ملخص
"القرنة البيضا" مسرحية مونودرامية جديدة للكتاب والمخرج المسرحي يحيى جابر، من بطولة الممثلة ماريا الدويهي، تتناول البيئة الشمالية في لبنان، وتحديداً منطقة زغرتا، المعروفة بتاريخها العريق وهويتها المارونية.
يمضي الكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر في ترسيخ المسرح المونودرامي الذي اختاره فناً ونهجاً ومدرسة، في أعماله الأخيرة، منجزاً ما يقارب سبعة عروض، وساعياً إلى بلورة هذا النوع الدرامي لبنانياً، منتقلاً من كيان إلى كيان من الكيانات الصغيرة التي تصنع الكيان اللبناني الكبير. انتقل يحيى من بيروت ("الطريق الجديدة")، إلى بعلبك (هيكالو)، فالجنوب ("مجدرة حمرا"، و"شو منلبس" مع الرائعة أنجو ريحان)، فالمنطقة الشرقية ("من كفرشيما إلى المدفون")، ثم زغرتا، في مسرحيته الجديدة "القرنة البيضا" التي تعرض حالياً على مسرح مونو، ونجمتها الممثلة ماريا الدويهي.
هذا الانتقال لا يمكن وصفه فقط بالجغرافي والطائفي أو المذهبي والمناطقي، مقدار ما يمكن وصفه أيضاً بـ"الكياني" والوجودي والوجداني، مما يقود إلى مفهوم الهوية اللبنانية، الحضارية والسياسية، التاريخية والراهنة. والهوية تعني هنا أيضاً الذات المتعددة والمنقسمة إلى "ذوات" تصب في الكينونة اللبنانية.
في المسرحيات هذه، المتنقلة بين كيانات لبنان، يكتشف الجمهور العام مفاجآت لم يكن ينتظرها في أحياء بيروت السنية ولا في القرى الجنوبية الشيعية وما يتصل بها، ولا في المنطقة الشرقية المسيحية ولا في زغرتا أو إهدن المارونيتين. هناك دوماً ما لا يعرفه اللبناني "المحلي" عن المناطق "المحلية" الأخرى، تاريخاً وواقعاً، تقاليد وعادات، طقوساً دينية ومذهبية وظواهر يومية، ناهيك بالتعابير والمصطلحات الشعبية والفولكلور... بل إن الجمهور الذي ينتمي إلى طائفة معينة قد يجهل أحياناً، أموراً تتعلق بطائفته في منطقة لا ينتمي إليها جغرافياً. وهذا ما حصل مثلاً في مسرحية "القمة البيضا" التي يكتشف فيها، على سبيل المثل، الجمهور الماروني غير الشمالي، طقوساً وعادات يجهلها، فيتعرف إليها. وهنا لا يمكن الكلام عن "أساطير" تكون الحالة اللبنانية، بل عن وقائع تاريخية وحية، يتداخل فيها المتخيل والفانتازي والأليف.
خطوط تماس جامعة
نجح يحيى جابر في بناء عالمه المسرحي على خطوط تماس جامعة وليست فاصلة، على رغم أن آثار الحرب أو الحروب الأهلية والبلدية تحضر بجرأة حيناً وبخفر حيناً، نظراً إلى فداحة الموقف أو سهولته. في هذا القبيل يسعى يحيى الكاتب إلى أداء دور الباحث "الزائر" في التاريخ والسياسة والدين والأنثروبولوجيا الشعبية والفولكلور حتى الطائفي، بغية الوقوع على وقائع وأحداث وتواريخ وقصص و"حدوتات" وشعارات ومقولات وشخصيات وأشباح... على أن يأتي دور الكاتب والدراماتورجي الذي يدون ويحبك ويروي ويرتجل ويرسم السينوغرافيا بتفاصيلها المادية الفقيرة، وبفضائها الثري الذي يرتكز على حركة الأداء والإضاءة والصوت. هذا يتم بحضور الممثل أو الممثلة اللذين لا يكونان مجرد ممثلين يؤديان، بل يكونان شاهدين مشاركين في ترسيخ اللعبة المونودرامية.
لا يُفاجأ الجمهور عندما يدخل مسرح مونو ليشاهد مسرحية "القرنة البيضا"، الديكور الفقير هو نفسه تقريباً بين مونودراما وأخرى، وقد لا تحتمل الأدوات الموجودة على الخشبة صفة الديكور، وهي هنا: حاملة خشبية، سلة، منديل، كرسي، صينية، مدقة، كادر أو إطار... لكن هذه الأدوات الفقيرة لا تلبث أن تتحول مع الممثلة ماريا الدويهي إلى أبجدية ترسم بها مشهدية المكان الذي تتحرك فيه، وتصبح حوافز تستخدمها في تجسيد اللعبة التمثيلية المفتوحة، التي تتنقل عبرها بين شخصية وأخرى، بين موقف وآخر، كما بين أكثر من زمن ومكان "محليين". وعبر أدائها الباهر القائم على غنى الحركة وتعبيرية الوجه وليونة الجسد وتناغم الصوت، ترسم ماريا سينوغرافيا مونودرامية، تملأ الخشبة، برفقة الإضاءة، فتصبح هي نقطة الانطلاق والعودة.
مسرح غير فقير
ليس مسرح يحيى جابر فقيراً وإن خلا من الديكور، فالنص حاضر بشدة، والدراماتورجيا راسخة، وكذلك الشخصيات التي ينتقيها أو يتخيلها ويكتبها، والسينوغرافيا الرمزية... ثم يأتي دور الممثل/ الممثلة ليملأ الفضاء شبه الفارغ، بالجسد وحركات الجسد. ونجحت ماريا الدويهي في أداء دورها، بل أدوارها، متنقلة بينها بخفة ومهارة، ساعية إلى عدم قطع الإيقاع الحركي العام، جاعلة من اللعبة التمثيلية جملة ميلودية تتواصل وتنعطف. ولم يكن من السهل عليها أن تلتقط خيط الإيقاع هذا لولا وعيها مفهوم "التمبو ريتم" الذي عمل عليه ستانيسلافسكي. وقد تكون بعض الحركات أو الإيماءات صلة وصل بين مشهد وآخر، بين شخصية وأخرى.
ما يلفت لوهلة أولى هو ارتداء ماريا فستاناً أسود، يشبه فساتين الأمهات والجدات في معظم القرى اللبنانية، خصوصاً في زغرتا، لكنها طبعاً سوف تستخدم الطرحة الزرقاء أو البيضا، وتضع على أنفها في البداية طابة حمراء تذكر بطابة المهرج الأنفية. ولعل دلالة الفستان الأسود تتضح في المشهد الأخير، عندما تحل الستارة السوداء، مختتمة هذه المونودراما التي تتقاطع فيها خيوط الكوميديا والتراجيديا في بعدهما اللبناني الصرف. وقد سعى يحيى جابر في كتابة النص المتحرك إلى النأي عن مضارب المآسي التي شهدتها زغرتا، عبر تاريخها الذي هو تاريخ بشري والقرى المارونية عموماً، منذ القرون الغابرة حتى التسلط العثماني وويلات الحرب الأولى ثم "الحروب" التي اندلعت بين الأهل والعائلات... انتهاءً بالحرب اللبنانية الشديدة التناقضات. وقد جمع العرض بين زغرتا وبشري وطرابلس، متجاوزاً المشكلات، العميقة والمعقدة، العائلية والمناطقية والطائفية، التي قامت أولاً بين زغرتا وبشري (تقول الشخصية الزغرتاوية عن أهل بشري: "هودي ما بيحبونا")، ثم بين زغرتا وبشري من جهة، وطرابلس من جهة أخرى.
مسرد مسرحي أهلي
اخترقت ماريا الدويهي الخطوط الرمادية، وقدمت مسرداً ومساراً مسرحيين "أهليين"، متشبعة من الوقائع والأحداث والشخصيات و"الخبريات"، وكانت بحق ابنة هذه البيئة، بوعيها ولا وعيها، باللهجة والسلوك، بالبعد النفسي والبعد "التغريبي". وكانت تتنقل بين لهجتها العادية عندما تؤدي لعبة الراوي، واللهجة الزغرتاوية المتميزة بوقعها اللفظي ومخارجها الحروفية. كانت ماريا كل الفتيات والنسوة اللواتي تحدثت عنهن وأدت شخصياتهن: ميول، فايزة، لبيبة، يوسفية... وكانت أيضاً كاميليا، ابنة جبران خليل جبران المتخيلة التي قدمت إلى "القرنة البيضا"، باحثة عن مخطوط سري تركه والدها العبقري في أعلى الجبل. وقد يسأل المشاهد: كيف دخل جبران البشراوي الحيز الزغرتاوي؟ والجواب طبعاً: اللعبة التخييلية ثم الترميز لاحقاً. تستعير ماريا مقولات جبران المعروفة في كتاب "النبي" لتصبح: "أولادنا ليسوا لكم، أولادنا لنا، بلادنا ليست لكم، بلادنا لنا". "النحن" هنا هم أبناء الأهل، أهل البلاد، و"الهم" الزعماء الذين يضحون بالأبناء، في سبيل مصالحهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إنها ماريا الفتاة التي تبحث عن عريس، فتطوف على مزارات القديسين، سائلة إياهم، ومنهم القديسة تيريزا التي يلفظ الزغرتاويون اسمها بتشديد الطاء فيصبح "طريزا"، حتى ليقع الاسم خارج سياقه المعروف. ماريا المرأة المتزوجة التي تقدم النذور مقابل أن يأتيها ولد، ماريا الأخت التي تصلي طالبة الثأر لأخيها. ثم امرأة الفرن أو نسوته، اللواتي يقمن بخبز الأرغفة والكبة الزغرتاوية، بينما الرجال في القتال. شخصيات نسائية عديدة، تعيشهن ماريا، بالتداور والتقاطع، تختبر مشكلاتهن وتروي عنهن، عن جرأتهن في مواجهة الذكورية، عن أمومتهن، عن إيمانهن الحقيقي، أحلامهن الصغيرة. وكما تحضر الأفراح و"رديات" البربارة ورقصتها وأغنيات العرس، يحضر أيضاً جناز دفن المسيح وأسبوع الآلام والصليب. إنها البيئة الزغرتاوية، بما عرف عنها وما لم يعرف، خصوصاً ما ينتمي إلى الماضي.
توظف ماريا الدويهي قدراتها التعبيرية، من حركة جسد وإيماء وجه وإشارات يدين، وصوت يؤدي أيضاً مقاطع غنائية بجمال وإحساس عميق وإتقان، خالقة من حولها فضاء هو فضاؤها التمثيلي، وجاعلة من الأدوات الصغيرة ذريعة لترسيخ اللعب على المواقف والأفكار المتوالية. أما البرواز أو إطار الصورة الفارغ، فبرعت في توظيفها درامياً وجمالياً، واقعياً ورمزياً. البرواز هنا، فكرة صائبة جداً، هو برواز صور الراحلين المعلقة على الجدران، صور المسافرين الذين لم يعودوا، برواز صورة شخص مات للحين يرفع في رقصة الموت... برواز حملته ماريا فارغاً، أو أطلت منه كما في لقطات فوتوغرافية متعددة. وفي هذا القبيل نجحت ماريا في "تقنعة" وجهها في أحد المشاهد، في ثلاث لقطات إيمائية بديعة.
في "القرنة البيضا" يحقق يحيى جابر خطوة جديدة، متينة وراسخة، في تجربة المسرح المونودرامي، ومعه الممثلة والمتخصصة في المسرح (دكتوراه) ماريا الدويهي، التي نجحت في التواطؤ الفني معه، لينجزا عرضاً، يضاف إلى الريبرتوار الذي بات يحمل اسم يحيى جابر، ومعه أيضاً اسم الممثلة أنجو ريحان التي رافقته في "مجدرة حمرا" و"شو منلبس؟" المسرحيتين اللتين ما زالتا تقدمان بالتناوب.