ملخص
حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتدى دافوس من مساحة حوار عالمي إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع النخب السياسية والاقتصادية الغربية، بعدما كشف خطابه اتساع الفجوة بين رؤية "أميركا أولاً" والنظام الدولي التقليدي القائم على التحالفات، وبين الذهول والقلق، بدأ قادة أوروبا يتعاملون مع واقع عالم جديد يتشكل أمام أعينهم.
على مدى عقود، كان منتدى دافوس ملتقى سنوياً لقادة السياسة والاقتصاد لمناقشة مستقبل مشترك للعالم الغربي والنظام الدولي.
لكن الأربعاء الماضي، وخلال خطاب مطوّل في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية، قلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه القاعدة، محولاً المنصة إلى مشهد صدام مباشر بين رؤيته للعالم ورؤية الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
وبينما كان ترمب يلوّح بإعادة رسم بعض أعمدة النظام الغربي، جلس عدد من الحاضرين من النخب السياسية والاقتصادية في حال صمت مذهول، فبعضهم أطلق آهات استنكار، وآخرون بدت عليهم علامات الصدمة، وفي نهاية الخطاب، وقف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب، أحد أبرز صانعي القرار في أوروبا، شاحب الوجه، قبل أن يتوجه إلى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام محاولاً فهم موقف ترمب الحقيقي وموقع الولايات المتحدة من العالم.
وقال غراهام، الحليف القريب من ترمب، بلهجة ساخرة بعد حديثه مع ستاب "الجميع في أوروبا قلقون عندما يستيقظون وعندما ينامون".
هذا المشهد جسّد حال الصدمة العامة التي سادت المؤتمر، فـدافوس الذي دائماً ما جمع سياسيين ورجال أعمال ومستثمرين ومشاهير يتشاركون رؤية متقاربة للمستقبل الاقتصادي والسياسي، تحوّل لأكثر من ساعة إلى مسرح قطيعة درامية بين القوة الغربية الأولى وحلفائها الذين باتوا يشعرون بأنها تبتعد عنهم أكثر فأكثر.
فبعد أيام من السخرية من القادة الأوروبيين وصل ترمب إلى جبال الألب الثلجية ليشن هجوماً لفظياً مباشراً على التحالف الغربي، وقيمه، ونموذجه الاقتصادي، وإطار التجارة العالمية، ومع نهاية اليوم، تراجع ترمب عن بعض تهديداته الأشد، معلناً التوصل إلى إطار مبدئي مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في شأن مستقبل جزيرة غرينلاند، التي يرغب في شرائها من الدنمارك، كذلك سحب تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة على الحلفاء المعارضين لهذا التوجه.
قناعة متزايدة أن نظاماً عالمياً جديداً يتشكل
على رغم أن بعض القادة الأوروبيين رأوا في هذه الخطوات بارقة أمل، فإنها لم تكن كافية لتهدئة المخاوف العميقة التي سادت أروقة "دافوس" في شأن ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال حليفاً يمكن الاعتماد عليه، ففي وقت سابق من ذلك اليوم، أمطرهم ترمب بسلسلة انتقادات حادة طاولت سياساتهم التجارية والبيئية ونهجهم في ملف الهجرة.
وتحولت ضحكات متفرقة إلى صمت مشوب بالقلق، ثم إلى شهقات مسموعة، عندما عاد ترمب ليطالب مجدداً بالسيطرة على غرينلاند، وهاجم حلف (الناتو)، ولوّح بحرب اقتصادية إذا لم يرضخ القادة الأوروبيون لمطالبه، وجلس قادة أوروبا في ذهول وهم يسمعون رئيس الولايات المتحدة يشكك في صدقية حكوماتهم كحلفاء، ويصرّح بأن أوروبا وكندا تدينان لواشنطن بديون سياسية وتاريخية.
وبعد الخطاب، سارع بعض الحاضرين إلى البحث عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين لمحاولة فهم تفكير ترمب ومستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة، وقال المستشار السابق للأمن القومي فيل غوردون لصحيفة "نيويورك تايمز"، إن مسؤولين أجانب سألوه عمّا إذا كان موقف ترمب "نهائي".
وأضاف غوردون "كانوا يسألون: هل هذه هي أميركا الآن؟ وهل انتهى عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية نهائياً، أم لا يزال هناك أمل في عودته؟".
ومع ذلك، بدأت تتبلور قناعة متزايدة بأن نظاماً عالمياً جديداً آخذ في التشكل، في قلب مؤتمر كان لأعوام رمزاً للنظام القديم، وقال غوردون "تحت حكم ترمب، هذا عالم جديد، لا أحد يمكنه إنكار ذلك، وحتى الأوروبيون الذين كانوا في حالة إنكار باتوا اليوم يعترفون به".
في خطابه، بلور ترمب جوهر هذه الرؤية الجديدة، عبر تجاهل صارخ للنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، فقد لمح إلى أن الحلفاء الأوروبيين "مدينون" للولايات المتحدة بغرينلاند، وقال إنه لولا الدور الأميركي في الحرب العالمية الثانية "لكنتم جميعاً تتحدثون الألمانية، وربما القليل من اليابانية"، مما أثار استياء واضحاً في القاعة.
وعلى رغم تأكيده أنه لا يعتزم استخدام القوة للاستحواذ على غرينلاند، فإنه واصل تصوير المسألة كدين يجب سداده، قائلاً "يمكنكم أن تقولوا نعم وسنكون ممتنين، أو تقولوا لا وسنتذكر ذلك".
كذلك وجّه ترمب انتقادات لاذعة إلى سويسرا، الدولة المضيفة للمنتدى، مما فاجأ مسؤولين سويسريين، إذ قال "هم ناجحون فحسب بسببنا"، في إشارة إلى الولايات المتحدة، أثناء احتفاله برسومه الجمركية الواسعة.
في المقابل، علّقت النائبة السويسرية إليزابيث شنايدر قائلة "كنت مصدومة فعلاً، فنحن نضمن أمنه من المطار إلى دافوس بأموال دافعي الضرائب، وكنت أعتقد أننا حللنا الخلاف التجاري".
"تاكو"... الأسوأ قد تم تفاديه
سواء أحب الحضور خطاب ترمب أم كرهوه، فقد كان بلا شك حديث المؤتمر، خارج القاعة، ونظمت شركات جلسات مشاهدة مباشرة، وأعاد مشاركون ترتيب اجتماعاتهم لعدم تفويت الخطاب، فيما تابع آخرون كلماته عبر البث المباشر أثناء سيرهم في الممرات.
في المقابل، رأى بعضهم أن الأسوأ قد تم تفاديه، خصوصاً بعد استبعاد ترمب خيار استخدام القوة ضد حليف في "الناتو"، وقال السيناتور الديمقراطي كريس كونز إن "مسؤولين أوروبيين قالوا له لاحقاً، كان يمكن أن يكون أسوأ".
وفي خضم هذه الأجواء، لم يخلُ المشهد من مؤيدين لترمب، فبعد خطابه، تحدث الرئيس في حفل استقبال ضم رجال أعمال ومديرين تنفيذيين وقادة في قطاع العملات المشفرة، قائلاً "حصلنا على مراجعات رائعة، عادة يقولون إنه ديكتاتور فظيع، لكن أحياناً تحتاج إلى ديكتاتور، ليقابل لاحقاً بتصفيق حاد".
ومع تراجعه عن بعض تهديداته مساء الأربعاء الماضي، بدأت أجواء الارتياح تسود تدريجاً أروقة "دافوس"، وبعد سحب التهديدات الجمركية، تداول بعض الحاضرين رسالة مقتضبة من كلمة واحدة "TACO" وهي اختصار لعبارة "TrumpAlways Chickens Out" في إشارة ساخرة إلى عبارة "ترمب يتراجع دائماً في اللحظة الأخيرة"، واختتم غوردون قائلاً "لقد عاشوا كثيراً من هذه الدورات… تعيش لتواجه يوماً آخر".
الصدام يهدد مكانة أميركا في النظام الاقتصادي العالمي
على المستوى الاقتصادي والمالي لم يختلف الأمر كثيراً، فدائماً ما كانت الولايات المتحدة منارة أمان في أوقات عدم اليقين، لكن هذا الواقع بدأ يتغير، فالتوترات المتصاعدة حول غرينلاند تُسرّع مساراً كان قد بدأ بالفعل: تحوّل في النظام الاقتصادي العالمي الذي وضع الولايات المتحدة في قلب الاقتصاد العالمي.
بالنسبة إلى المستثمرين حول العالم، مثّلت أميركا لعقود الملاذ الآمن عند اشتداد الاضطرابات، بفضل أسواقها المالية العميقة والعالية السيولة، وكونها الوجهة الأولى لرؤوس الأموال، إضافة إلى احتضانها عملة تُعد اللغة المشتركة للمعاملات الدولية، غير أن هذا الوضع آخذ في التغير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واليوم تدفع السياسات الاقتصادية والخارجية الصدامية للرئيس الأميركي دونالد ترمب الدول إلى توجيه استثماراتها إلى أماكن أخرى، وزيادة إنفاقها الدفاعي، وبناء تحالفات تجارية جديدة، وإعادة النظر في دور الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاقتصادية الأساسية التي تُبنى حولها الاقتصادات والأمن والمستقبل.
وقد أعطت تحركات الأسواق الثلاثاء الماضي، لمحة عما قد يأتي لاحقاً، فقد تراجعت الأسهم حول العالم، إلا أن الولايات المتحدة سجّلت بعضاً من أشد الخسائر، إذ انخفض مؤشر "داو جونز" الصناعي بمقدار 871 نقطة، أي 1.8 في المئة، وهبط مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بنسبة 2.1 في المئة، بينما تراجع مؤشر "ناسداك" الثقيل بالتكنولوجيا بنسبة 2.4 في المئة، كذلك شهدت السندات موجة بيع عالمية دفعت عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى دون 4.3 في المئة بقليل، في حين واصل الدولار تراجعه.
وكان لافتاً بصورة خاصة الانخفاض الحاد في سندات الخزانة وضعف الدولار، إذ اعتاد المستثمرون في أوقات الأزمات التوجه إلى الولايات المتحدة كملاذ آمن، لكنهم في تلك الجلسة تحركوا في الاتجاه المعاكس.
وقال كبير استراتيجيي العملات في بنك "سكوشيا" شون أوزبورن، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "أصبحت الولايات المتحدة، بالنسبة إلى كثير من المستثمرين الدوليين، مكاناً أقل ودّية لممارسة الأعمال، ومن المرجح أن يؤثر ذلك في قرارات الاستثمار مستقبلاً".
"سياسات ترمب قد تقوّض أحد أعمدة الاستقرار العالمي"
من جانبه يرى رئيس معهد "بيترسون" للاقتصاد الدولي آدم بوزن، أن الظروف الحالية تختلف عن العام الماضي، ولا يقتصر ذلك على تصاعد التوترات حول غرينلاند، بل يشمل أيضاً التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا، وتحقيق وزارة العدل مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) جيروم باول، وتهديد الإدارة بفرض رسوم جمركية جديدة على دول أوروبية على رغم الاتفاقات السابقة.
وقال بوزن للصحيفة "أعتقد أن هناك احتمالاً أكبر بكثير لأن ننظر إلى الوراء ونقول إن هذه كانت نقطة التحول".
ويعتقد بوزن أن سياسات الإدارة قد تقوّض أحد أعمدة الاستقرار العالمي، إذ ساعدت الولايات المتحدة لعقود على تيسير التجارة العالمية وتوفير الأمن، وفي المقابل حصلت على تمويل منخفض الكلفة، واستثمارات أجنبية قوية، وهيمنة الدولار الأميركي.
وقد تكون التداعيات الطويلة الأمد خطرة، فإذا بحث المستثمرون حول العالم عن ملاذات آمنة بديلة، فقد تواجه الولايات المتحدة مستقبلاً يتسم بتراجع الاستثمار الأجنبي، وارتفاع الضغوط التضخمية، وانخفاض القدرة على تمويل الدين العام، وهو ما قد ينعكس سلباً على مستويات المعيشة.
كذلك فإن تراجع دور الولايات المتحدة كمركز للاقتصاد العالمي قد يفضي إلى عالم متعدد الأقطاب، تسيطر فيه الصين وروسيا والولايات المتحدة على مجالاتها الاقتصادية والأمنية الخاصة، وهو عالم قد يكون أكثر خطورة وأشد تفاوتاً.
تآكل مكانة الولايات المتحدة تدريجاً كملاذ آمن
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة "جونز هوبكنز" روبرت باربيرا، إن تآكل مكانة الولايات المتحدة كملاذ آمن قد يحدث تدريجاً، لكن إشارات التحذير، بما في ذلك الرسوم الجمركية السابقة وارتفاع مستويات الدين، كانت حاضرة منذ فترة، وأضاف أن الأسواق تتحرك بسرعة، ولا يساعد في ذلك أن تبدو الأسهم مرتفعة السعر مقارنة بالمعايير التاريخية، قائلاً "يمكن أن تهبط هذه السوق كثيراً قبل أن يقول أحد: يا إلهي، أصبحت الأسعار مغرية".
وبلغ مقياس التقييم الذي وضعه الاقتصادي روبرت شيلر، والذي يقارن أسعار مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بمتوسط الأرباح المعدّلة للتضخم خلال الأعوام الـ10 الماضية، أعلى مستوياته منذ فقاعة شركات الإنترنت.
وباستثناء تلك الفترة، لم تكن التقييمات مرتفعة إلى هذا الحد في تاريخ البيانات الممتد لـ145 عاماً، كذلك فإن تقييمات ديون الشركات مرتفعة بدورها، إذ إن الفارق بين عوائد السندات المرتفعة الأخطار وسندات الخزانة المماثلة يقترب من أضيق مستوياته منذ عام 2007، وفقاً لمؤشر "آيس بنك أوف أميركا" للسندات العالية العائد.
ويكمن القلق في أن أي تراجع في ثقة المستثمرين بالأصول الأميركية، في ظل هذه التقييمات المرتفعة، قد يؤدي إلى موجة بيع واسعة ذات تداعيات بعيدة المدى على الاقتصاد الأميركي.
وقد أسهمت المكاسب القوية للأسهم خلال العام الماضي في تعزيز إنفاق المستهلكين، لا سيما بين ذوي الدخل المرتفع، كذلك تدفقت الاستثمارات إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي مدعومة بالتمويل بالدين والتقييمات المرتفعة لأسهم الشركات المرتبطة به، وأسهم ذلك بدوره في دعم الناتج المحلي الإجمالي.
بيع السندات الأميركية
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في "كروس مارك غلوبال إنفستمنتس" بوب دول "الأسهم مسعّرة على أساس شبه مثالي"، مضيفاً أن ذلك لم يكن مشكلة ما دامت أرباح الشركات مستمرة في تجاوز التوقعات وخفّض "الفيدرالي" أسعار الفائدة، لكن "الجانب العالي الأخطار هو أنك لا تستطيع تحمّل أي خطأ".
بدوره أشار رئيس شركة "سبكترا ماركتس" برنت دونيلي، إلى أن إعلان صندوق تقاعد دنماركي يخدم الأكاديميين والمعلمين نيته بيع سندات الخزانة الأميركية يوضح نوع الأخطار التي تواجه الأسواق، وعلى رغم أن حجم الصندوق لا يكفي وحده للتأثير في الأسواق، فإنه "يرسم صورة لما قد يحدث" إذا اتخذت صناديق أكبر في السويد أو هولندا قرارات مماثلة.
وقال أوزبورن من بنك "سكوشيا" إنه بالنظر إلى "عمق وسيولة أسواق رأس المال الأميركية والعوائد التي توفرها، فإن التخلي عنها يتطلب دافعاً قوياً للغاية"، لكنه أضاف أنه مع استمرار تقويض النظام العالمي القديم والعلاقات التقليدية، "قد يجد المستثمرون دافعاً أكبر لتوجيه جزء أقل من أموالهم إلى الولايات المتحدة".