ملخص
أظهر تقرير "حال الدولة 2025" أن دخول أفواجٍ من الإسرائيليين من مواليد الخمسينيات والستينيات إلى مراحل الشيخوخة المتقدمة كان له أثر واضح في ديناميات النمو السكاني، إذ تشير تقديرات مركز "طاوب" إلى أن عدد الوفيات سيزداد بين أعوام 2025 و2040 بنسبة 77 في المئة. وتشير تحليلات لمركز "رؤية" للتنمية السياسية، أن هذا التطور يمثل نقطة تحول في تاريخ إسرائيل، إذ إن بقاء معدل النمو دون 1.1 في المئة يضع المجتمع الإسرائيلي عند عتبة الانكماش الديموغرافي.
منذ نشأتها في عام 1948 عملت إسرائيل بقوة إلى تشجيع النساء اليهوديات على الحمل والولادة على اعتبار أنها أحد أهم وأبرز أعمدة الأمن القومي الإسرائيلي، ولم تكتف في خمسينيات القرن الماضي بالإعلان عن "جائزة الدولة للولادة" ومنح العوائل التي تنجب أكثر من 10 أفراد منحةً مالية، بل دشّنت مؤسساتٍ رسمية لوضع استراتيجيات تهدف إلى زيادة معدلات الولادة، وقدمت سيلاً من التسهيلات لكل عائلة تنجب 4 أفراد أو أكثر، وربطت زيادة مخصصات الضمان الاجتماعي بزيادة عدد الأولاد مع دفع رسوم الولادة، ودعم ما بعد الولادة، وتقديم رعاية خاصة لمَن يجرين عمليات ولادةٍ قيصرية، كذلك خصصت موارد ضخمة لإجراء العمليات التي تساعد النساء الإسرائيليات على معالجة العقم، ومنحتهن عقاقير مجانية تساعد في الحفاظ على أكبر مستوى من الخصوبة لديهن، وموّلت عمليات علاج نقص الخصوبة بواسطة التقنيات، لدرجة أنها قدمت منحاً مالية للنساء اللواتي يقلّصن الفترة بين مرات الإنجاب، بحيث لا تتجاوز 30 شهراً. إلا أن كل سياسات وموارد الدولة التي تحتل المرتبة الأولى عالمياً في معدل دورات التلقيح الاصطناعي للنساء في سن الإنجاب، سقطت اليوم أمام واقعٍ مقلق غير مسبوق، فقد كشف مركز "طاوب" لأبحاث السياسة الاجتماعية في إسرائيل مطلع العام الحالي، أن النمو السكاني في إسرائيل وصل في سابقة تاريخية الى أقل من 1 في المئة، وهو مؤشر على دخول إسرائيل مرحلة ديموغرافية مختلفة أشبه بدول أوروبا.
ووفقاً لبيانات المركز، تشهد إسرائيل تراجعاً ملحوظاً في نسبة الولادات لدى النساء اليهوديات من مختلف التوجهات والطوائف، فخلال العقد المقبل سينخفض معدل الولادات بين العلمانيات والمحافظات من 1.9 و2.2 طفل إلى 1.7 طفل حالياً، وبين النساء اليهوديات المتدينات من 3.74 طفل إلى 2.3 طفل، في حين من المتوقع تراجع عدد ولادات النساء في المجتمع الديني المتزمت (الحريدي) من 6.48 طفل إلى 4.3 طفل. وأشارت البيانات إلى أن نحو 15 في المئة من الأطفال الذين يولدون في المجتمع "الحريدي" يهجرونه عندما يصلون سن الشباب. وبعيداً من احتساب 2.1 مليون عربي و260 ألف أجنبي وسكان القدس العربية البالغ عددهم نحو 380 ألفاً، وسكان الجولان البالغ عددهم قرابة 24 ألفاً، الذين يعيشون جميعهم ضمن حدود دولة إسرائيل، لا يتجاوز عدد اليهود والعائلات المختلطة مع اليهود في إسرائيل 8 ملايين نسمة.
