Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سوناتا الربيع" تروي نهاية استاذ التاريخ في ظل "البعث"

السجن والتعذيب والمنع من السفر جزاء من يخون أيديولوجيا النظام

من مسرحية "سوناتا الربيع" السورية (خدمة المسرح)

ملخص

تروي مسرحية "سوناتا الربيع" حكاية أستاذ التاريخ الذي تعرض للاعتقال بعدما رفض أن يضع علامة النجاح لابنة أحد المتنفذين في السلطة السورية البعثية البائدة.

في مسرحية "سوناتا الربيع" (دار الأوبرا السورية) نتعرف إلى ماضي شخصية مدرس التاريخ في جامعة دمشق، وما كابد من معاناة بين جدران المعتقل، وكيف تم تعذيبه ومنعه من السفر، ثم خصيه على أيدي رجال استخبارات النظام البائد. جسد هذه الشخصية الفنان مازن الناطور عبر أسلوب تعدد الأصوات، واعتمد فنون التقليد والتنكر والغناء عن نص من تأليف الكاتب جمال آدم وإخراج الفنان ماهر صليبي.

ولا يتأخر العرض السوري عن وضعنا في قلب الأحداث مباشرة، فنطل على ورشة طلاء جدران في إحدى الشقق الدمشقية الراقية. المكان الذي يروي عصام لجدرانه المتصدعة ما حل به بعدما قرر العودة إلى بلاده والتدريس في جامعاتها. كان الرجل قد حاز شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون في فرنسا، فخيب بذلك حلم أبيه بأن يراه دكتوراً (طبيباً بشرياً). أغنيات محمد عبدالمطلب وفيروز وصباح فخري عن دمشق تنبعث ألحانها من راديو الرجل الخمسيني، إذ ستكون هذه الأغنيات بمثابة توطئة لتحريض شريط الذاكرة. العودة من المغترب وقصة الحب التي جمعت عصام مع حبيبته الفرنسية ميري في أمسية من أمسيات المركز الثقافي الفرنسي في دمشق. هناك التقيا للمرة الأولى وشاهدا معاً فيلم "سوناتا الخريف" لبرغمان، ومن هناك أيضاً تعاهدا على الحب، واتفقا على الزواج الذي أثمر ابنتهما سوناتا.

العودة والفساد

يروي "سوناتا الربيع" كيف عاش الرجل قصة حب مع امرأته الفرنسية، وينجح أيما نجاح في بلاد المغترب، لكن عصام يقرر العودة إلى الديار مدفوعاً بحبه لوطنه، وبغية إطلاع الأجيال على تاريخ البلاد العريق. حلم سيصطدم مباشرة بواقع الفساد والمحسوبيات في الجامعة السورية، فأستاذ التاريخ الذي تعهد لأبيه بأن لا يتنازل لابن امرأة عن قناعاته، سيصطدم برعونة إحدى طالباته، والتي يصر والدها ضابط الاستخبارات في النظام البائد أن تنال ابنته المدللة علامة النجاح على حلقة بحث لم تكتبها. يصر الأستاذ الجامعي على رسوب طالبته، مما يعرضه للاستدعاء من قبل أحد الأفرع الأمنية، ومن ثم اعتقاله وتعذيبه ومنعه من السفر. يروي العرض وقائع حفلات التعذيب التي تعرض لها الأستاذ بعدما يظهر جلده ورفضه في الإذعان لطلبات الضابط، فيقوم هذا الأخير بخصي عصام ويفقده رجولته.  

مشاهد يتلوها الناطور مرة بلسان حال شخصيته، ومرات بأصوات الشخصيات التي يقوم بمحاكاتها، إذ اعتمد كل من مخرج العرض وكاتبه على فني التنكر والتقليد لأداء أصوات الجد والجدة والأب وسائق التاكسي ومذيع التلفزيون والمحقق، ولجأ بطل "سوناتا الربيع" في ذلك إلى استعارة طبقات صوتية متنوعة، إضافة لتقليد مشية ونبرة كل شخصية يستحضرها في ورشته المنعزلة، إلا من اتصالات هاتفية كانت تقاطعه، مرة من أرقام مجهولة، ومرة واحدة من ابنته وزوجته التي قررتا أن تعودا إلى باريس كي تعيشا هناك بعيداً من أجواء الحرب، فيما لم يستطع أستاذ التاريخ أن يلحق بهما بعدما منعته السلطات من السفر، وقامت بطرده من التدريس في الجامعة، مما اضطره للعمل في مهنة طلاء الجدران. فرضية تسوقها هذه المونودراما بنسخة استعادية بعد تقديمها في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2012.

وحاول المخرج ماهر صليبي السيطرة على عناصر العرض عبر سينوغرافيا صممها بنفسه، وكان قوامها الجدران البيضاء لشقة قيد التجهيز (ديكور محمد كامل)، فيما ترك عمق الخشبة (مسرح الدراما في دار الأوبرا) لفتحة نافذة عريضة وظفها لبث مقاطع من احتجاجات المتظاهرين في بداية الثورة السورية، إضافة لمحاولة التعويض عن المخاطب الغائب في مسرحية الممثل الواحد بمشاهد وصور لشخصيات يروي الممثل عنها. لعل أبرزها كان مشهد غرفة التحقيق التي يتحول فيها عصام إلى دور المحقق فيما نرى بطل العرض مكبلاً بالقيود ومعصوب العينين عبر تقنية الفيديو. لعبة طوعها العرض لاستعراض ماضي الشخصية وما تعرضت له من تنكيل وإذلال، مما أتاح تنويعاً على الأداء، وسنح في الوقت ذاته مساحة أكثر رحابة للممثل لإبراز أداوته والخروج من المونولوغ إلى تقنية تعدد الأصوات.

تحطيم الشقة

يختتم "سوناتا الربيع" بمشهد تحطيم عصام لجدران الشقة، بعدما يخفق في إصلاح الصدوع التي تتناثر في جدرانها، إذ يسقط ذلك على البيت السوري الذي لا بد من هدمه وإعادة بنائه من جديد، فيما نسمع ونرى على الشاشة في عمق المسرح أبيات من قصيدة للشاعر محمد الماغوط بصوت بطل العرض يقول: "تركوا لنا بقايا الشمس لندفأ/ بقايا الموائد لنأكل/ بقايا الليل لننام/ بقايا الفجر لنستيقظ/ بقايا الموسيقى لنسمع/ بقايا الأرصفة لنمشي/ بقايا الأصابع لنكتب/ ثم يتركون لنا بقايا الوطن (...) لنقاتل ونموت من أجله". أبيات يسوقها مخرج العرض لتبدو كخاتمة رثائية لأوطان يعاد في كل مرة هدمها وإعادة بنائها كدلالة على الثورة والجنوح إلى التغيير الجذري، في حين يصرم الإنسان عمره الفردي فداءً لأعمار الشعوب التي ينتصر لحقها في الحرية والكرامة وتكافؤ الفرص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا تأتي مونودراما "سوناتا الربيع" كمرثاة لأجيال كاملة من السوريين عاشت تحت نير القمع والاستبداد. محاكاة مثلت بشخصية أستاذ التاريخ بعداً من أبعاد الجريمة الجماعية، ونافذة على حلم يعيد كتابة التاريخ بعيداً من أوهام الأيديولوجيا بعثية كانت أم دينية. رافق ذلك مقطوعات موسيقية (خليل غادري) كانت في غالب الأحيان تأتي كتعليق على الحدث وفق ثيمات حزينة أو مرحة على آلتي الكمان والقانون، بينما أسهمت الإضاءة (ماهر هربش) في عزل المشاهد البصرية على الشاشة عن حضور الممثل على الخشبة. مقاربة جمالية نهلت من دمج الفوتوغرافيا والفيديو مع الأداء الإفرادي على الخشبة، وفي مرات عديدة كان لزاماً على الممثل أن يبدأ من جديد مع كل إعتام أو نقلة في سرد الحكاية، مما فاقم من تكرار بعض الجمل الحركية، أو جعل الممثل وكأنه يتبع لعناصر الضوء والموسيقى والفيديو، بدلاً من أن تكون هذه العناصر موظفة لخدمة تيار مشاعره.

مقاطعة الضوء والموسيقى للأداء رتبت بالتالي مهام إضافية على بطل "سوناتا الربيع"، وتركه في لحظات عديدة من العرض مشتتاً في استجابته لعالمه الداخلي، بدا ذلك أكثر من مرة في نقلات زمنية واضحة تريد استعادة ماضي القصة من حيث توقفت، فيما تضاء الخشبة بعد كل فقرة من فقرات المسرحية. لعل هذا يعود لكثافة الشخصيات النمطية التي قام مازن الناطور في تقليدها، لا سيما شخصيتي الجد والجدة وسائق التاكسي المحال على التقاعد، وما عاناه في خر عمره من تدبر ثمن جرعات السرطان لزوجته المريضة. كذلك محاولة الناطور إيجاد تمايز بين الشخصيات التي قام بأدائها، وما يعتورها من عيوب فيزيائية ومبالغات جسمانية في هيئتها. وربما لو حافظ الناطور على سرده لحكاية أستاذ التاريخ لما تراكمت لديه كل هذه المهام الموكلة إليه، لكن يبدو أن الإخراج فضل هذا الأسلوب في تجسيد أكثر من كاركتر للتقليل من البعد الفجائعي الميلودرامي للعرض، وإضفاء مسحة من الكوميديا التي كثيراً ما برع مازن الناطور في أدائها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة