ملخص
منذ كان الرسام الفرنسي هنري دي تولوز ـ لوتريك في سن المراهقة، أوى أول ما أوى، إلى مكان يتناقض كلياً مع ما كان يمكن لوضعه العائلي أن يسمح له به، مكان لم يكن سوى كباريه المولان روج (ملهى الطاحونة الحمراء) الذي لا يزال قائماً حتى اليوم ويعد من معالم باريس وسط منطقة بيغال - التي تعد نظرياً واحدة من أكثر مناطق باريس "انحطاطاً" وتجاوزاً للأخلاق الحميدة - على قدم المساواة مع برج إيفيل وكاتدرائية نوتردام، وقوس النصر
منذ العراقة التي يحملها اسمه العائلي، يكتشف المتعامل مع الفنان الفرنسي هنري دي تولوز - لوتريك، أنه لا يتعامل من مبدع آتٍ من الحثالة والطبقات المتواضعة التي تضخ الحياة الفنية عادة، ولا سيما في المدن الكبرى، بأهم مبدعيها الذين غالباً ما يعوضون على ما يشعرونه من نقص في حياتهم، بإبداعهم كنوع من الرد على أوضاعهم الطبقية والظلم الاجتماعي الذي يحيط بهم. وهم يفعلون ذلك تحديداً وسط بيئة غالباً ما تضعهم أمام اختيارات بالغة المحدودية: فهم إما يثأرون لأوضاعهم عبر خوضهم المشاكسة، الشريرة غالباً، على المجتمع فيشكلون حثالة مُجرميه، وإما ينصرفون إلى إبداع ربما تعوض به الطبيعة عليهم، فيكون ثأرهم هنا خلاقاً.
ولعل حال تولوز - لوتريك نموذجية في انتمائه الواضح إلى الفئة الثانية. فنحن نعرف في نهاية الأمر أنه كان من قدر هذا الإنسان أن يولد منتمياً إلى واحدة من أكثر الطبقات نُبلاً وغنى في المجتمع الفرنسي، ولكن كان من قدره أيضاً أن يصاب باكراً بتشوهات جسدية جعلت منه قزماً قميئاً وشخصاً معاقاً. فانتقم لنفسه بأن تحول إلى فنان، بل إلى صاحب فن مميز يعد علامة أيقونية في تاريخ الفن.
بل أكثر من ذلك بات خلال السنوات القليلة التي انصرف فيها لممارسة فن الرسم، قبل أن يرحل عن عالمنا عن 37 سنة، واحداً من أفضل الملونين ورسامي حياة اللهو والمرح ورسامي المرأة، في الحياة الفنية الفرنسية خلال الربع الأخير من القرن الـ19، أي الحقبة التي شهدت ظهور كبار عمالقة الفن الانطباعي في فرنسا عموماً، وباريس خصوصاً.
ارتباط بالمكان الأغرب
ولعل المكان الذي ارتبط به تولوز - لوتريك ارتباطه الأساس خلال سنوات حياته الباريسية، يكفي لكي يضعنا أمام القناعة الحاسمة بالنسبة إلى ما نقول.
فالفتى الذي كانه هذا الرسام الذي على رغم يسر أسرته وانفتاحها على العالم، ومنذ كان في سن المراهقة، أوى أول ما أوى، وبما يشبه المعجزة، إلى مكان يتناقض كلياً مع ما كان يمكن لوضعه العائلي أن يسمح له به، مكان لم يكن سوى كباريه المولان روج (ملهى الطاحونة الحمراء) الذي لا يزال قائماً حتى اليوم ويعد من معالم باريس وسط منطقة بيغال - التي تعد نظرياً واحدة من أكثر مناطق باريس "انحطاطاً" وتجاوزاً للأخلاق الحميدة - على قدم المساواة مع برج إيفيل وكاتدرائية نوتردام، وقوس النصر.
ونعرف كم أن فن تولوز - لوتريك ارتبط بالمولان روج، بل إن حياته كلها ارتبطت به، بالتالي يمكن القول إن ما فنان عرف كيف يصور حياة الليل الباريسية وحياة اللهو وأجمل نساء تلك الحياة - بل أقبحهن كذلك في بعض الأحيان - بقدر ما فعل هذا المبدع الذي إذ حرمته الطبيعة من المظهر حسن، عرف هو كيف يعبر في لوحاته وملصقاته عن "أجمل ما في الليل الباريسي" في عشرات الأعمال الفنية التي خلدت ذلك الليل وكشفت عن جماله وغالباً من خلال بؤسه إنما مع تفادي أن تكون أعمالاً بائسة أو بؤسوية بالطبع.
ولئن كان من غير الممكن تقديم عشرات أعمال تولوز - لوتريك التي عبرت عن مكانه الأثير ذاك، وعن نظرته المفعمة بكل آيات الجمال كما تمثله، بخاصة في ذلك المكان الذي سرعان ما بات كل حياته ووجوده وسعادة ذلك الوجود، حسبنا هنا أن نتوقف عند واحدة من اللوحات التي صور فيها، ليس ذلك المكان بالتحديد، بل الحياة نفسها في ذلك المكان.
راقصتا الفالس
هي بالتحديد لوحة يكاد عنوانها يعبر عما نقول: "راقصتا الفالس في المولان روج" (1892). ومن غرابة الأمور أن هذه اللوحة غير معروضة في باريس، بل في المتحف الوطني ببراغ عاصمة تشيخيا ولا يزيد ارتفاعها على 95 سم مقابل عرض يبلغ 80 سم، وهي تعد من أجمل لوحات الرسام وأكثرها واقعية... بل ربما تكون هذه اللوحة التي تصور شيئاً من أجواء الكباريه الواقع في أسفل تلة مونمارتر، أكثر واقعية حتى من الملصقات العديدة التي كان الرسام يمد بها الملهى فتطبع في مئات النسخ وتوزع لتعلق في المقاهي والمحال، وغالباً من دون أن يتنبه الجمهور العريض إلى اسم رسامها.
ومن المؤكد أن اللوحة التي نحن في صددها تمثل مشهداً اختزنه الرسام في ذاكرته كجزء مما عايشته هذه الذاكرة في ذلك "البيت" الذي كان أكثر إلفةً له من بيته. وهذا ما يضفي على اللوحة حميمية وإلفة باديتين وكأننا إزاء لوحة عائلية تنقل سهرة شديدة الإلفة بالنسبة إلى راسمها، إلفة سرعان ما تنقل عدواها إلى المشاهد الذي يرى نفسه وكأنه جزء من السهرة. وربما يشعر أن السيدتين اللتين ترقصان بكل تلك الإلفة التي تجعلهما تبدوان وكأنهما تقومان بعمل روتيني بالكاد يتسم بأي طابع احتفالي، بل إن كلاً من السيدتين، اللتين ترتديان ثيابا شديدة العادية، بل تصل إلى حد الاحتشام اليومي وكأنهما من أهل البيت، بينما بقية الحضور، ولا سيما أولئك الجالسين في خلفية المشهد يتعاملون مع هذا الحيز وكأنه جزء من حياة يومية معتادة، بل إن ثمة ما هو على أية حال، أكثر دلالة على أهمية هذا المكان من فعل الرقص وكأنه رقص أنثوي متعارف عليه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختلاط البشر وذوبان الاجتماع
فمن الواضح هنا أن الرسام، ومن الناحية السوسيولوجية التي يعبر عنها في فنه دون أن يكون بالضرورة على معرفة بأعماق دلالاتها، إنما يرسم صورة هذا النوع من الملاهي الليلية في ذلك النوع من الأحياء، لكونها ليست في حقيقتها سوى ذلك المصهر الذي يمزج المشاعر كما يدمج الطبقات فيتجاور البروليتاري مع الثري، مع كريم الأخلاق، والنساء مع الرجال.
هنا وكما يفيدنا تولوز - لوتريك لا يعود للبوزجوازي أية حقوق خاصة تميزه عن البسطاء والرعاع. كلهم هنا سواسية في حال ينعدم فيها تخصص الشرير في شره وتميز الخلوق بأخلاقه.
أما الرسام فيمتلك تلك النظرة الرهيفة التي تسمح له، من موقعيه المتمايزين تماماً، موقعه الجسدي من ناحية، والروحي المرفه من ناحية ثانية، تسمح له بأن يكون بريشه وألوانه، حكماً يوزع على شخصيات اللوحة وزواياها قدر ما يشاء من المكانة والعاطفة والشغف، بل إن في إمكاننا وبحسب راصدي تلك المرحلة، أن نتعرف حقاً على شخصيات معينة شهد فن الرسام على حضورها في المكان فجمعها معاً من دون أن يعبر المشهد عن اجتماعها عن قصد. فعلى يسار اللوحة نتعرف على الكاتب فرنسوا غوتزي، وإلى اليمين الرسام شارل كوندي، أما جين أبريل نجمة المكان وتلك الحقبة فها هي ترقص مرتدية السترة الحمراء وهي نفس السترة التي نعرفها في عديد من الملصقات التي أبدعها تولوز - لوتريك معلناً عن أيام غنائها في المولان روج نفسه.