Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مطامع ترمب في غرينلاند تدفع التحالف الغربي إلى حافة الانهيار

تهديدات الرئيس الأميركي وخطر نشوب حرب تجارية جديدة مع أوروبا يدفعان حلف "الناتو" إلى أعمق أزمة له منذ الحرب العالمية الثانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال جلسة عامة لحلف الناتو في لاهاي، هولندا، يوم الأربعاء 25 يونيو 2025 (أ ب)

ملخص

مطامع ترمب بالسيطرة على غرينلاند وتهديده بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية المعارضة لمخططاته يفجران أزمة ثقة غير مسبوقة داخل "الناتو" تفتح الباب أمام خصوم الغرب لاستغلال هذا التصدع.

لم يعد الخلاف بين ضفتي الأطلسي مجرد تباين في وجهات النظر أو سجال عابر حول نسب الإنفاق الدفاعي، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة تمزج بين التجارة والأمن والسيادة، مهددةً الأسس التي قام عليها حلف شمال الأطلسي منذ أكثر من سبعة عقود. فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين، إذا لم يذعنوا لمطلبه بامتلاك غرينلاند، فجرت أزمة غير مسبوقة وضعت مستقبل التحالف الغربي على المحك.

ويرسم تقرير، نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، صورة قاتمة لتحالف كان حتى وقت قريب العمود الفقري للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. فترمب، في مسعاه إلى السيطرة على الإقليم الدنماركي الاستراتيجي، دمج ملفين شديدي الحساسية – التجارة والأمن – في معادلة واحدة، ملوحاً باستخدام القوة الاقتصادية الأميركية لمعاقبة أقرب الحلفاء.

قبل أشهر قليلة فحسب، كان مسؤولون في واشنطن وبروكسل يعتقدون أنهم نجحوا في احتواء التوترات، لكن اليوم، يبدو هذا الفريق مفككاً، فيما تتآكل الثقة التي شكلت الغراء الحقيقي للحلف، لا ترساناته العسكرية وحدها. فمصداقية "الناتو" قامت تاريخياً على قناعة راسخة بأن أميركا ستدافع عن أوروبا إذا تعرضت لهجوم، وأن المصير مشترك. هذه القناعة باتت الآن موضع شك عميق.

لم يقتصر تصعيد ترمب على لغة الرسوم الجمركية. فقد شكك علناً في جدوى مساهمات الحلفاء الأوروبيين، وهاجم إرسالهم قوات إلى غرينلاند بدعوة من الدنمارك، معتبراً أن واشنطن وحدها قادرة على "تأمين" الجزيرة. ثم أطلق التهديد الأخطر: رسوماً تبدأ نسبتها بـ10 في المئة على السلع الأوروبية، وترتفع إلى 25 في المئة، ما لم توافق الدول المعنية على صفقة "الاستحواذ الكامل" على غرينلاند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العواصم الأوروبية، أحدث هذا الخطاب صدمةً سياسية. فالحكومات التي حاولت طوال عام إدارة العلاقة مع البيت الأبيض عبر المجاملة وتقديم تنازلات محدودة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار قاس. بعض الدول يدرس الرد بإجراءات تجارية انتقامية قد تنسف الاتفاق التجاري الذي جنب الطرفين حرباً تجارية الصيف الماضي، بينما تفضل أخرى احتواء الأزمة عبر قنوات خلفية، خوفاً من دفع ترمب إلى خطوات أكثر راديكالية.

وحذر بيان مشترك أصدرته الدنمارك وسبع دول أوروبية من أن "تهديدات الرسوم تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتفتح الباب أمام دوامة خطيرة من التصعيد"، مؤكداً التزاماً أوروبياً برد موحد. غير أن القلق الحقيقي يتجاوز التجارة. فسيناريو الانقسام العميق قد يدفع ترمب إلى التشكيك العلني بالمادة الخامسة، وهي حجر الزاوية في "الناتو"، أو حتى التلويح بالانسحاب، ما سيجبر أوروبا على التفكير في بناء منظومة دفاعية مستقلة بتكلفة باهظة.

ويستحضر الأوروبيون اليوم مفارقةً مؤلمة. فهم، على رغم تقصيرهم التاريخي في الإنفاق العسكري، وقفوا إلى جانب واشنطن في محطات حاسمة، أبرزها تفعيل المادة الخامسة مرةً واحدة فقط، دفاعاً عن أميركا بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول). الدنمارك نفسها تكبدت أعلى خسائر بشرية قياساً بعدد السكان في أفغانستان. لكن إدارة ترمب أوضحت أن الماضي لا يشكل رصيداً سياسياً في حساباتها الحالية.

في خلفية المشهد، يلوح مستفيدان واضحان من هذا التصدع: موسكو وبكين. فإضعاف التحالف الغربي، كما يحذر دبلوماسيون وخبراء، يبعث رسالة ارتباك إلى الخصوم ويقوض قدرة الغرب على الردع. والأخطر أن أزمة غرينلاند، في نظر الأوروبيين، تفتقر إلى أي منطق استراتيجي مقنع، بخلاف الخلافات السابقة حول تقاسم الأعباء.

بينما تؤكد كوبنهاغن أن الجزيرة ليست للبيع، وتحذر من أن ضمها بالقوة سيعني نهاية "الناتو"، تبدو أوروبا أمام لحظة تاريخية فاصلة. فالتحالف الذي نجا من أزمات السويس والعراق، يواجه اليوم تحدياً مختلفاً في طبيعته وعمقه: أزمة ثقة مع الطرف الذي قاده لعقود. وفي عالم يزداد خطورةً، قد يكون هذا الشرخ أخطر من أي تهديد خارجي.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات