ملخص
الأناشيد الوطنية في العالم العربي لم تكن مجرد ألحان رسمية، بل تحوّلت إلى أدوات شرعية وصراع ذاكرة تعكس تبدّل الأنظمة وإعادة تشكيل الهوية. وبين مصر التي تغيّرت أناشيدها مع انتقال الدولة من الملكية إلى الجمهورية، وليبيا التي بدّلت نشيدها مع كل قطيعة سياسية ثم أعادت "يا بلادي" بعد عام 2011، وسوريا التي ظلّ فيها "حماة الديار" ثابتاً مقابل صعود "في سبيل المجد" كرمز "تحرير" لدى بعض الشرائح، يتبيّن أن النشيد مرآة لمن يحكم ولأي وطنٍ يريد أن يبقى.
في عالم تُبدّل فيه الحكومات بقرارات، وتُعاد كتابة الدساتير تحت ضغط الشارع أو فوهة البندقية، يبقى هناك شيء واحد لا يبدو سياسياً لكنه أكثر السياسة قسوة... النشيد الوطني.
ليس مجرد لحن يُعزف في بداية مباراة، ولا كلمات تحفظها المدارس وتنسى معناها عند أول أزمة. النشيد هو بطاقة تعريف الدولة عندما تضيع الأسماء، وهو "الرواية الرسمية" حين تتعدد الروايات، وهو النداء الذي تريد السلطة أن يسمعه الناس كل صباح: من نحن؟ ولمن ننتمي؟ ومن يملك حق تعريف الوطن؟
الأناشيد في منطقتنا لم تولد في الاستوديوهات بقدر ما خرجت من المعارك: معارك الاستقلال، الانقلابات، الوحدة والانفصال، الهزائم والانتصارات، وصراع الشرعيات على كرسي لا يهدأ. لذلك، كلما تغيّر النظام، راودته فكرة تغيير النشيد، كأنه يبدّل جلد الدولة، أو يحاول إعادة ترتيب الذاكرة على مقاسه.
من مصر التي انتقلت أناشيدها بين الملكية والجمهورية والمرحلة القومية، إلى ليبيا التي تبدّل فيها اللحن مع تبدّل السلطة، وصولاً إلى سوريا حيث ظل النشيد شاهداً على زمن أراد أن يختصر الوطن في خطاب واحد، يتبيّن أن النشيد ليس موسيقى فقط، بل مرآة سياسية: تعكس من يحكم، وكيف يريد أن يُحكم، وأي وطن يريد أن يبقى.
دولة تغنّي سرديتها
في السياق، أكد المؤرخ السوري عمار النهار أن "النشيد الوطني لا يُختزل في كونه لحناً يُردد في المناسبات الرسمية أو المباريات الرياضية، بل هو رمز سيادي يعكس الهوية الوطنية، وأحياناً يكشف بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن الهوية السياسية للدولة وخياراتها الكبرى عبر الزمن". ورأى أن "تاريخ الأناشيد في العالم العربي ارتبط بتحولات السياسة: من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن صعود الأنظمة الجمهورية إلى الانقلابات والحروب والانتفاضات، لأن النشيد غالباً ما يكون لغة مكثفة لإعلان ما تريد الدولة قوله عن نفسها". هذا المعنى يظهر بوضوح عند تتبّع ثلاثة مسارات عربية مختلفة: مصر، ليبيا، وسوريا حيث يمكن قراءة تحولات الأناشيد بوصفها مرآة لتحولات الدولة نفسها، وليس مجرد تبديل موسيقي.
مصر: من "سلام أفندينا" إلى "بلادي بلادي"
في الحالة المصرية، يبدو النشيد وثيق الصلة بمراحل تشكل الدولة الحديثة والسلطة، فعلى رغم أن مصر كانت ولاية عثمانية منذ مطلع القرن الـ 16، فإنها اكتسبت في القرن الـ 19 ملامح كيان شبه مستقل انعكست على رموزها السيادية، وعلى رأسها "السلام" الرسمي الذي كانت تعزفه الموسيقى العسكرية في المناسبات الكبرى.
وبحسب المؤرخ المصري محمد رفعت، تعزّز هذا المسار "مع حصول الحاكم المصري إسماعيل باشا على لقب الخديوي عام 1867، ثم مع افتتاح قناة السويس عام 1869، وهي مناسبة ارتبطت ببدايات السلام الرسمي الحديث لمصر، إذ شاع في تلك المرحلة (سلام أفندينا) كرمز موسيقي للدولة وظل متداولاً حتى التحولات الوطنية الكبرى في مطلع القرن الـ 20".
ومع إعلان استقلال مصر عام 1922، أشار رفعت إلى أن البلاد تبنّت نشيد "اسلمي يا مصر" رسمياً بين عامي 1923 و1936، وهو من كلمات الشاعر مصطفى صادق الرافعي، ثم عاد "سلام أفندينا" لاحقاً في العهد الملكي، واستمر حتى قيام ثورة 23 يوليو (تموز) عام 1952، التي فتحت الباب أمام مرحلة جديدة لم تكن تغييراً سياسياً وحسب، بل إعادة تعريف للهوية الرسمية.
بعد الثورة، تحوّل "سلام أفندينا" إلى السلام الجمهوري، ثم شهدت مرحلة الوحدة المصرية - السورية (1958-1961) اعتماد صيغة نشيد مشترك عكست طبيعة الاتحاد بين البلدين. وبعد انتهاء الوحدة عام 1961، اعتمدت مصر نشيد "والله زمان يا سلاحي" حتى عام 1979، وهو من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، وارتبط بصوت أم كلثوم في أدائه الأشهر. ومنذ عام 1979، استقر النشيد الوطني المصري على "بلادي بلادي" حتى اليوم، وهو من كلمات محمد يونس القاضي وألحان سيد درويش، ومستلهَم من خطاب وطني للزعيم مصطفى كامل. بهذا المسار، يبدو أن النشيد المصري لم يكن مجرد "صوت الدولة"، بل سجلاً للتحولات الكبرى: من الملكية إلى الجمهورية، ومن الخطاب العسكري التعبوي إلى هوية وطنية أكثر رسوخاً في الوجدان العام.
ليبيا... النشيد بين الشرعية والقطيعة السياسية
أما في ليبيا، فتبدو علاقة النشيد بالسلطة أكثر مباشرة، وأشد حساسية تجاه تبدلات النظام. وأكد المؤرخ الليبي علي الهازل، عضو مجلس إدارة المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، أن الأناشيد الوطنية "ليست مجرد أعمال موسيقية أو نصوص شعرية، بل هي رموز سيادية تعكس الوحدة الوطنية والانتماء الجمعي، وتختزن في كلماتها وألحانها تاريخ الشعوب وتطلعاتها". وشرح الهازل أن "النشيد غالباً ما يُصاغ لتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم العامة لدى المواطنين، لكنه قد يُستخدم أيضاً لإبراز الأفكار السياسية التي تتبناها الدولة في مرحلة معينة، بحيث يصبح تغييره انعكاساً لتغيير سردية الدولة ومشروعها السياسي".
في السياق، أوضح المؤرخ الليبي أن النشيد الوطني "يا بلادي" شكّل، سنوات، عنواناً رمزياً للهوية الوطنية، وهو من كلمات الشاعر التونسي البشير العريبي وألحان محمد عبد الوهاب، وقد ظهر في خمسينيات القرن الماضي واستمر حتى عام 1969. ومع وصول العقيد معمر القذافي إلى الحكم، جرى اعتماد نشيد "الله أكبر" بدلاً منه، وهو نشيد ارتبط تاريخياً بالسياق المصري، واستمر حضوره الرسمي في ليبيا حتى 17 فبراير (شباط) عام 2011. وأضاف الهازل أنه بعد التغيير السياسي عام 2011، أُلغي النشيد الذي ارتبط بمرحلة القذافي، وأعيد العمل بـ "يا بلادي"، مع تعديل في النص عبر حذف المقطع الذي يبدأ بـ "إدريس سليل الفاتحين"، وهو مقطع لم يعد وارداً في النسخة المعتمدة حالياً، ورأى أن "مستقبل النشيد يظل مرتبطاً بتطور المسار الدستوري في ليبيا، إذ إن إقرار دستور جديد قد يفتح المجال أمام نقاش رسمي حول الرموز السيادية، بما في ذلك النشيد وربما العلم، تبعاً لما تفرضه الموازين السياسية والمؤسسات المنتخبة".
في التجربة الليبية، لا يبدو النشيد "ثابتاً" بقدر ما يبدو علامة على لحظة سياسية: كل مرحلة تريد أن تمحو أثر سابقتها أو تعيد تعريف نفسها ضدها، فتذهب مباشرة إلى الرموز، وتختار ما تبقيه وما تسقطه من الذاكرة العامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سوريا: النشيد بين التحرر وبناء الدولة وصراع الشرعية
أما في سوريا، فقدم عمار النهار قراءة تعتبر النشيد "مرآة حية" تُظهر كيف تتحول السياسة إلى خطاب عام، وكيف تنعكس الخيارات الكبرى للدولة في الرموز، فقبل موجات الاستقلال، كانت الأناشيد، وفق النهار، "تعبيراً عن الرغبة في التحرر من الهيمنة الخارجية والتمسك بالهوية الوطنية الناشئة، وحملت شحنة تمرد وإصرار على الاستقلال، ولم تكن مجرد أناشيد دولة بل أناشيد شعب وحركة وطنية". وبعد الاستقلالات، أوضح النهار أن "الأنظمة الجديدة تعاملت مع النشيد كجزء من تأسيس الدولة الحديثة وإعادة تشكيل الوجدان العام: أداة لترسيخ الوحدة الوطنية وبناء صورة الدولة الجامعة"، ومع تفكك أنظمة ملكية وصعود جمهوريات ذات خطاب قومي أو ثوري، دخلت الأناشيد قلب معركة الشرعية السياسية، فصارت تواكب الثورات والمشاريع القومية والحروب والانتصارات العسكرية.
في هذا الإطار، أشار النهار إلى أن نشيد "حماة الديار"، الذي كُتب في ثلاثينيات القرن الماضي، استقر كنشيد وطني يعكس جانباً من البنية الرمزية للدولة، فيما ظلت العلاقة بين النشيد والسياسة جزءاً من المشهد العام، بخاصة في المراحل التي شهدت صعود مشاريع أيديولوجية وحزبية واضحة في المنطقة، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن ثبات النشيد الرسمي لا يمنع ظهور رموز موازية في لحظات الانقسام الكبير، إذ برز في بعض السياقات تداول نشيد "في سبيل المجد" بوصفه "نشيد التحرير" أو "نشيد سوريا الجديد" لدى شرائح معينة، وهو من كلمات الشاعر السوري عمر أبو ريشة.
ويُقرأ هذا التداول بوصفه تعبيراً عن انتقال الصراع من السياسة إلى الرموز، إذ لا يتنافس الفاعلون على السلطة وحدها، بل على سردية الوطن ذاتها: أي لحن يمثل سوريا في الوعي العام، وأي كلمات تُصاغ بها صورة البلاد ومخيلتها المشتركة.
وأكد النهار أن "العلاقة بين السياسة والنشيد علاقة تأثير متبادل: فحين تتغير السلطة أو تتبدل المنظومة السياسية قد يظهر ذلك في النشيد نفسه عبر تعديل الكلمات أو اعتماد نشيد جديد، أو حتى عبر إعادة توظيف النشيد في الفضاء العام، إذ إن بعض الأنظمة تبقي النشيد مرتبطاً بها ليصبح جزءاً من السيطرة على الوعي الجمعي، بينما تلعب التحولات الأيديولوجية دوراً في توجيه مضمون النشيد ودلالاته".
بين السلطة والذاكرة… مَن يملك النشيد؟
وعلى رغم هذا البعد السياسي، لا تنتهي وظيفة النشيد عند حدود الدولة وحدها. فاليوم، كما خلص عمار النهار "لا يزال النشيد يحمل وظيفة سياسية، لكنه أصبح أيضاً جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعوب، حتى عندما تختلف المواقف من السلطة. هنا يصبح النشيد رمزاً متصلاً بالوطن نفسه: بالألم والصراع والطموح، وبالأسئلة التي لا تنتهي حول الهوية والانتماء".
وفي المحصلة، يكشف تتبع مسارات مصر وليبيا وسوريا أن النشيد الوطني ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل وثيقة صوتية تختصر تاريخاً من التحولات، إنه مرآة تتغير انعكاساتها كلما تغيرت السلطة، وكلما تصارعت الروايات حول معنى الوطن، ومن يملك حق تعريفه.