Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شيلي البريطاني يتغنى بحرب اليونان ضد العثمانيين

"هالاس" قصيدة الخروج من الصمت بحثاً عن الحرية والعدالة

برسي بيشي شيلي (1792 - 1822) (غيتي)

ملخص

يعتبركثراً من كبار المثقفين اليونانيين قصيدة الساعر الإنجليزي بيرسي شيلي "هالاس" بمثابة نشيد قومي لهم، فيما كان كثر من شعراء اليونان بمن فيهم يانيس ريتسوس وسيفيريس يعتبرونها "مدرسة" شعرية كونتهم وتخصهم

حتى وإن كان الشاعر البريطاني بيرسي بيشي شيلي قد عجز عن أن يصل بنضاله التحرري الميداني إلى اليونان لنصرة شعبها الذي كان يعيش ثورته الكبرى ضد الاحتلال العثماني لبلاده، - ثورة لن تصل إلى أغراضها بالفعل إلا بعد وقوف شيلي إلى جانبها بقرن تقريباً من الزمن - فإنه تمكن من أن يدعم تلك الثورة فكريا وروحياً وأدبياً، تماماً كما فعل في رفقته صديقه وزميله الشاعر اللورد بايرون.

صحيح أن بايرون تمكن من أن يصل إلى اليونان تحقيقاً لغايته ولو بشكل عابر ورمزي فيما عجز شيلي عن ذلك، إذ إن الموت المباغت فاجأه قبل أن يفعل، فإنه وفي مطلق الأحوال، كرس لنضالاته مع اليونانيين، قصائد وكتابات هزتهم من أعماقهم كما هزت أوروبا ولا تزال تحتسب حتى اليوم من أدب المقاومة العظيم.

ولعل شيلي أوصل ذلك الأدب إلى ذروته في قصيدته الطويلة، التي تكاد تكون ملحمية، والمعنونة "هالاس" (ما يعني باليونانية "بلاد اليونان"). و"هالاس" قصيدة صدرت، فور إنجاز الكاتب نظمها، عام 1821 أي قبل عام من رحيله مما يجعل منها وصية سياسية وإبداعية، وحتى لغوية، في الوقت نفسه.

ولن يبدو غريباً أن كثراً من كبار المثقفين اليونانيين يعتبرونها بمثابة نشيد قومي لهم، فيما كان كثر من شعراء اليونان بمن فيهم يانيس ريتسوس وسيفيريس يعتبرونها "مدرسة" شعرية كونتهم وتخصهم.

ولادة قصيدة

يذكر شيلي في صفحة الإهداء عند مفتتح القصيدة أنه انتهى من نظمها يوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1821 مؤكداً أن ما دفعه إلى إبداعها إنما هو عدم قدرته على الصمت أكثر وهو "الظمئ إلى الحرية والعدالة"، مما يعني أنه لا يقف موقف اللامبالاة أمام الثورة اليونانية التي "أيقظت لدى اندلاعها حالاً من الحماسة الشديد وأوحت إليَّ برؤية شعرية وأسطورية تشكل بطولات اليونانية خلال المرحلة الأولى من حربهم الاستقلالية، خلفيتها".

ومن اللافت حقاً أن شيلي إنما اختار كمدخل لقصيدته نشيداً جماعياً يؤديه فريق من كورال نسائي مؤلف من سجينات يصل إلى مسامع السلطان العثماني محمود، فيقض مضجعه ويدفعه إلى تأمل قلق، ثم وكأن هذا لا يكفيه، تأتي تلميحات وصيفته الهندية المنتمية بدورها إلى شعب يعاني نير الاحتلال العثماني، ليزيد في طين قلقه بلة.

وهكذا إذ تتقاطع الشكاوى الجماعية والفردية في مسامع السلطان على ذلك النحو، يتضخم الأمر في رأسه، إذ يستيقظ من نومه تماماً عند الصباح، فتتقاطع لديه رؤى تفزعه، إذ تكاد تؤشر له إلى قرب تفكك إمبراطوريته وزوالها، مع إشارة مباشرة في المنام، لا تخطئ في ترميزها إلى الموت، فلا يكون منه إلا أن يطلب من مساعده المدعو حسن أن يستشير في الأمر الشيخ العراف الحاسفيروس المعروف بتفسيره للأحلام.

ويسرع حسن بإرسال من يسعى إلى إحضار مفسر الأحلام من دياره البعيدة. وهو في انتظاره ينطلق في تذكير سيده بأن ما رآه ربما لا يكون سوى نوع من أضغاث الأحلام، مؤكداً له أن الإمبراطورية "قوية عسكرياً بحيث إنها لن تعجز هذه المرة أيضاً، عن مسح ثورة اليونانيين بإغراقها في الدماء"، وهو نفس ما كانت قد أنجزته في مرحلة سابقة وغير قديمة تاريخياً.

