت "اندبندنت عربية" التواصل مع الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات مصطفى رفعت، والمتحدث باسم وزارة التعليم العالي عادل عبدالغفار، والمشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة إيمان كريم، لمواجهتهم في شأن الشكاوى، لم يرد أحد منهم على الاتصالات المتتابعة على مدى أسبوع.

قصور الدمج الجامعي

ومع غياب التقديرات الرسمية لإجمال أعداد المكفوفين صرحت مديرة خدمة ذوي الإعاقة بجامعة عين شمس، رنا هلالي، لـ"اندبندنت عربية" بأن أعداد المكفوفين في الجامعة تقدر ما بين 200 و300 طالب، إضافة إلى أعداد مماثلة من ضعاف البصر.

وأوضحت أنه من المفترض أن يتعلم أي طالب كفيف أو ضعيف بصر استخدام الكمبيوتر، إذ بدأت الجامعة في تحويل الاعتماد على "برايل" إلى الكمبيوتر لتمكينهم من الاندماج في سوق العمل، وتدريب أعضاء هيئة التدريس على إعداد صيغ قابلة للتحويل إلى "برايل" أو للقراءة عبر برامج قارئ الشاشة، لكنها أشارت إلى أن الطلاب الذين يلتحقون بالجامعة غير مؤهلين بالشكل الكافي خلال مراحل التعليم قبل الجامعي".

وأضافت هلالي، "نحاول أن نشجّع الطلاب على تعلم الكمبيوتر حتى لا يضطرون إلى الاعتماد على الطباعة، لكن المشكلة الكبرى أن كثيراً ممن يأتون إلينا من مدارس النور لا يعرفون التعامل مع الكمبيوتر، ويكتفون باستخدام (برايل) فحسب، حتى بعض ضعاف البصر منهم، وهو ما يجعلنا مضطرين إلى تعليمهم الكمبيوتر خلال أعوام دراستهم الجامعية".

وبحسب شهادة الطالب عبدالله حمدي فإنهم يحتاجون دائماً إلى تحويل المحتوى إلى ملف "وورد" ثم إلى "برايل"، وهي عملية تعطلهم وتؤثر في استيعابهم للمقررات، مضيفاً أن الدمج الجامعي كان يحتاج إلى تمهيد مسبق، إذ يواجه طلاب مدارس النور صعوبة في التكيف مع البيئة الجديدة بسبب الاندماج المفاجئ في الجامعة.

وعن الصعوبات التي تواجه هذه الفئة في عملية الاندماج أوضح أن عدداً من الزملاء لم يعتادوا بعد على فكرة الدمج فيتعاملون بحذر، بينما يتجنب آخرون التفاعل خشية تحمل المسؤولية إذا تعرض أحد المكفوفين لأي ضرر، مشيراً إلى أن تجاوز هذه العقبات كان ممكناً لو بدأ الدمج منذ المراحل الدراسية الأولى. وأكد أن المشكلة لا تقتصر على نقص الوسائل، بل تمتد إلى غياب التوعية والتدريب الفعلي لأعضاء هيئة التدريس. مضيفاً أن من الضروري توفير المحاضرات للطلاب المكفوفين مسبقاً لتحويلها إلى "برايل"، مما يساعدهم على الاستعداد ومتابعة ما يطرح أثناء المحاضرات، مطالباً بأن يدرك الأساتذة هذه الأمور ويوجهوا أسئلة مباشرة للطلاب المكفوفين.

 

وأوصت دراسة نشرت في أبريل (نيسان) 2024 تحت عنوان "التحديات الأكاديمية والتكنولوجيا المساعدة لطريقة (برايل) لدى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي والجامعي" بتفعيل مراكز خدمة الطلاب ذوي الإعاقة داخل الجامعات.

واعتبرت الدراسة التي أعدها أساتذة بكلية علوم ذوي الحاجات الخاصة في جامعة بني سويف أن تعيين منسق في كل كلية يمثل ضرورة لتيسير التواصل بين الطلاب والمراكز، مع التشديد على أهمية التعريف المبكر للهيئات التدريسية بالطلاب وتوفير مقررات بصيغة "وورد" وتعديل المواد التي تتضمن رسوماً أو جداول. كذلك أكدت دور وحدات التضامن الاجتماعي في إمداد ذوي الإعاقة البصرية بالوسائل المساعدة وتنظيم برامج تدريبية للمجتمع الجامعي، إضافة إلى ضرورة توفير الإتاحة المكانية داخل المباني وتطبيق معايير الوصول الشامل لضمان بيئة تعليمية مناسبة.

