Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معلمو الضفة غير مرحب بهم في القدس بأوامر إسرائيلية

يشكلون قرابة 40 في المئة من الهيئة التدريسية وقانون "مضايقة المعلمين" يمنح وزير التعليم سلطة سحب التمويل ومنع التوظيف

وقف تصاريح معلمي الضفة الغربية، طاولت ما بين 235 و300 معلم (اندبندنت عربية)

ملخص

في وقت تتزايد الضغوط على المؤسسات التعليمية الفلسطينية في القدس والتي تكابد من أجل استمرار التعليم بالمنهاج الفلسطيني وحق الطلاب والمعلمين في الوصول إلى مدارسها، أوقفت الإدارة المدنية إصدار تصاريح للمعلمين العزّاب واقتصرت خلال الفترة الماضية على المتزوجين فقط، إضافة إلى منع إصدار تصاريح لمعلمين جدد مما حال دون توظيفهم خلال عامي 2025 و2026.

بعد أن أمضت سوسن عبدالله (35 سنة) عطلتها نصف السنوية وهي ترسم وتكتب بطاقات معايدة خاصة لطلابها لتفاجئهم بها بعد عودتها، كانت في انتظارها مفاجأة من نوع آخر لم تكن في الحسبان، فقد منعتها السلطات الإسرائيلية من عبور حاجز الـ 300 للوصول إلى مدرستها في القدس حيث تعمل، بحجة أن التصريح الممنوح لها أصبح "قيد البحث" ولم يعد سارياً كما كان طوال الأعوام الخمسة الماضية.

ولم تكن القيود المفروضة استثنائية للمعلمة الشابة التي تقطع مسافة طويلة بين مدينتي بيت لحم والقدس لتأدية "رسالتها التعليمية والإنسانية" كما تقول، بل شملت كل معلمي الضفة الغربية من دون استثناء، مما وضع المدارس المسيحية والخاصة بالقدس في حال تخبط وقلق حول مسار العملية التعليمية، خصوصاً في ظل النقص المزمن في الكوادر التدريسية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على آلاف الطلاب المقدسيين الذين أجبروا على الانقطاع القسري عن مقاعد الدراسة.

ووفقاً لمؤسسة "فيصل الحسيني" التي تعنى بتطوير شؤون التعليم في القدس، فإن عدد الطلاب في المراحل المدرسية يبلغ 98428 طالب وطالبة، يذهب 45500 منهم إلى 146 مدرسة تعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية، مثل مدارس الأوقاف العامة والمدارس الأهلية ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وتكون في معظمها مباني سكنية جرت مواءمتها لاستخدامها كمدارس، ولا تتمتع بجميع المواصفات التي يجب توافرها في المدرسة النموذجية، في حين يذهب بقية الطلاب إلى مدارس تتبع إدارة الحكومة الإسرائيلية.

وتندرج تحت مظلة الأمانة العامة للمؤسسات التربوية المسيحية في القدس 15 مدرسة معظمها تدرس المناهج الفلسطينية، وفي يناير (كانون الثاني) 2025 دخل قانون حظر أنشطة "أونروا" حيز التنفيذ مما أدى إلى إغلاق سبع مدارس في القدس، وكان عدد الطلاب المتأثرين بذلك نحو 1100 طالب.

محاولات ممنهجة

تداعيات وقف تصاريح المعلمين الذين يحملون هوية الضفة الغربية، والتي طاولت ما بين 235 و300 معلم من العاملين في مدارس القدس، يشكلون 40 في المئة من الهيئة التدريسية، فُسرت بالنسبة إلى مديري المدارس وجهات رسمية مقدسية بأنها "محاولة لـ 'أسرلة' المناهج وفرض السيطرة على كل تفاصيل العمل المدرسي"، خصوصاً أن استمرار الوضع القائم يهدد بتعطيل العملية التعليمية في عدد كبير من المدارس المسيحية الخاصة في القدس، والتي تعد من أقدم المؤسسات التعلمية في الشرق الأوسط.

وفي وقت تتزايد الضغوط على المؤسسات التعليمية الفلسطينية في القدس التي تكابد من أجل استمرار التعليم بالمنهاج الفلسطيني وحق الطلاب والمعلمين في الوصول إلى مدارسها، فقد أوقفت الإدارة المدنية إصدار تصاريح للمعلمين العزاب واقتصرت خلال الفترة الماضية على المتزوجين فقط، إضافة إلى منع إصدار تصاريح لمعلمين جدد، مما حال دون توظيف معلمين خلال عامي 2025 و2026.

وما زاد الأزمة تعقيداً هو مصادقة "لجنة التربية والتعليم" في الكنيست الإسرائيلي العام الماضي على مشروع قانون يمنع توظيف المعلمين والمعلمات الحاصلين على شهادة أكاديمية من الجامعات الفلسطينية التي تتبع السلطة الفلسطينية على رغم استيفائهم الشروط الأكاديمية، بزعم أن الهدف من ذلك هو "منع التأثير الضار للسلطة الفلسطينية المعادي لدولة إسرائيل وقيمها، والحفاظ على القيم التعليمية لإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، كما هو منصوص عليه في قانون التعليم الرسمي"، وذلك وفقاً لما ورد على الموقع الإلكتروني للكنيست.

وفي العام نفسه سُنّ "قانون مضايقة المعلمين"، والذي يمنح وزير التعليم سلطة سحب التمويل ومنع توظيف المعلمين بناء على آرائهم المعلنة، ويوضح مدير مدارس "تراسنطا" في القدس الأب إبراهيم فليتس أن "غياب معلمي الضفة سيؤثر في أكثر من 12 ألف طالب وطالبة، ويشكل تهديداً مباشراً لعدد كبير من المدارس المسيحية في القدس"، مشدداً على أن الإجراءات الاسرائيلية الأخيرة "تمثل تصعيداً خطراً وغير مسبوق تجاه العملية التعليمية".

 

ويؤكد الأمين العام لـ "الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات" حاتم عبدالقادر أن القرارات الأخيرة "تأتي في إطار محاولات ممنهجة لإفراغ المدارس المقدسية من كوادرها التعليمية الفلسطينية، والضغط عليها من أجل الرضوخ لتدريس المنهاج الإسرائيلي وإضعاف المنهاج الفلسطيني، عبر خلق عجز في المعلمين وحرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم".

ووفقاً للمعطيات التي عرضها "مركز أبحاث الكنيست" فإن 60 في المئة من المعلمين والمعلمات الذين درسوا العام الماضي في مدارس شرق القدس هم من خريجي وخريجات المؤسسات الأكاديمية الفلسطينية.

أجور متدنية

وبحسب مؤسسة "فيصل الحسيني" فإن تذبذب نظام التعليم الوجاهي في المدارس التي تدرّس المنهاج الفلسطيني، بسبب مشكلة رواتب المعلمين التابعين للسلطة الفلسطينية وعدم انتظامها، أدى خلال العام الدراسي 2023 - 2024 إلى هجرة 750 طالباً وطالبة من مدارس الأوقاف العامة إلى مدارس تندرج تحت مظلة التعليم الإسرائيلية، وأشار تقرير جمعية "عير عاميم" الحقوقية الإسرائيلية إلى أنه "خلال السنة الدراسية 2024 - 2025 ارتفع عدد الطلاب الفلسطينيين الملتحقين بالمنهاج الإسرائيلي إلى 22966، أي بنسبة 27 في المئة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم ما بين ست و17 سنة في القدس الشرقية.

وقد دفعت أزمة الرواتب أكثر من 150 معلماً ومعلمة إلى الانتقال لمدارس المعارف الإسرائيلية التي تنتظم فيها الرواتب وتفوق ما يحصل عليه المعلم في المدارس الفلسطينية بكثير، فبينما لا يتجاوز راتب المعلم الفلسطيني 2000 شيكل (636 دولاراً)، وفق آلية الصرف المتقطعة المتبعة أخيراً، تصل رواتب المعلمين في مدارس بلدية القدس التابعة للتعليم الحكومي الإسرائيلي إلى 16622 شيكل (5300 دولار) للمعلمين بدوام كامل، بينما يبدأ راتب المعلم الجديد من 7500 شيكل (2400 دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تقتصر تداعيات الأزمة عند وقف تصاريح المعلمين وتذبذب رواتبهم، ففي ظل النقص الحاد في المعلمين والغرف الدراسية واضطرار بعض المدارس إلى إغلاق شعب دراسية وترك فراغات في التخصصات الأساس، يلتحق بمدارس القدس 2000 طالب جديد سنوياً، وتبرز الحاجة كل عام إلى 80 غرفة، وقد بلغ نقص عدد الغرف في القدس حتى الآن 10 آلاف مقعد دراسي.

وقدّر المتحدث الإعلامي باسم "اتحاد لجان أولياء الأمور" في القدس رمضان طه أن الأزمة الكبيرة في قطاع التعليم بسبب النقص الحاد في الفصول يصل إلى 2200 غرفة في القدس الشرقية، مؤكداً أن إغلاق مدارس "أونروا" ونقل الطلاب بصورة مفاجئة إلى مدارس المدينة وضع ضغطاً كبيراً عليها وصعّب استيعاب الطلاب.

خطة جديدة

ووفق ما أكده تقرير جمعية "عير عميم" الإسرائيلية مطلع العام الدراسي الحالي، فقد بات بناء الفصول والمدارس الجديدة في القدس مشروطاً بالالتحاق بالمنهاج الإسرائيلي، مشدداً على أن "السياسة المتبعة تنتهك حق المقدسيين في التعلم وفق هويتهم وثقافتهم وتراثهم الفلسطيني".

من جهتها أكدت وزارة التعليم الإسرائيلية وبلدية القدس أن "أي فصول أو مدارس جديدة يجري إنشاؤها ضمن خطة التنمية الحكومية يجب أن تعمل حصرياً وفق المنهاج الإسرائيلي"، وقد رصدت الحكومة الإسرائيلية نهاية العام الماضي ضمن "الخطة الخمسية لتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والتنمية الاقتصادية لشرقي القدس بين عامي 2024 و2028" موازنة مقدارها 3.2 مليار شيكل (844 مليون دولار)، وعلى رغم أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تسببت في تقليص الموازنة بصورة كبيرة، لكن وزارة المعارف الإسرائيلية في القدس تمكنت من الحصول على 60 مليون شيكل (18 مليون دولار) سنوياً، خُصص معظمها لزيادة عدد الطلاب المقدسيين الذين يدرسون المنهاج الإسرائيلي، إضافة إلى تقديم الحوافز المادية لرفع عدد الطلاب المقدسيين المنتسبين لـ "نظام البجروت" الذي يعد بديلاً عن التوجيهي الفلسطيني، ورفع عدد المراكز في القدس الشرقية لتعليم اللغة العبرية.

وفي وقت تضخ الحكومة الإسرائيلية ملايين الشواكل، رغم أزمتها الاقتصادية، لتعليم اللغة العبرية بزعم أنها مهمة للاندماج وتفتح أبواب فرص العمل أمام المقدسيين، يرى الفلسطينيون أنها وسيلة للدمج القسري في المنظومة الإسرائيلية لا أكثر.

المزيد من تقارير