نقطة تحول
وبحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، أظهر تقرير "حال الدولة 2025" أن دخول أفواجٍ من الإسرائيليين من مواليد الخمسينيات والستينيات إلى مراحل الشيخوخة المتقدمة كان له أثر واضح في ديناميات النمو السكاني، إذ تشير تقديرات مركز "طاوب" إلى أن عدد الوفيات سيزداد بين أعوام 2025 و2040 بنسبة 77 في المئة. وتشير تحليلات لمركز "رؤية" للتنمية السياسية، أن هذا التطور يمثل نقطة تحول في تاريخ إسرائيل، إذ إن بقاء معدل النمو دون 1.1 في المئة يضع المجتمع الإسرائيلي عند عتبة الانكماش الديموغرافي، لأن الحفاظ على حجم السكان للوصول إلى مستوى الإحلال (معدل الخصوبة الإجمالي اللازم لتساوي عدد المواليد وعدد الوفيات من جيل إلى آخر، الذي يحافظ بدوره على مستوى ثابت من عدد السكان) يتطلب معدلاً قريباً من 2.1 في المئة من حيث النمو الطبيعي. ونظراً لانخفاض معدلات الخصوبة، إلى جانب ازدياد الوفيات نتيجة شيخوخة السكان، وحدوث اضطرابٍ متصاعد بين المواليد والوفيات، باتت الهجرة تلعب دوراً أكثر أهمية، فخلال العامين الماضيين هاجر إسرائيل نحو 37 ألف نسمة. ويلفت تقرير للجنة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أخيراً، إلى أن التوترات السياسية، والتدهور الأمني، والسياسات المالية الحكومية خلال السنوات الأخيرة، كانت أسباباً رئيسةً ومركزية لهجرة كثيرين، إذ باتت إسرائيل التي حافظت لعقود على أعلى معدلات الخصوبة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تعتمد أكثر فأكثر على حركة السكان عبر الحدود. ووفقاً للتقرير، فقد غادر إسرائيل عام 2025 نحو 69300 شخص بنية الإقامة طويلة الأمد، بينما عاد أو هاجر إليها نحو 19 ألف شخص فقط. ومنذ بداية 2023 وحتى نهاية 2025 غادر إسرائيل أكثر من 211 ألف شخص مقابل عودة أو هجرة جديدة بلغت 67 ألفاً فقط. ووفق اللجنة الخاصة بالشباب الإسرائيليين التي تناقش هجرة الشباب والعائلات داخل الكنيست، فإن الشعور المتنامي بعدم اليقين السياسي والاعتقاد بأن التيار اليميني يسعى إلى إحكام قبضته على مراكز القرار وسط تراجع الثقة بالأسواق والائتمان، واتساع الهوة الثقافية والقيمية بين العلمانيين في المركز الحضري وبين الاتجاهات اليمينية المهيمنة، زاد من نسب الهجرة في إسرائيل، لا سيما بين الشباب.
وأظهر تقرير هيئة الابتكار الإسرائيلية الصادر في أبريل (نيسان) 2025 من العام الماضي، مغادرة 8300 عامل في مجال التكنولوجيا المتقدمة إسرائيل بشكل دائم، بما يمثل 2.1 في المئة من قواها العاملة، في حين أن عدداً غير معتاد من الإسرائيليين غادروا الدولة بلغ 82 ألفاً و700 شخص، بما يمثل ارتفاعاً حاداً بنسبة 80 في المئة. في حين حذر رئيس معهد "ماغيد" يوسف زرا من أن التوترات الأمنية تتسبب بركود اقتصادي وتراجعٍ في الاستثمارات وتأثيرٍ طويل الأمد في خسارة الناتج القومي في إسرائيل بنسبة 6 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حوافز ومنح
وفي ظل شعور الإسرائيليين بالابتعاد من البيئة العامة واندفاع كثيرين للبحث عن فضاء آخر يشعرون فيه بقدر أكبر من الانسجام والأمان الشخصي والمستقبلي، أعلنت الحكومة الإسرائيلية نهاية العام الماضي، عن حزمة حوافز ماليةٍ وضريبية جديدة تهدف إلى تشجيع اليهود على الهجرة إلى إسرائيل، خصوصاً في أعقاب فوز زهران ممداني بمنصب عمدة ولاية نيويورك، التي تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، وتشمل الحزمة بحسب البيان الرسمي الحكومي، الإعفاء الكامل من ضريبة الدخل لمدة عامين للمهاجرين الجدد والمقيمين العائدين بعد انتقالهم إلى إسرائيل. كذلك سيستفيد من هذا الإعفاء المقيمون العائدون الذين قضوا 10 سنوات أو أكثر في الخارج، وكذلك المهاجرون الجدد الذين سينتقلون في عام 2026. ووفقاً لما ذكرته صحيفة "إسرائيل اليوم" مطلع الشهر الجاري، فإن الحكومة الإسرائيلية تُعد رؤية شاملة غير مسبوقة لجلب مليون يهودي إلى إسرائيل من جميع أنحاء العالم خلال عقد من الزمن "في إطار جهد استراتيجي لتعزيز الاقتصاد والديموغرافيا والعلاقات مع الجالية اليهودية في الخارج". وبحسب الصحيفة فإن "هذه المبادرة تأتي في وقت تواجه إسرائيل حاجة متزايدة لتعزيز مواردها البشرية، إلى جانب رغبة في تجديد الثقة والتواصل مع يهود العالم". وتشير تقديرات رسمية إسرائيلية، إلى أن عدد اليهود في الولايات المتحدة يبلغ نحو 6.3 مليون يهودي مع وجود جالياتٍ كبيرة في فرنسا وكندا وبريطانيا والأرجنتين وروسيا وألمانيا وأستراليا وغيرها.
أصول يهودية
بموازاة ذلك، صادقت الحكومة الإسرائيلية أخيراً، على خطة جديدة لاستقدام أفراد طائفة "بني منشيه" التي تعيش في ولايتي "مانيبور" و"ميزورام" شمال شرقي الهند، والتي تقول إسرائيل إنها "ذات أصول يهودية" لتوطينهم في منطقة الجليل، في إطار الخطط الاستيطانية لزيادة أعداد المستوطنين في شمال إسرائيل. ووفقاً لما هو معلن، ستعمل وزارة الهجرة والاندماج الإسرائيلية على جلب 1200 مهاجر يهودي جديد حتى نهاية عام 2026، على أن يرتفع العدد الإجمالي للمستقدمين من الطائفة ذاتها إلى نحو 5800 شخص بحلول عام 2030. ومن المتوقع بحسب صحيفة "إسرائيل هيوم" الإسرائيلية، أن يتم إسكان معظم المهاجرين الجدد في مدينة "نوف هجليل" (الناصرة العليا)، التي تضم كثافة واسعة من المستوطنين اليهود ذوي الأصول الروسية، إضافة إلى بلدات أخرى في الجليل، في ظل استمرار سياسات جلب اليهود من مختلف أنحاء العالم. وتشير المعطيات الاسرائيلية إلى أن نحو 4 آلاف يهودي من طائفة "بني منشيه" كانوا قد هاجروا بالفعل من الهند إلى إسرائيل خلال العقدين الماضيين، ضمن برامج الاستقدام التي تديرها مؤسسات تُعنى بالهجرة الدينية والقومية، التي أجرت حديثاً مناوراتٍ تحاكي سيناريوهات هجرة جماعية طارئة ليهود العالم، بهدف اختبار جاهزية المؤسسات الإسرائيلية المختلفة لاستيعاب موجاتٍ كبيرة من القادمين الجدد. ويتيح "قانون العودة" الصادر عام 1950 ليهود العالم حق الهجرة إلى إسرائيل ونيل جنسيتها، مع تكفل الدولة بتسهيل هجرتهم، وبعد أن كان القانون يسري فقط على مَن ولِدوا من أم يهودية جرى تعديله عام 1970 ليسمح لمَن يثبتون بالدليل أن نسبهم يتصل بأجداد يهود ولو منذ أجيال بعيدة، بالهجرة والحصول على الجنسية الإسرائيلية.