بحسب قانون رقم 10 لسنة 2018 في شأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديداً نص المادة 11، تلتزم مؤسسات التعليم الحكومي وغير الحكومي، بما في ذلك الجامعات، تطبيق مبدأ المساواة بين الطلاب ذوي الإعاقة وغيرهم، وتوفير فرص تعليمية متكافئة تناسب جميع أنواع الإعاقات ودرجاتها.

وبحسب تقرير أصدره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري فإن 12 جامعة مستفيدة بطابعة "برايل" حتى ديسمبر (كانون الأول) 2024. بينما أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي في الفترة ذاتها تسليم 2000 جهاز لاب توب ناطق لذوي الإعاقة البصرية بالتعاون مع الجمعيات الأهلية، و403 عصي بيضاء لذوي الإعاقة البصرية، إضافة إلى تسليم 41 نظارة طبية لضعاف البصر.

عقبات عدة

تذهب مديرة خدمة ذوي الإعاقة بجامعة عين شمس إلى القول "هناك مشكلات نصطدم بها بسبب تعليمهم في المراحل ما قبل الجامعية. على سبيل المثال، كلية الألسن ترفض قبولهم إلا بعد اجتياز اختبار كمبيوتر، وهذا حقها حتى لا نضطر إلى توفير مرافق لهم في الاختبار أو طباعة المناهج، فالاختبار على الكمبيوتر يضمن اعتماد الطالب على نفسه، ويجنبنا خلافات لاحقة مثل القول إن المرافق لم يكتب ما أملاه الطالب، وهذه أمور تسبب مشكلات فعلية".

وتلقي باللوم على تعامل وزارة التربية والتعليم مع هذه الشريحة، قائلة "المشكلة أن الطلاب الذين نستقبلهم من وزارة التربية والتعليم غير مؤهلين للالتحاق بالجامعة، كذلك فإن المدربين القادرين على تعليم المكفوفين استخدام الكمبيوتر قلائل في مصر. لدينا مؤسسة بصيرة لتأهيل المدربين على كيفية التعامل مع المكفوفين وتعليمهم الكمبيوتر، واختارت شخصين من كل جامعة لتدريب الطلاب داخلها، لكن من المفترض أن يحدث هذا أيضاً في التعليم قبل الجامعي".

ومن بين المقترحات التي تسوقها هلالي ضرورة تحسين التكنولوجيا داخل المدارس قبل التحاق الطلاب بالجامعة، خصوصاً أن الجامعة مجرد مسار تكميلي لما قبلها. وتمضي بالقول "مراكز الإعاقة جهزت بأجهزة كمبيوتر وقارئ شاشة وطابعات (برايل) لخدمة الطلاب، لكن ليس كل الكليات تفتح أبوابها أمام الطلاب المكفوفين، مثل كليات الطب، لأنهم لن يستطيعوا التفاعل أو التعامل مع طبيعة الدراسة العلمية فيها".

في ظل المعاناة التي يواجهها الطلاب المكفوفون داخل الجامعات المصرية، أطلق محمد خلف عبدالعاطي، وهو كفيف، خريج كلية الألسن بجامعة عين شمس، مبادرة لتعليم الحاسوب لزملائه من ذوي الإعاقة البصرية. وقال لـ"اندبندنت عربية" إنه لمس فجوة خلال دراسته بين الطلاب ذوي الإعاقة البصرية في القدرة على استخدام الكمبيوتر، وهي مهارة أساسية في إعداد الأبحاث وفي سوق العمل.

 

وأوضح أن بعض الأساتذة يلجأون إلى إعفاء الطلاب المكفوفين من إعداد أبحاث، بسبب ضعفهم في استخدام التقنية، وهو ما يضر بمستواهم الأكاديمي، لذلك تطوعت لتعليم مجموعة محدودة العدد، بسبب محدودية الأجهزة والقاعات، مؤكداً أن بعضهم لم يسبق له التعامل مع الكمبيوتر مطلقاً.

وأشار عبدالعاطي إلى أن الجامعات لا توفر التدريب الكافي أو الأدوات المساندة للمكفوفين، وأن المسؤولية تترك للطالب وحده لتطوير مهاراته. وعلى رغم وجود مراكز متخصصة في بعض الجامعات، شدد على ضرورة تهيئة الطلاب قبل المرحلة الجامعية بأساسات الكمبيوتر، والسماح بتسجيل المحاضرات أو إدخال الحواسيب المحمولة، وتوفير نسخ بصيغة (وورد) للمحاضرات لضمان المساواة. وختم بأن الجامعات تفتقر إلى الوعي الكافي بطبيعة الإعاقة البصرية، مما يدفع بعض الطلاب إلى الانعزال، داعياً إلى تدريب أعضاء هيئة التدريس على كيفية التعامل معهم حتى لا يشعروا بالتهميش.

وبينما تغيب الإحصاءات الرسمية في شأن أعداد المكفوفين وتصنيفاتهم، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد المكفوفين في مصر يراوح ما بين مليون و3 ملايين شخص. ووفقاً للمسح القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في مصر لعام 2022، الذي أعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن 91 في المئة من ذوي الإعاقة البصرية لا يستخدمون أي أداة مساعدة ولا يحصلون على دعم من أشخاص آخرين، بينما يعتمد تسعة في المئة فقط منهم على أدوات أو مساعدة مباشرة. تتنوع وسائل الدعم بين العدسات المكبرة والنظارات والعصا البيضاء، إضافة إلى تطبيقات الهواتف المحمولة التي تقدم وصفاً صوتياً للمساعدة في التنقل والتعامل مع المحيط.

أين وسائل الإتاحة؟

يستعيد جمال عبدالناصر غانم، من ذوي الإعاقة البصرية، الحاصل على ليسانس الحقوق من جامعة بني سويف، مشاهد مأسوية جعلته يفكر في عدم استكمال تعليمه. يروي أن التقسيم بين المبصرين والمكفوفين من دون مراعاة وجود درجات متفاوتة بين الحالتين خلق تحديات كبيرة، لكنه يشير إلى أن الانتقال من مرحلة العزل إلى الدمج في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي أولى اهتماماً بذوي الإعاقة، كان خطوة مهمة أتاحت ظهور مدارس الدمج ومنعت التمييز.

ويقول عبدالناصر إنه واجه تحديات حقيقية داخل الجامعة، حين كان يعتمد على السمع فقط بعدما فقد قدرته على الرؤية، مضطراً إلى شرح حالته لكل أستاذ والاعتماد على تركيزه الشديد لمتابعة المحاضرات. ويضيف أن الدمج يتطلب وسائل إتاحة فعلية، فلا يصح أن تقتصر بعض المقررات على مقاطع مصورة أو رسوم متحركة من دون وصف صوتي، مما يحرم المكفوفين من متابعة المحتوى.

ووفقاً للمادة 16 من القانون 10 لسنة 2018 يجب على وزارة التعليم العالي والمؤسسات التابعة لها وضع الخطط والبرامج لضمان دمج الأشخاص ذوي الإعاقة داخل الجامعات، مع توفير سبل الإتاحة من أدوات تعليمية وتكنولوجية ومواد تعليمية مناسبة تواكب حاجاتهم المختلفة، إضافة إلى تهيئة الأكواد الهندسية داخل المباني الجامعية لتيسير وصولهم ومشاركتهم في العملية التعليمية.

ويتابع الحاصل على ماجستير في القانون الدولي من جامعة المنوفية والباحث في الدكتوراه بالعلوم السياسية أن العقبة الكبرى تمثلت في غياب المحاضرات بصيغة "برايل" أو في كتب مهيأة، وهو ما اضطره إلى الاعتماد على أسرته أو زملائه لقراءة النصوص. ويؤكد أن الدمج الجامعي فكرة جيدة جداً، لكن الخطأ في تطبيقها جعلها غير مكتملة، فالجامعات لا توفر الأدوات التي تمكن الطلاب المكفوفين من الاستفادة الكاملة من حقهم في التعليم.

ويشدد عبدالناصر على ضرورة توفير الكتب المسموعة والمحاضرات المهيأة، إضافة إلى تجهيز المباني الجامعية بوسائل الإتاحة المكانية، مثل الأرضيات المزودة ببروز مخصص يساعد ذوي الإعاقة البصرية على التحرك بأمان داخل الحرم الجامعي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات