ملخص
قبل أيام، عادت شخصية الدب إلى الواجهة مع انطلاق أنشطة الاحتفاء بمئوية مبتكرها، الكاتب البريطاني مايكل بوند (1926–2017)، وما يميز بادينغتون ليس مجرد الاحتفاء بذكرى مبتكره، بل بكونه نموذجاً نادراً لشخصية ورقية استطاعت أن تقفز من الصفحات لتعبُر اللغات والثقافات، فمغامراته تُرجمت إلى أكثر من 40 لغة وبيع منها ملايين النسخ حول العالم، قبل أن تنتقل إلى السينما والتلفزيون والمسرح والمنتجات التعليمية وتدخل الألعاب الثقافية، ومع هذا الانتشار لم يعد بادينغتون بطلاً من ورق، بل أصبح رمزاً ثقافياً عالمياً، جزءاً راسخاً من أحلام الطفولة.
لم تكن علاقة المؤلف البريطاني مايكل بوند (1926–2017) بالكتابة مجرد مسار مهني، بل رحلة بدأت بذورها في قلب القاهرة عام 1945، حين نشر أولى قصصه القصيرة وهو متمركز مع الجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية، لكن حكاية عمره كانت تتشكل أمام عينه، مثقلة بمشاهد النزوح والفقد وحقائب الصغار المكدسة في محطات القطارات، بانتظار صياغة سردية تمنح تلك المشاعر الخرساء صوتاً مسموعاً. وفي عشية عيد الميلاد عام 1956، عثر على ضالته، دب محشو وحيد على رف متجر قرب محطة بادينغتون بلندن، اشتراه بوند لزوجته، ومنه انطلقت الذكريات، لتتبلور فكرة "القادم من بعيد"، الغريب الذي تتلخص حاجته الماسة في إشارة قبول.
هكذا، أطلّ بادينغتون على العالم في الـ13 من أكتوبر 1958، دبّاً ودوداً قادماً من أعماق بيرو، بقبعته القديمة، وحقيبته المهترئة، ومعطفه المكتنز بمربى البرتقال. رسم بوند ملامح كائن يفيض بالنبل، يخاطب الجميع بوقار "من فضلك يا سيدتي"، "اسمح لي أيها السيد"، من دون أن يتوانى عن توجيه "نظراته الحادة" لمن يتجاوز حدود اللباقة، وعلى رغم عفويته التي توقعه دائماً في المتاعب، فلديه قدرة على إصلاح الأمور، وقد وجدته عائلة "براون" تائهاً في الزحام، فتبنّوه ومنحوه اسماً جديداً يسهل عليهم نطقه: بادينغتون براون.
في المكان الذي عثرت عليه عائلة "براون" لأول مرة، في محطة بادينغتون بلندن، تم وضع تمثال برونزي للدب بادينغتون بالحجم الطبيعي تحت الساعة الكبيرة من عمل النحات ماركوس كورنيش اعترافاً بقيمته.
لكن ما يمنح هذه الشخصية رمزيتها، يكمن في تلك البطاقة المعلقة حول عنقه: "من فضلك، اعتنِ بهذا الدب، شكراً"، فهي اقتباس مباشر من بطاقات التعريف التي كان يضعها الآباء على صدور أطفالهم المهجّرين هرباً من مناطق القصف، وصفه بوند بأنه "أكثر مشهد حزين شاهده في حياته"، من خلال هذا الرمز البسيط، أراد توجيه قلوب الأطفال إلى "الآخر" الغريب وهو في أمسّ حاجته.
رحلة الدب الورقي
على مدى أكثر من 50 عاماً، واصل مايكل بوند كتابة مغامرات الدب بادينغتون، تاركاً شخصيته تنمو وتتبدل عبر الزمن. تغيّر مظهره كما تغيّر موقعه في العالم، ففي القصص الأولى لم يكن يرتدي أحذية، قبل أن تتحول أحذية ويلينغتون إلى جزء أصيل من هويته بعد أن أُضيفت إلى أول دمية محشوة صممتها شركة Gabrielle Designs عام 1972 لمجرد مساعدتها على الوقوف، فأعجب بوند بالفكرة وضمّنها النصوص والرسوم اللاحقة.
انتقل بادينغتون أيضاً من براءة الوافد الذي يوقع نفسه في المتاعب بسبب جهله بقوانين المدينة، إلى شخصية أكثر خبرة في التعامل مع البيروقراطية والمواقف الاجتماعية، من دون أن يتخلّى عن "النظرة القاسية" الشهيرة التي يوجهها لكل من يتجاوز حدود اللباقة.
ومع أن عالمه ظل محتفظاً بروحه الكلاسيكية، فإن بوند سمح بتسلّل ملامح العصر الحديث إلى القصص المتأخرة، من أجهزة الصراف الآلي إلى التكنولوجيا اليومية، من دون أن يخل بروح الشخصية القادمة من زمن آخر، وهكذا تطور بادينغتون من "لاجئ تائه" في محطة قطار إلى رمز للدبلوماسية الشعبية، ثابتاً في قيمه وحقيبته التي لا تخلو من مربّى البرتقال.
إلى جانب سلسلة "الدب بادينغتون"، كتب بوند أعمالاً للبالغين، تمزج الحبكة البوليسية بالسخرية والذوق الفرنسي في الطعام، كما كتب مسلسلات تلفزيونية، من بينها العمل الكرتوني الشهير The Herbs على شاشة الـBBC في أواخر الستينيات، وشارك في نصوص ومسرحيات قصيرة خارج أدب الطفل، مع ذلك ظل أدب الطفل المجال الذي عبّر فيه بوند بعمق، وجعله مساحة لطرح قضايا إنسانية كبرى كاللجوء والاختلاف واللطف، بلغة بسيطة ومباشرة، مما رسّخ مكانته كأحد أبرز كتاب هذا النوع الأدبي. وتقديراً لإسهاماته، نال وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1997، ثم لقب قائد الإمبراطورية البريطانية عام 2015.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع حلول مئويته، بدا إرث مايكل بوند وكأنه يستعيد حضوره في المشهد الثقافي البريطاني عبر مسارات أقرب إلى روحه الهادئة، فعلى امتداد عام كامل، عادت القراءة لتُقدَّم بوصفها فعل متعة ومشاركة عائلية، إذ تحولت "مقاعد بادينغتون" المنتشرة في المدن إلى نقاط للحكي، بينما أعاد المسرح الغنائي في لندن إحياء الدب الشهير في عرض موسيقي يعتمد على الحضور الحي والتقنيات المعاصرة، وفي قلب المدينة انفتحت الأرشيفات على الجمهور عبر معارض تعرض رسومات ورسائل وصوراً ظلت طي الكتمان، بالتوازي مع تجارب تفاعلية وجولات تمشي على خطى الأماكن التي شكّلت خيال الكاتب، من سوق بورتوبيللو إلى محطة بادينغتون نفسها.
رسالة من العالم الآخر
على رغم اختلاف البيئة والسياق بين بادينغتون والأمير الصغير لأنطوان دو سانت إكزوبيري، فإنهما يشتركان في شخصية البطل الجاد وأدبه الجم، اختار بوند أن يكون الدب قادماً من مكان بعيد جداً (بيرو) لتعزيز فكرة "اللاجئ الأجنبي" الذي لا يملك منزلاً ولا يعرف أحداً، واختار إكزوبيري أن يقع علينا من كويكب بعيد، وبدلاً من الهروب إلى الفنتازيا والصحراء الصماء، وضع بوند بطله في قلب لندن الصاخبة، وجعل الواقعية البريطانية الصارمة تتعايش بسلاسة مع خيال طفولي غض، فتتحول المفارقات إلى مصدر الفكاهة لا الغرابة.
كلا العملين يشترك في بنية سردية وفلسفية تقوم على فكرة أن "الغريب" هو أصدق مرآة للمجتمع الذي يفقد حاسته بالتكرار، وفي كليهما يتردد السؤال نفسه عن المسؤولية والرحمة: من عبارة "أنت مسؤول إلى الأبد عما دجّنته" إلى بطاقة بادينغتون "من فضلك، اعتنِ بهذا الدب". غير أن الأمير الصغير يميل إلى تأمل وجودي حزين، بينما يختار بادينغتون تفجير الفكاهة من قلب المأساة.
لم يكن بوند يكتب مجرد حكايات للأطفال، بل كان يقدم صياغة مبكرة واستشرافية لصورة "اللاجئ المحبوب"، ذاك القادم من أقاصي المجهول، حاملاً تاريخه كله في حقيبة جلدية صغيرة، ومنتظراً إيماءة قبول واحدة تمنحه الأمان. واليوم، في زمن يستيقظ فيه العالم على تدفق مستمر للعابرين الحدود، يستعيد هذا النموذج ضرورته، كأنما يتردد صدى بوند في مئويته (2026) عبر ذلك الرجاء البسيط المعلّق حول عنق دب في محطة لندن، الذي تحول من التماس في قصة إلى نداء عالمي: "من فضلك، اعتنِ بهذا القادم من بعيد"