Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التمثيل يحاور آلة الذكاء الاصطناعي في مسرحية لينا عسيران

"حب في شبه مدينة" عرض عبثي يوظف الرقص والموسيقى والسينوغرافيا

مشهد من مسرحية "حب في شبه مدينة" (خدمة الفرقة)

ملخص

مسرحية جديدة للمخرجة اللبنانية لينا عسيران عنوانها "حب في شبه مدينة"، تعد ثمرة تجربتها الأكاديمية في فرنسا، وفيها تجمع بين البعد الإنساني وجسد الممثل ومعطيات الذكاء الاصطناعي.

شخصيتان، "هو" و"هي"، هو عابر طريق وهي شابة نسيت اسمها، في شبه بيت وشبه مدينة، عبثيتان، مأسويتان، ساخرتان حتى على نفسهما.

قد يظن المشاهد أن الشخصيتين هاربتان من مسرحية لصموئيل بيكيت أو لأوجين يونسكو أو حتى إدوارد ألبي، تتكلمان كي تقولا كل شيء بما هو شبه كلام، راقصان  وشبه "مهرجين" في المعنى "البيكيتي"، يقفز "هو" مثل قرد وتصمت هي مستخدمة إيماء الوجه والحركة.

أما إلى شمال المسرح، في زاوية، فيجلس مغنٍّ وعازف عود و"خطيب" بالفصحى التي تتعارض مع حوار الشخصيتين، المتقطع والمتواصل بتقطعه. لكن الثلاثة يسهمون في أداء اللعبة المسرحية وعنوانها "حب في شبه مدينة" (مسرح المدينة، شارع الحمرا – بيروت)، للمخرجة لينا عسيران، نص حسن مخزوم، أداء ميران ملاعب وروى حسامي، الموسيقى والعزف والغناء لزياد الأحمدية...

لكن المشهدية والسينوغرافيا لا تكتملان إلا عبر "الآلة" أو "الماشين" التي تسمى "منحوتة أنيماترونية" أو "الجهاز الآلي التنفسي"، وهي تحتل فسحة من الخشبة (اليمين)، وتؤدي أكثر من دور، شبه دارمي وحركي وإلكتروني، فلا تبدو غريبة عن اللعبة، بل لعلها تمكث في صميمها.

 

قد يظن المشاهد للوهلة الأولى أنها تماثل على رغم معدنيتها، الشجرة في مسرحية "بانتظارغودو" ولكن مقلوبة، أو تجسيداً لأحد أشكال الفن الحديث أو ما بعد الحديث... لكنها الآلة التي تتمتع ببعض الإمكانات التقنية والتكنولوجية، الآتية من زمن الذكاء الاصطناعي الذي دخل المسرح الراهن في الغرب وأدخل الحالة الروبوتية اليه.

هذه الآلة تجمع بين الحيوية والجمود، وقد طوّرتها المخرجة لينا عسيران بالتعاون مع المتخصص في علوم الكمبيوتر شكري سويدي، وهي كانت أصلاً إحدى مواد أطروحة الدكتوراه في علوم المسرح التي حصلت عليها من جامعة كان - ازام الفرنسية. وكما يُشار في "بروشور" المسرحية، تجمع الآلة هذه بين تقنيات الميكانيكا الإلكترونية وفنون المسرح والهندسة الحاسوبية، مما يؤكد الحوار المتناغم بين الحضور البشري (الممثلون) والكيان الآلي.

أشكال تجريدية

في هذا القبيل شاهد الجمهور "أطراف" الآلة أو الجهاز تتحرك وترسم أشكالاً تجريدية محملة بدلالات ورموز ترتبط بحركة المسرحية والممثلين. لكن هذه الدلالات لم تكُن كافية لتخلق حالاً سينوغرافية أو حركية مكشوفة أو لتجسد أفكاراً وإشارات، على رغم أن  "أطراف" الآلة جسدت فراشات وغيوماً وسواها، وحاولت أن تتجاوب مع الممثلين في مواقف عدة. وبدا أن بعض المشاهدين لم يولوا اهتماماً بهذه الآلة "الغريبة" بعدما أسرهم الإداء الباهر للمثلة والممثل.

طبعاً الجمهور اللبناني (والعربي) لا يزال غير مهيأ كي يتلقى مثل هذا التوظيف للذكاء الاصطناعي مسرحياً وبصرياً ودرامياً، على رغم أن هذا الذكاء بات مرجعاً بصرياً وسينوغرافياً ودرامياً في المسرح الغربي ما بعد الحديث او البوست مودرن.

 

لكن البارز أن المخرجة شاءت أيضاً أن تلقي على الآلة المعدنية دوراً وظيفياً، فجعلت الممثل والممثلة يتعاملان معها كعنصر بنيوي، فيصعدان عليها كأنها شجرة ذات جذوع وأغصان، ويقفزان من فوقها ويمران من تحتها ويدوران حولها... ولئن اختارت أن تكون الخشبة  شبه فارغة في خدمة الممثلين، فيملآنها بحركتهما التعبيرية ورقصهما الممسرح وأدائهما المتحول والمتنامي، فهي اعتمدت كنبة واحدة كانت عنصراً بارزاً وسط السينوغرافيا، وكان لها أكثر من وظيفة، فهي ترمز إلى ما بقي من البيت الذي تملكه "هي" وتمثل نقطة ارتكاز وانطلاق دائمين للممثلين.

وإذا كانت شخصية "هي" مرتبطة بهذا البيت الافتراضي، الموحش الذي يمكن تصوره غرفة وسط أنقاض، فشخصية "هو" ليست سوى شخصية عابر طريق، مشرد، وحيد مثلما هي وحيدة، وقد دخل قافزاً مثلما يقفز القرد (إشارة داروينية). ثم كأنه وجد صورته في مرآة الفتاة التي لا تنتظر أحداً، فإذا هما متشابهان في جو الفقدان والخسارة والتروما النفسية، والخراب النفسي والمادي الذي يحيط بهما.

أما العلاقة بينهما فلم تكن علاقة عادية أو متساوقة، تبعاً لالتباسهما الدراماتورجي، وكذلك الحوار الذي ينتمي إلى نص الكاتب حسن مخزوم، ما كان ليبدو حواراً طبيعياً ومتوازناً، بل متقطعاً ومتوتراً ومبعثراً مثل حياتهما، وقد رسخته السينوغرافيا والرؤية الإخراجية شبه الديستوبية التي ارتأتها المخرجة لينا عسيران.

وقد توزع النص بين الممثلة روى حسامي والممثل ميران ملاعب والعازف على العود، الملحن والمغني زياد الأحمدية. وتنقل بين العامية والفصحى، بين الخطابة أحياناً (كلام زياد الأحمدية في البداية، وقد بدا طويلاً) والسلاسة والتوتر والانفعال وما يشبه "الارتجال".

وسعى النص والحوار إلى قلب مسار الأحداث والوقائع والمآسي، فدخلت الحرب الأهلية بحرب إسرائيل على لبنان، سواء في الجنوب وبيروت (اجتياح عام 1982) وبرزت المأساة الفلسطينية، التاريخية والراهنة. هذا زمن الخيبات والهزائم، زمن الاضطراب العام والشخصي، زمن الفرد والجماعة، القهر والموت واليأس.

 

لكن وسط هذا السواد لا بد من أن يطل شيء من بياض وزرقة، فالمدينة أولاً لا تزال قادرة على استعادة رمق من حياة، والبحر يرسل إيقاع موجه والأجنحة تبدو كأنها ترفرف... حتى الحب نفسه يغدو ممكناً، في هذا الزمن الرمادي. لكنه الحب المتوتر، غير المتصالح مع نفسه، القلق. أما العاشقان "هو" و"هي" فيبدآن قصة حب بلا بداية ولا نهاية، قصة حب مفتوحة على المصادفات. ولعل "هي" التي نسيت إسمها أو الذي تضعه بين هلالين، تتذكره في المشهد الأخير دلالة على استعادة الذاكرة المفقودة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المسرحية تستمد قوتها من اللعبة التي حبكتها المخرجة مع الممثلة والممثل، ومع سينوغرافيا الفراغ والإضاءة المكتفية بغايتها. وقد دمجت المخرجة عسيران بين التمثيل والرقص التعبيري والإيماء (أحياناً)، فتناغمت الحركة الجسدية بين هذيان مضبوط وتوتر وانبساط وتفجير الأحاسيس الخارجية والمكبوتة، بين الوعي واللاوعي.

وحضر الممثلان بقوة، وعاشا لحظات اللعب عيشاً داخلياً وحركياً، ووجدا على الخشبة فسحة من التعبير والانفلاش والانكماش، بحسب ما تفترض المواقف والأحاسيس والحالات النفسية. جعلا من المسرح فضاء من الحرية التي مارساها ببداهة وعفوية وإتقان ومراس، الواحدة مع الواحد، الواحد ضد الواحدة، في حركة شد وارتخاء، توتر وانفراج. وبدت الممثلة روى حسامي كأنها تقاوم الحال الطفولية والبراءة اللتين تظهران بوضوح على وجهها واللتين تشكلان طبيعة قسمات هذا الوجه، ولا سيما في لحظات التروما والقدرية (فاتاليتي) التي عاشتها كشخصية.

 في "حب في شبه مدينة" تضيف المخرجة والأكاديمية لينا عسيران إلى رصيدها مسرحية جديدة، فريدة بمشهديتها وحركيتها وجمالياتها، خصوصاً ببعدها التقني المتطور والمتقدم الذي تعمل عليه ضمن مشروعها البحثي والتجريبي المابعد حداثي، بحثاً عن فضاء مسرحي يوائم بين إنسانية الإنسان وتطور العصر نحو مستقبل لا يزال مجهولاً. تضاف هذه المسرحية إلى مسرحيتها السابقة "الأسانسور" (المصعد) التي حققت نجاحاً لافتاً قبل سنوات.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة