ملخص
على رغم التفاؤل السائد في الأسواق، تشير دراسات تاريخية إلى أن الطفرات المماثلة غالباً ما تنتهي بأزمات، وبينما تقلل مؤسسات كبرى من الأخطار، يرى المشككون أن أي انهيار قد يعيد توجيه الاقتصاد نحو مسارات أكثر استدامة.
اكتسب الاقتصادي الأميركي دين بيكر، سمعة خاصة بفضل قدرته على استشراف الكوارث الاقتصادية، وهو لا يكتفي بالتحذير منها نظرياً، بل يتصرف وفق قناعاته.
في أواخر التسعينيات، وبعدما حذر من فقاعة الأسهم، أعاد هيكلة استثماراته لتقليل انكشافه على السوق، وبعد أعوام قليلة، ومع تصاعد أسعار العقارات، باع مع زوجته شقتهما في واشنطن تحسباً لانهيار وشيك.
وكانت توقعاته في محلها، ففقاعة شركات الإنترنت انفجرت في مارس (آذار) 2000، وبلغت أسعار المنازل في منطقة واشنطن ذروتها عام 2006 قبل أن تهوي مع الأزمة المالية العالمية في 2009.
فقاعة تقترب من الانفجار
واليوم، يعود ذلك الشعور القاتم إلى بيكر، الباحث البارز في مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسات العامة، فالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي دفعت أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية، لكنه بدأ مجدداً تقليص انكشافه على ما يراه فقاعة تقترب من الانفجار. ويقول بيكر لصحيفة "واشنطن بوست"، "لا أتعمد إطلاق توقعات متشائمة، لكنني أراقب الاقتصاد بعين مفتوحة، وأحياناً أرى ما لا يراه الآخرون".
بيكر ليس وحده، فهناك مجموعة محدودة من الاقتصاديين والمتداولين الذين نجحوا سابقاً في التنبؤ بانهيارات كبرى، ويستعيدون اليوم الأضواء عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، في وقت يتزايد فيه الشك حول ما إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي أكبر من أن تكون حقيقية ومستدامة.
من بينهم مايكل بوري، المستثمر الذي ألهمت رهاناته ضد سوق العقارات في منتصف العقد الأول من الألفية كتاب "الرهان الكبير"، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، كشفت شركته "سايون لإدارة الأصول" عن رهانات على هبوط حاد في أسهم نجوم الذكاء الاصطناعي مثل "إن فيديا" و "بالانتير" خلال الأعوام المقبلة.
تصاعد الأصوات التحذيرية
وفي الشهر نفسه أطلق بوري نشرة عبر منصة "سابستاك" تحمل اسم "كاساندرا بلا قيود"، في إشارة إلى الأسطورة اليونانية التي كانت تتنبأ بالمستقبل من دون أن يصدقها أحد.
وكتب بوري أخيراً على منصة "إكس"، "'أوبن أي آي' هي نتسكيب (اشتهرت بمتصفحها نتسكيب نافيغيتور، المتصفح المهيمن في منتصف التسعينيات) الجديدة، محكوم عليها بالفشل وتنزف أموالاً"، مشبهاً الشركة الرائدة في الذكاء الاصطناعي بإحدى ضحايا فقاعة الإنترنت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم تصاعد الأصوات التحذيرية، فإنها لا تزال بعيدة من حسم النقاش، فالمستثمر الشهير جيمس تشانوس، الذي راهن على سقوط "إنرون" (شركة أميركية عملاقة في مجال الطاقة والسلع والخدمات، انهارت بصورة مروعة عام 2001 نتيجة لعمليات احتيال محاسبي واسعة النطاق)، يؤكد أن أصحاب الرؤى المخالفة غالباً ما يُهمَّشون أو يُتهمون بمحاولة التلاعب بالأسواق، ويقول "إما أن تُعامل كأحمق القرية أو كشرير متآمر، ولا مساحة بينهما".
"التفاؤل المفرط غالباً ما يسبق الانهيارات"
تدعم دراسات أكاديمية بعض هذا القلق لدى كبار المتخصصين الاقتصاديين، فبحث أجرته جامعتا هارفارد وكوبنهاغن خلص إلى أن التفاؤل المفرط غالباً ما يسبق الانهيارات، وأن أكثر التوقعات صعوداً ترتبط بأعلى أخطار السقوط، وأظهرت دراسة أخرى أن الأزمات المالية تصبح مرجحة بنسبة تصل إلى 40 في المئة عندما ينمو الائتمان وأسعار الأصول بسرعة في القطاع نفسه.
بالمقابل، ترى مؤسسات كبرى مثل "غولدمان ساكس" أن كثيراً من سمات الفقاعات السابقة غير متوافرة حالياً، فديون الشركات ما زالت منخفضة نسبياً، ومعظم مكاسب الأسهم العام الماضي جاءت من نمو الأرباح لا من تضخيم التقييمات.
لكن الباحث المخضرم في دراسة الفقاعات الاقتصادية، أندرو أودليزكو، يرى أن الأمور قد تغيرت، فاستثمارات الذكاء الاصطناعي باتت تتجاوز قدرة شركات التكنولوجيا العملاقة على تمويلها من تدفقاتها النقدية، مما يدفع إلى هياكل تمويل معقدة تذكّر بممارسات سبقت أزمة 2007. ويحذر قائلاً "عندما، وليس إذا، يحدث الانهيار، ستكون التداعيات أوسع وأشد خطورة".
وعلى رغم المخاوف، يرى بيكر أن انهياراً محتملاً قد لا يكون شراً مطلقاً، إذ يتيح، برأيه، إعادة توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر فائدة مثل التصنيع أو الرعاية الصحية. ويختم بالقول "إذا تبين أن الذكاء الاصطناعي لا يبرر كل هذا الزخم، فهناك استخدامات أفضل بكثير لتلك الموارد".