Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نقطة اللاعودة... شعار الرئيس اليمني "للصبر حدود"

ما يجري في اليمن لم يعد نزاعاً على إجراءات أو تفاهمات قابلة للتأويل بل مواجهة صريحة بين منطق الدولة ومنطق الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح

ظهر رشاد العليمي كما يجب أن يظهر رئيس الدولة بعدما وصلت الأمور إلى طريق مسدود مع سبق الإصرار والعناد (أ ف ب)

ملخص

حين يستنزف الصبر، لا يعود فضيلة، بل أتصور أنه يصبح مجرد تواطؤ مع الفراغ، وحين تتردد الدولة في لحظة الاختبار، تفقد تعريفها قبل أن تفقد سيادتها.

أعتقد أن اليمن لم يعد في لحظة تسمح بتدوير المواقف أو الاحتماء بالرماديات، قدم هنا مع هذا الطرف، وقدم هناك مع ذاك الطرف. إنها لحظة مفصلية لا تسمح باستدامة المواقف المزدوجة التي تضع قدماً في الدولة وقدماً خارجها. فالمراحل المفصلية لا تقبل التردد، لأنها بطبيعتها لحظات اختبار للمعنى قبل أن تكون اختباراً للقوة.

وحين تطول المنطقة الوسطى بين القرار واللاقرار، تتحول من مساحة مناورة سياسية إلى فراغ يبتلع الدولة من داخلها، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعاً على ماهية النظام لا على إدارته.

إن الحسم المنضبط، في هذا السياق، يصبح ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خياراً سياسياً. فالحسم هنا في اعتقادي لا يعني الإقصاء أو الغلبة، بل يعني وضع حدود واضحة للفعل المشروع، وفصل السياسة عن العنف، والشراكة عن الفرض. ذلك أن الدولة، وهي هنا بالطبع الجمهورية اليمنية، لا تبنى على تعدد مراكز القوة، بل على وحدة المرجعية التي تنظم هذا التعدد وتمنحه معنى.

وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، ومع إصرار المجلس الانتقالي الجنوبي على تمسكه بموقفه الرافض للخروج من حضرموت والمهرة بعدما فرض سلطة أمر واقع بقوة السلاح غير عابئ بأحد، ولا حتى بالموقف المسؤول للسعودية قائدة التحالف العربي، الداعي عبر رسالة وزير دفاعها الأمير خالد بن سلمان بتاريخ الـ27 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، إلى "تغليب صوت العقل والحكمة والمصلحة العامة ووحدة الصف"، ومن ثم "المطالبة بخروج قواتهم من المعسكرات في المحافظتين وتسليمها سلمياً لقوات ’درع الوطن‘ والسلطة المحلية"، جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي صباح أمس الثلاثاء الـ30 من ديسمبر الجاري كما يجب أن يكون خطاب أي رئيس شجاع في أي بلد واضحاً ودقيقاً وحاسماً، ليضع حداً للمنطقة الوسطى بين القرار واللاقرار، مُستنداً في ذلك، كما أرى، إلى مقولة "للصبر حدود"، ويعلن حالة الطوارئ ويتخذ قراراً رئاسياً يقضي بإلغاء اتفاق الدفاع المشترك مع الإمارات وإخراج قواتها من اليمن خلال 24 ساعة، بعدما ثبت بالدليل الماثل على الأرض "دور الإمارات المتزايد في دعم تمرد المجلس الانتقالي، على النحو الذي جاء في بيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في شأن شحنات سلاح وعتاد عسكري وصلت إلى ميناء "المكلا" من دون تصريح، وما تضمنه من دلائل على تورط دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم التصعيد العسكري وتقويض سلطة الدولة، وتهديد وحدة الجمهورية اليمنية وسلامة أراضيها"، وفق ما أوضحه الرئيس الشجاع في بيانه التاريخي، مشيراً إلى أننا "في لحظة دقيقة من تاريخ وطننا. لحظة لا تحتمل الغموض ولا المساومة، بل تتطلب الوضوح والصدق في تحمل المسؤولية والالتزام الكامل بالدستور والقانون ومرجعيات المرحلة الانتقالية، التي عاهدناكم عليها في خطاب القسم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظهر رشاد العليمي كما يجب أن يظهر رئيس الدولة بعدما وصلت الأمور إلى طريق مسدود مع سبق الإصرار والعناد، وقال "بصفتي رئيساً للدولة وقائداً أعلى للقوات المسلحة، فقد تابعنا بمسؤولية عالية تطورات الأسابيع الماضية، خصوصاً في محافظتي حضرموت والمهرة وما رافقها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من شأنها تهديد السلم الأهلي، وفتح أبواب جديدة للفوضى والانقسام خلال وقت لا يزال فيه شعبنا يخوض معركته المصيرية ضد ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، ويعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. إلى أهلنا في المحافظات الجنوبية نساءً ورجالاً وإلى الشباب والشابات في كل الساحات، أنتم ركن أصيل في بناء هذا الوطن، وتاريخكم النضالي محل فخر واعتزاز لقيادة الدولة وكل أبناء الشعب اليمني، ونؤكد لكم أن تضحياتكم الجسيمة لن تذهب هدراً".

لاحظوا معي التالي من فضلكم وتأملوا، حضرموت والمهرة لم تكونا يوماً مجرد مسرح جانبي للصراع في هذا المشهد الشديد الصعوبة والتعقيد، بل ظلتا تمثلان عمقاً وطنياً وأمنياً يتجاوز حدودهما الإدارية. فاستقرارهما كان دائماً شرطاً للاستقرار في ما تعرف بالمناطق المحررة، واختلالهما نذير بانفلات أوسع. وما جرى فيهما منذ مطلع ديسمبر الجاري أعاد في تصوري طرح سؤال الدولة من زاوية ميدانية، هل الأمن وظيفة وطنية جامعة في إطار الجمهورية اليمنية، أم سلطة أمر واقع منفلتة تمارس من طرف واحد وكأنها دولة لا علاقة لها بالجمهورية اليمنية؟

إن إخفاق الجهود المحلية والإقليمية والدولية في دفع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الخروج من المحافظتين، واستمراره في فرض أمر واقع بقوة السلاح لم يكن في اعتقادي مجرد فشل وساطة، بل هو تعبير واضح عن خلل أعمق في ميزان الالتزام داخل الشراكة. فحين تستبدل التفاهمات بالقوة، يصبح الحوار لاحقاً للفعل لا سابقاً له، وتتحول السياسة إلى تبرير متأخر لما جرى فرضه ميدانياً.

ولذلك أرى أن بيان وزارة الخارجية السعودية خلال الـ25 من ديسمبر الجاري جاء ليضع هذا الخلل في صيغة سياسية دقيقة ومتزنة. فقد سمى التحركات العسكرية من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي باسمها، بوصفها إجراءات أحادية تمت من دون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع التحالف، وربطها مباشرة بالإضرار بمصالح اليمنيين، وبالقضية الجنوبية نفسها، وبجهود تثبيت الاستقرار.

إن أهمية البيان السعودي في اعتقادي لا تكمن في وضوحه فحسب بل في منطقه التحليلي، إذ أعاد التأكيد أن النيات المعلنة لا تكفي لتبرير الأفعال إذا خرجت عن السياق المؤسسي، وأن الأمن لا يبنى خارج إطار التنسيق، ولا يحمى بتقويض المرجعيات التي يفترض أن تنظمه.

لكن رد المجلس الانتقالي الجنوبي في اليوم التالي أي خلال الـ26 من ديسمبر الجاري جاء محملاً بالتناقض الذي بات سمة ثابتة في خطابه السياسي وأدبياته التي لا تعترف بيمنيته أصلاً. فقد تمسك برفض الانسحاب، مبرراً تحركاته "استجابة لدعوات أبناء شعبنا الجنوبي لمواجهة التهديدات الأمنية المتمثلة في الجماعات الإرهابية"، وخلال الوقت ذاته أعلن انفتاحه على أي تنسيق أو ترتيبات تلبي تطلعات شعب الجنوب والمصالح المشتركة مع المملكة.

هذا الجمع العجيب بين الشيء ونقيضه، بين الإصرار والترحيب، لا يحل الأزمة، بل يعيد إنتاجها بصيغة لغوية. فالتنسيق في منطق الدولة لا يكون لاحقاً لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح، بل سابقاً عليه. وحين يعاد تعريفه باعتباره قبولاً متأخراً بما جرى، يفقد مضمونه السياسي، ويتحول إلى غطاء شكلي لفعل مسلح أحادي. هنا، تحديداً، يصبح الأمن مفهوماً متنازعاً عليه، لا قيمة جامعة تحظى بإجماع وطني.

ولذلك أرى أن اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، إنما جاء ليعيد النقاش إلى مرجعياته القانونية والسياسية.

ففي مغرب يوم الـ26 من ديسمبر الجاري نفسه رأس رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي اجتماعاً طارئاً لمجلس الدفاع الوطني، و"اعتبر المجلس التصعيد المستمر من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي منذ مطلع الشهر الجاري خرقاً صريحاً لمرجعيات المرحلة الانتقالية بما في ذلك إعلان نقل السلطة واتفاق الرياض، وتمرداً على مؤسسات الدولة الشرعية وتقويضاً لجهود الوساطة التي يقودها الأشقاء في السعودية"، مطالباً المجلس الانتقالي الجنوبي "بتنفيذ الترتيبات اللازمة لإعادة قواته إلى مواقعها السابقة خارج محافظتي حضرموت والمهرة، وتسليم المعسكرات فيها لقوات ’درع الوطن‘ والسلطة المحلية، وفق إجراءات منظمة تحت إشراف قوات التحالف".

إن توصيف التصعيد بأنه "خرق" لإعلان نقل السلطة واتفاق الرياض، و"تمرد" على مؤسسات الدولة، لم يكن في اعتقادي تصعيداً خطابياً، بل محاولة واعية لإعادة تثبيت الحد الأدنى من "معنى" الدولة في مواجهة "الانزلاق".

وعليه ووفق ما هو موضح أعلاه، فإن المطالبة بإعادة قوات "الانتقالي" إلى مواقعها السابقة وتسليم المعسكرات لقوات "درع الوطن" والسلطة المحلية تحت إشراف التحالف، كانت محاولة مسؤولة لتفكيك الأزمة بأقل كلفة ممكنة. فالانسحاب المنظم في الفلسفة السياسية لا يقرأ دائماً بوصفه تراجعاً، بل قد يكون اعترافاً عقلانياً بحدود الفعل المشروع.

ومع ذلك، واصل المجلس الانتقالي الجنوبي بطريقة غير عقلانية تمسكه بموقفه الرافض للخروج من حضرموت والمهرة غير عابئ بأحد، وهو أمر دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى تقديم طلب إلى تحالف دعم الشرعية في اليمن باتخاذ إجراءات فورية من أجل حماية المدنيين في محافظة حضرموت بموجب توصيات مجلس الدفاع الوطني، وبما يفضي إلى استعادة الأمن والاستقرار وصون السلم الأهلي، والمركز القانوني للجمهورية اليمنية.

وبدلاً من العودة إلى جادة الصواب، راح المجلس الانتقالي يواصل تحشيد قواته أكثر، في حين "قامت الإمارات بإدخال سفينتين محملتين بالسلاح لميناء ’المكلا‘ من دون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف في مخالفة صريحة لمضامين قرار مجلس الأمن الدولي ’2216‘، في ضوء تعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي، مما يعكس توجهاً لزعزعة أمن واستقرار المملكة والمنطقة"، مما جعل قوات التحالف الجوية تقوم بتنفيذ عملية عسكرية "محدودة" لاستهداف الأسلحة والعربات القتالية التي أفرغت من السفينتين القادمتين من ميناء "الفجيرة" الإماراتي في ميناء "المكلا" بعد ثبوت وتوثيق الأدلة المادية كافة مع تطبيق قواعد الاشتباك كافة بما يضمن عدم وقوع أضرار جانبية.

وقالت وزارة الخارجية السعودية ضمن بيان لها أمس، الـ30 من ديسمبر، أن "المملكة تشدد على أهمية استجابة دولة الإمارات الشقيقة لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن، وتأمل في هذا الإطار أن تسود الحكمة وتغليب مبادئ الأخوة وحسن الجوار والعلاقات الوثيقة التي تجمع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومصلحة اليمن الشقيق، وأن تتخذ دولة الإمارات الخطوات المأمولة للمحافظة على العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، والتي تحرص المملكة على تعزيزها، والعمل المشترك نحو كل ما من شأنه تعزيز رخاء وازدهار دول المنطقة واستقرارها".

في نهاية المطاف يمكنني المجادلة بأن ما يجري في اليمن لم يعد نزاعاً على إجراءات أو تفاهمات قابلة للتأويل، بل مواجهة علنية صريحة بين منطق الدولة ومنطق الأمر الواقع المفروض بقوة السلاح، بين السياسة بوصفها عقداً أخلاقياً جامعاً، والقوة حين تنفلت من معناها وتتحول إلى في غاية ذاتها. فحين يستنزف الصبر لا يعود فضيلة، بل أتصور أنه يصبح مجرد تواطؤ مع الفراغ، وحين تتردد الدولة في لحظة الاختبار، تفقد تعريفها قبل أن تفقد سيادتها.

في الواقع أكاد أجزم أن خطاب "للصبر حدود" لم يكن إعلان غضب، بل محاولة أخيرة لإنقاذ المعنى، معنى الجمهورية كوحدة مرجعية، ومعنى الأمن كوظيفة وطنية، ومعنى الشراكة كاختيار لا كفرض.

وعليه، فإن نقطة اللاعودة لا تقاس بقرارات الطوارئ أو بإلغاء الاتفاقات فحسب، بل وتقاس أيضاً بالانتقال من إدارة التناقضات إلى حسمها أخلاقياً وسياسياً، لأن الدول لا تنهار حين تهزم عسكرياً بقدر ما تنهار حين تعجز عن الدفاع عن تعريفها لنفسها.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء