ملخص
جيل إكس، الذي نشأ بين الفوضى الثقافية والتحولات التقنية، بات اليوم العمود الفقري الهادئ لسوق العمل البريطانية، إذ يقود المؤسسات ببراغماتية وخبرة تراكمت عبر العقود، مما يجعله الجيل الأكثر قدرة على مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي.
لا شك في أن هذا العام سيكون عاماً لا ينسى لأسباب كثيرة، ولكن من الأمور اللافتة للنظر بالفعل أن عام 2026 هو أول عام يجمع ستة أجيال من البريطانيين في سوق العمل. سيبدأ أكبر أبناء الجيل ألفا، المولودين بعد عام 2010، فترة التدريب المهني واكتساب الخبرات العملية الأولى في عام 2026، في حين أن آخر أبناء جيل التقليديين، المعروفين أيضاً باسم الجيل الصامت، ما زالوا متمسكين بوظائفهم، إذ يشكلون واحداً في المئة من الموظفين.
في الأساس، يتنافس أبناء جيل الطفرة السكانية والجيل إكس وجيل الألفية والجيل زد على الوظائف العليا بينما يتربص الذكاء الاصطناعي بهم جميعاً. ومن الناحية النظرية، في الأقل، قد يكون عام 2026 هو العام الذي تتكشف فيه حدود الذكاء الاصطناعي. ولكن أي من هذه الأجيال هو الأفضل استعداداً للتعامل مع فوضى ترمب والرسوم الجمركية والتكنولوجيا والكفاءات؟
من المفاجئ، بالنسبة إلى شخص من أبناء الجيل إكس مثلي، أن جيلي هو الذي يعد أفضل أمل للبلاد. إذا بحثت على "غوغل" جملة "الجيل إكس عماد القوى العاملة في المملكة المتحدة"، ستجد أن شركات الموارد البشرية ومحللي الشركات يثنون على أبناء الجيل إكس الذين لا يكثر الحديث عنهم، لما يتمتعون به من مرونة وقدرة على التكيف. على رغم أن أبناء جيل الألفية يفوقونهم عدداً، فإن أبناء الجيل إكس يشكلون نحو 35 في المئة من القوى العاملة وأكثر من 50 في المئة من المديرين، فيما يبلغ متوسط أعمار الرؤساء التنفيذيين لشركات مدرجة في مؤشر "فتسي 100" 55 عاماً، وفقاً لبحث أجرته شركة "هيدريك أند ستراغلز" Heidrick and Struggles المتخصصة في البحث عن الكوادر الإدارية. يتكون 75 في المئة من مجلس الوزراء البريطاني من أبناء الجيل إكس، ويبلغ متوسط عمر محرري الصحف المحلية 56 سنة. فجأة أصبح الجيل إكس يدير البلاد، وكما جرت عادتنا، نفعل ذلك من دون أن نحدث جلبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يبدو ذلك مستغرباً. إذ نشأ الجيل إكس على أفلام الكسالى، والحفلات المجانية التي تقام في الحقول ونهاية فكرة الوظيفة مدى الحياة وانهيار الثقة في السلطة بجميع أشكالها. وبدأت معدلات الطلاق في المملكة المتحدة بالارتفاع منذ عام 1965، وهو أول عام من ولادتنا نحن أبناء هذا الجيل، في حين أن أولئك الذين بقي آباؤهم معاً كانوا أكثر عرضة لأن يكون والدوهم موظفين في الآن ذاته، إذ أدى قانون المساواة في الأجور لعام 1970 إلى زيادة نسبة النساء العاملات إلى 51 في المئة بحلول عام 1971، وفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية. كنا نعود من المدرسة بمفردنا لنجد المنزل خالياً، ونقوم بتسخين الطعام، ونتسكع مع الأصدقاء - يبدو أن إسناد المسؤولية إلينا يتعارض مع المخطط الإلهي. لكن اتضح أن هذا الوضع كان تدريباً مثالياً لمكان العمل الفوضوي في عام 2026، بدلاً من أن يكون سبباً لتلقي العلاج النفسي.
تشرح تانيا غاس، الشريكة في شركة "نورمان برودبنت" Norman Broadbent، أقدم شركة لتوظيف الرؤساء التنفيذيين في المملكة المتحدة "لم ينشأ قادة الجيل إكس وهم يتوقعون أن يتولوا زمام الأمور أو أن يعتبروا أنفسهم مجموعة متناسقة على الإطلاق. بعدما صقلتهم الاضطرابات المتكررة - أي الأزمة المالية والحرب الباردة والتغير التكنولوجي السريع وبريكست والجائحة - أعتقد أن قادة الجيل إكس ربما يكونون الأكثر تكيفاً مع حال عدم اليقين والأكثر واقعية في شأن التنازلات والقيود مقارنة بالأجيال التي سبقتهم أو التي تلتهم. إنهم حذرون بصورة فطرية من الضجة الإعلامية، لكنهم منفتحون على التغيير عندما يحقق قيمة حقيقية، لا سيما في النقاش الحالي حول الذكاء الاصطناعي".
ويتفق مع هذا الرأي دومينيك بلاك من شركة "ويستراي" Westray، وهي شركة استشارات توظيف في شمال شرقي إنجلترا متخصصة في توظيف المهنيين والفنيين والمهندسين والعاملين في المجال الصناعي والتصنيعي. وهو يوظف مجموعة مختلفة تماماً من العاملين، لكنه يرى أن عبارة "عماد القوى العاملة" تنطبق تماماً على جيل إكس.
ويقول "إن أبناء جيل إكس يمكن الاعتماد عليهم، وهم عمليون. مقارنة بأجيال أخرى، هم يكملون المهام الموكلة إليهم ويرجح بأنهم يملكون مجموعة أوسع من الخبرات التي يمكنهم الاستناد إليها، كذلك فإنهم قد طوروا مهارات اجتماعية أرفع. تسمع كل الوقت أخبار الجيل زد وجيل الألفية لأن الصور النمطية حولهم أقوى، كما أنهم أكثر تشبثاً بأفكارهم عن المواضيع الأكثر جدلية".
ويضيف "لكن أبناء الجيل إكس يتمتعون بانفتاح ذهني أكبر ويصعب كثيراً أن تصنفهم ضمن خانات ضيقة. وهم يميلون بصورة كبرى إلى إيجاد السعادة في العمل أكثر من أي شيء آخر. أجرينا استطلاعاً للآراء حول مواقف الأجيال المختلفة تجاه العمل العام الماضي، ويمكن تلخيص الجيل إكس من خلال ما قاله أحدهم "من الأفضل أن تعمل في وظيفة سيئة مع أشخاص طيبين على أن تعمل في وظيفة جيدة مع أشخاص سيئين".
فما الذي يميز الجيل إكس؟
يقول الصحافي ريتشارد بينسون الذي عمل محرراً لمجلة "فيس" The Face خلال ذروة ثقافة الجيل إكس في تسعينيات القرن الماضي "بغض النظر عما يقوله جيل الألفية، كنا أول جيل لم يفترض أنه سيكون أفضل حالاً من والديه. لقد شهدنا انهيار الأيديولوجيات اليمينية واليسارية، وأدركنا أن الرأسمالية ليست تقدماً أبدياً، لكن سقوط جدار برلين أظهر لنا أن الشيوعية لم تكن الحل. ومن هنا ولدت النزعة العملية. لم نكن نحمل أفكاراً كبيرة، لذا كان علينا أن نفعل الأشياء بأنفسنا".
وتابع قائلاً "مايك دي من فرقة ’بيستي بويز‘ The Beastie Boys قال مرة ’يريد الناس أن يبادروا ويعملوا، لكنهم لا يريدون أن يكونوا مستغلين‘، وأعتقد أن هذا تلخيص جيد لسياسة مكان العمل. كان الجيل إكس قادراً على تنظيم حفلة في حقل يضم 10 آلاف شخص، وتدبر شؤون الدعاية ونظام الصوت والمنسق الموسيقي والتذاكر والديكور، لكنه لم يرغب أبداً في توسيع نطاق الحفلة وبيعها إلى شركة رأس مال استثماري".
كما أن الجيل إكس دخل المدرسة قبل تطبيق نظام التصنيف عام 1992، ولم تكن المدارس الحكومية مصنفة حسب الأداء الأكاديمي حتى بدأ آخر أبناء جيل إكس الدراسة. بعد ذلك، استغل الآباء من الطبقة المتوسطة النظام أو أرسلوا أبناءهم إلى مدارس خاصة. وهذا أمر مؤسف. في مدرستي الرسمية العامة [بعكس المدارس العامة الانتقائية التي تستقبل الطلاب بحسب قدراتهم الأكاديمية] في جنوب لندن، كان الأطفال من ضاحية كوبيس وتوربس يختلطون مع الأطفال الذين يعمل آباؤهم أطباء أو في المدينة.
ولهذا السبب أُسست شركة بويز أون Boys Own الشهيرة التي تختص بحفلات موسيقى الأسيد هاوس، وتسجيل الأغاني، وتصميم الملابس، وإصدار المجلات، على يد النجار سيمون إيكل، وفني تركيب الغاز تيري فارلي، والعامل في ورشة التصنيع آندي ويذرال.
يشرح إيكل قائلاً "كنا شباباً ارتدنا مدارس حكومية عامة في سلو، وأردنا إنشاء علامة تجارية للحفلات والحرص على أن يحظى العملاء بتجربة رائعة. وجدنا أشخاصاً من شتى مشارب الحياة يرغبون في كتابة المقالات والرسم والتصميم وتنظيم الحفلات الليلية. علمنا أنفسنا بأنفسنا وبنينا هذه الحركة الريادية التي لم تستند إلى شهادة الماجستير في إدارة الأعمال، بل إلى ابتكار أشياء جيدة حقاً وبناء شبكة اجتماعية حقيقية. تكون الحفلات أفضل بكثير بوجود حشد كبير من الأشخاص الذين لا يشبهونك، ولكنهم يتشاركون الهدف نفسه - الاستمتاع بأفضل الأوقات. قد يكون التنوع والإدماج غير مقبولين في أميركا بعد الآن، ولكنهما كانا السبب وراء أفضل أمسيات النوادي الليلية".
تقر تانيا غاس بمهارات التعامل مع الناس التي اكتسبها جيل إكس بفعل تجاربه. وتشرح قائلة "يجيد الرؤساء التنفيذيون من جيل إكس ردم الفجوات بين الأجيال، ويقودون ببراغماتية أكثر من الأيديولوجيا". وتضيف "إنهم أقل اهتماماً بأداء دور القائد وأكثر رغبة في إنجاز العمل فعلاً. وبحكم أنهم عاشوا في العالم القديم والجديد معاً، فهم غالباً أكثر قدرة على التمييز وأقل تمسكاً بالعقائد عند تقرير ما يجب الحفاظ عليه وما يجب تغييره".
وهذا يعني، ربما بصورة غير متوقعة، أن الجيل إكس قد يكون أفضل خيار لدينا خلال ثورة الذكاء الاصطناعي، كما يقول ستيفن سميث، مستشار الذكاء الاصطناعي الاستراتيجي في وادي السيليكون. ويضيف سميث "كان الجيل إكس معروفاً في البداية بنظرته الساخرة أو المتشككة للعالم، ولكن هذه النظرة تطورت لتصبح استقلالية وقدرة على التكيف. وقد صمدت هذه المجموعة وازدهرت عبر كل تطور تكنولوجي شهدته الأعوام الـ30 الماضية. فهي تعرف كيف تعمل الشركات ويمكنها تطبيق الذكاء الاصطناعي بطريقة تحقق الكفاءة والتحسين الحقيقيين في المراكز ذات القيمة العالية. وفي حين أن الجيل زد وجيل الألفية قد يعرفان كيفية ’استخدام‘ الذكاء الاصطناعي، فإن الجيل إكس سيجعل الذكاء الاصطناعي أمراً أساساً".
وقد لاحظ أن الأجيال الشابة تميل إما إلى الإعجاب بالذكاء الاصطناعي أو معارضته، في حين أن الأجيال الأكبر سناً لا تفهمه. ويشير إلى أن "هذه المجموعة من الأشخاص شهدت ظهور أجهزة الكمبيوتر الشخصية والبريد الإلكتروني وشبكات الاتصال المحلية والإنترنت والهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها كثير. إنهم ليسوا من أبناء الجيل الرقمي مثل الأجيال التي تلتهم، لكنهم تكيفوا مع التكنولوجيا وتبنوها بسرعة. إن أكبر الأشخاص المستفيدين من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي هم الأشخاص الذين يتمتعون بخبرة في قطاعاتهم ووظائفهم وشركاتهم وأسواقهم - وقد بلغ أبناء الجيل إكس الآن سناً مكنتهم من اكتساب هذه الخبرة عبر 25 عاماً من العمل في مختلف الشركات".
وهذا يشبه وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد كبير. أجريت مقابلة حديثاً مع مايكل كوركوران، مبتكر التعليقات الساخرة التي تنشرها شركة الطيران "راين إير" Ryanair على وسائل التواصل الاجتماعي للعملاء الذين لا يفهمون أن أسعار تذاكر السفر الرخيصة تقترن ببعض التنازلات. وقد سرد مواقف جيل الطفرة السكانية وجيل الألفية والجيل زد على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم أنهى حديثه. وسألته عن الجيل إكس، فابتسم وقال "آه، الجيل المنسي. إنه أقل حساسية تجاه ما يسيء إلى الآخرين من جيل الألفية، ولكنه يتسم باللياقة الاجتماعية أكثر من جيل الطفرة السكانية. وهو أكثر واقعية من كلا الجيلين. يتوخى أبناؤه الحذر من وسائل التواصل الاجتماعي لأنهم لا يريدون أن يتعرضوا للإلغاء ولا يهتمون بميزاتها السيئة - فهم لا يشعرون بالإهانة أو الغضب من آراء الآخرين. بل يعتقدون أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. لذا فهم يراقبون، لكنهم لا ينشرون كثيراً".
لم يعتقد معظم أفراد جيل إكس أن الأمور ستسير على هذا المنوال. بلغت ثقافة جيل إكس ذروتها بين منتصف وأواخر تسعينيات القرن الماضي، وهي حقبة أفلام الكسالى والأبطال المخالفين للأعراف مثل شخصية تايلور دوردن في فيلم "نادي القتال" Fight Club. ويقول دوردن إن أبناء جيل إكس مثل "الابن الأوسط للتاريخ، يا صاح. لا نملك هدفاً أو مكانة. ليس لدينا حرب عظمى نخوضها. ولا كساد عظيم نقاسيه. بل حربنا العظمى هي حرب روحية... وكسادنا العظيم هو حياتنا. لقد نشأنا ونحن نشاهد التلفزيون ونؤمن بأننا سنصبح جميعاً في يوم ما أصحاب ملايين، ونجوماً سينمائيين، ونجوم موسيقى الروك. لكننا لن نصبح كذلك". وقد يكون هذا صحيحاً. لكن ما الخلاصة التي يتوصل إليها؟ "نحن نتعلم هذه الحقيقة رويداً رويداً. ونحن في غاية الغضب". ليس إلى هذا الحد.
بدلاً من ذلك، واصلنا بهدوء العمل الشاق المطلوب لكي نتمكن في النهاية من إدارة الأمور، مع احتفاظنا بقدر كافٍ من التشكك يسمح لنا بانتقاد عيوب الابتكارات المماثلة للذكاء الاصطناعي، وبقدر كافٍ من الفضول لكي نجد أفضل طريقة لاستخدامها.
© The Independent