بين الحرب والحلم

وهنا وحتى وإن كان السلطان يجد شيئاً من الطمأنينة في كلام مساعده، فإنه يعبر عن رعبه أمام الكلفة البشرية الباهظة التي يدفعها العثمانيون ثمناً لما يسميه المساعد "انتصاراتهم"، إذ ها هم اليونانيون على رغم فقرهم يشنون ثلاث هجمات ضخمة على العثمانيين الذين يفوقونهم مع ذلك عدداً وعدة ونظاماً، فيقضون على كثير منهم. وها هو نفس هذا يحدث الآن من جديد تبعاً للأخبار التي تصل إلى القصر فيما حسن وسيده في انتظار مفسر الأحلام. "إن الأحلام تتحقق فأين هو هذا العراف اللعين؟" يتساءل السلطان وقد راح الغضب يستبد به. ويصل العراف لكنه يعلن على الفور أنه عاجز في الحقيقة عن تفسير حلم السلطان، فالعالم الحقيقي الذي نعيش فيه وتدور فيه الأحداث الحقيقية، يتغير على مزاج الأحداث التي يعجز الحلم الجامد الذي شوهد في لحظة معينة عن أن يسير تبعاً لها أو يسيرها، لكن السلطان يصر هنا على أنه لن يرضى بأقل من أن يعرف منذ الآن ما الذي سيحدث في المستقبل، فيقول له المفسر إن ليس ثمة ما هو أسهل من معرفة المستقبل على رغم كل شيء. فالمستقبل "ماثل في الماضي، تذكر الماضي يا مولاي فتجدك أمام المستقبل".

وتلوح هنا لعيني السلطان صورة من الماضي البعيد تخيم على فكره: صورة سقوط بيزنطة قبل مئات السنين، ذلك السقوط الذي منه ولدت الإمبراطورية العثمانية، ومع تلك الصورة يلوح له طيف المؤسس محمد الثاني يخبره مباشرة بأن إمبراطوريته ستنهار حتماً الآن تبعاً لما تشير إليه الأحداث المتتابعة.

وتنتهي القصيدة بكورال جديد يتصاعد غناؤه تدريجاً، يتحدث عن الانبثاق القريب والحتمي لإمبراطورية جديدة، إغريقية من جديد هذه المرة، اسمها "هيلاس" وستكون حتماً أضخم وأرسخ من إمبراطورية اليونان القديمة، حتى وإن كانت ستزدهر على منوالها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من النصر إلى الحضارة

في ثنايا قصيدته هذه يخبرنا شيلي أنه بالتأكيد لا يرى في انتصار القضية اليونانية مجرد انتصار لشعب من الشعوب أو لإرادة قوم من الأقوام، بل انتصار للحضارة نفسها، وانتصار لما يعتبره التنوير الأكثر اكتمالاً والمثل الأعلى الفكري.

وفي هذا الإطار تبدو المقدمة التي وضعها شيلي لقصيدته ذات أهمية فائقة. وذلك لأنها، أي المقدمة، تطرح رؤى بالغة الجدة تواجه الأفكار القومية التي كانت سائدة في نقاشات المثقفين على ضوء بدايات ازدهار فكر قومي يمهد للصراعات المقبلة بين الشعوب والأمم، أما هو فإنه يطرح في المقابل، من خلال مقدمته كما من خلال قصيدته، فكراً إنسانياً يبرره اختياره للثورة اليونانية لما تمثله هذه الثورة بالنسبة إلى أمة "لا يزال فكرها الإنساني يشع حتى يومنا هذا على العالم"، ومن ثم فإن الشاعر لا يتحدث هنا مناصراً أمة ضد أمة أخرى، بل داعياً إلى سيادة الفكر الإغريقي المستعاد على الضد من انغلاقية ليس فقط الفكر العثماني، بل أي فكر منعزل ضمن إطار أيديولوجية.

ومن هنا فإن شيلي يرى أن انتصار الثورة اليونانية إنما هو انتصار للإنسان في كل زمان ومكان، أو ذلكم ما كان يتولى قوله في قصيدته بل حتى من خلال وقوفه إلى جانب تلك الثورة التي يعقد عليها آمالاً كبرى، وهو للوصول إلى هذا جدد حتى في لغته الشعرية وفي وظيفة الشعر، إذ نجدنا هنا أمام نص طويل سيتحول حينا إلى أوراتوريو، وأحياناً إلى أغانٍ منفردة، بل مرة إلى أوبرا حققت حين قدمت نجاحاً كبيراً، وكل إضافة إلى احتفال المتلقين للقصيدة بذائقة شعرية عرفت كيف تجمع في بوتقة واحدة بين "سوناتات" شكسبير و"فردوس ميلتون المفقود" لخدمة قضية إنسانية واحدة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة