Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عائلة" للإيجار"... عاطفة معروضة للبيع

 فيلم لليابانية هيكاري عن استكشاف الأخلاق والاغتراب في عالم يعرض الحميمية كخدمة موقتة

الممثل بريندان فريزر (مواقع التواصل)

ملخص

على الورق، يبدو المفهوم شديد الثراء. يفتح الباب أمام أسئلة حول الأصالة، والعمل العاطفي، وتسليع الحميمية. غير أن الفيلم، في تنفيذه، يتردد بين دفء وجداني جذاب وسطحية تحليلية واضحة، فلا يذهب إلى النهاية في مساءلة التوترات الفلسفية والأخلاقية التي يستدعيها، بل يكتفي بالإيحاء بها ثم التراجع عنها.

في طوكيو يمكن أن تستأجر أباً أو زوجاً أو صحافياً أو حتى شخصاً يبكي في جنازتك. هذا هو العالم الذي يدخله فيلم المخرجة اليابانية هيكاري "عائلة للإيجار"، حيث تتحول المشاعر خدمة، والحميمية عقد، والاحتياج الإنساني صفقة موقتة.

حكاية تبدو في ظاهرها، حنونة ومتصالحة مع هشاشة الإنسان المعاصر، لكنها تخفي في عمقها مفهوماً كان يفترض أن يكون أكثر إرباكاً مما يسمح به الفيلم.

تدور الأحداث في طوكيو، حيث يتتبع العمل فيليب فاندر بلوغ، الممثل الأميركي المتعثر الذي يؤدي دوره بريندان فريزر، الذي ينضم إلى شركة تؤجر العلاقات البشرية.

على الورق، يبدو المفهوم شديد الثراء. يفتح الباب أمام أسئلة حول الأصالة، والعمل العاطفي، وتسليع الحميمية في عالم بات فيه الشعور نفسه سلعة قابلة للتداول. غير أن الفيلم، في تنفيذه، يتردد بين دفء وجداني جذاب وسطحية تحليلية واضحة، فلا يذهب إلى النهاية في مساءلة التوترات الفلسفية والأخلاقية التي يستدعيها، بل يكتفي بالإيحاء بها ثم التراجع عنها.

منذ المشاهد الأولى، يقدم فيليب بوصفه شخصية تعيش اغتراباً صامتاً. اشتهر بإعلان تجاري مبتذل لمعجون أسنان، ويتنقل في شوارع طوكيو بفتور حزين، محاطاً بصور مشبعة بالضوء.

 

 

دخوله إلى الشركة، يأتي عبر طقس تعريفي عبثي، يتمثل في حضوره جنازة وهمية ينهض فيها "الميت" ليستمتع بسماع مرثيته. يلخص هذا المشهد التوتر النغمي للفيلم، فهو مرح ومؤثر في آن، لكنه أيضاً يكشف مبكراً ميلاً سردياً لتغليب العاطفة السطحية على الاستقصاء العميق.

مع مرور فيليب بمهام مختلفة، تتكشف طبيعة الفيلم، حيث يتكون السرد من مشاهد قصيرة متتابعة تشبه حلقات مستقلة. يصادق فيليب لاعباً منعزلاً، وينتحل شخصية صحافي يحاور ممثلاً مسناً على طريق الخرف، ويؤدي دور العريس في زواج زائف صمم لحفظ المظاهر الاجتماعية.

كل حالة من هذه الحالات تلمح إلى إشكالات أخلاقية أعمق، تتعلق بالخداع، والرضا، والتلاعب العاطفي، غير أن الفيلم غالباً ما يسوي هذه الإشكالات عبر نتائج وجدانية مريحة، كما لو أن تحسن شعور الشخص المعني يكفي لمنح الفعل شرعيته الأخلاقية.

الوالد

يبلغ هذا المنطق ذروته الإشكالية في الخط السردي المتعلق بالطفلة ميا، التي تستعين والدتها بفيليب ليتقمص دور الأب الغائب، لتتمكن من القبول في مدرسة نخبوية. الطفلة غير مطلعة على الخدعة، مما يجعل هشاشتها العاطفية ثمناً جانبياً لنظام صمم أصلاً لراحة البالغين.

في هذا السياق، لا يبقى الخداع مجرد أداة سردية، بل يتحول إلى شكل من العنف الرمزي متنكر في ثوب الحنان. وعلى رغم أن الفيلم يلمح بخفة إلى الإحراج الأخلاقي لهذا الوضع، فإنه يسرع إلى تهدئة التوتر بمشاهد دافئة ومصالحة، متجنباً مواجهة السؤال الجوهري: هل يمكن لعاطفة منتجة عن خداع بنيوي أن تكون أخلاقية، مهما بلغت درجة لطفها؟

الأداء

يشكل أداء بريندان فريزر الركيزة العاطفية للفيلم. هشاشته المعهودة، منذ دوره الحائز على الأوسكار في "الحوت" (The Whale)، تمنح فيليب لطفاً فورياً يجعل التعاطف معه شبه تلقائي.

 

 

وجهه يصبح مساحة لإسقاط ندم خفيف وأمل متردد، مما يدعو المشاهد إلى الاستثمار الوجداني حتى حين يظل السيناريو مراوغاً. غير أن هذا الاعتماد على الكاريزما الوجدانية يكشف في الوقت نفسه أحد قيود الفيلم البنيوية.

فشخصية فيليب تبقى ناقصة التشكيل النفسي، ماضيه غائم، ودوافعه موحية أكثر منها مفهومة. وبهذا، يخسر السرد فرصة مساءلة أعمق لكلفة العيش عبر الأداء، والأخطار الكامنة في الخلط بين المحاكاة والاتصال الحقيقي.

أما الشخصيات المساندة، فتقدم لمحات عن فيلم أكثر تعقيداً يحاول أن يولد من دون أن يسمح له بذلك. تجسد ماري ياماموتو في شخصية أيكو، الممثلة المؤجرة التي تؤدي مراراً أدوار العشيقة التائبة نيابة عن أزواج جبناء، صورة الانحطاط الصامت الملازم لهذا العمل. مرارتها المكبوتة تلمح إلى الثمن العاطفي لأفعال الخداع الحميم المتكررة، لكن الفيلم يمنحها حيزاً سردياً محدوداً. وبالمثل، يقدم شينجي، صاحب الوكالة الذي يؤدي دوره تاكهيرو هيرا، بوصفه فيلسوفاً أخلاقياً نفعياً بمرح، يؤكد أن التلفيق العاطفي خدمة عامة في مجتمع يتسم بالعزلة ووصم العلاج النفسي.

يوحي خطابه بعمق اجتماعي وسيكولوجي أكبر مما يسمح الفيلم باستثماره فعلياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، يضع "عائلة للإيجار" نفسه ضمن تقليد سينمائي تناول العلاقات المؤجرة، لا سيما فيلم المخرج الألماني فيرنر هيرزوغ Family Romance, LLC (2019) الذي اقترب من الظاهرة بمزيج أكثر قلقاً بين الوثائقي والروائي، كاشفاً هشاشتها الأخلاقية وعدم استقرارها البنيوي.

وتدور أحداث الفيلم حول شركة يابانية تعمل على توفير ممثلين يؤدون دور أفراد العائلة أو الأصدقاء أو أي شخص يحتاج إليه العميل لأسباب عاطفية أو اجتماعية أو عملية. تتبع القصة يويتشي إيشيي مؤسس الشركة، الذي يستأجر لتقمص دور الأب الغائب لفتاة تبلغ من العمر 12 سنة.

خلال وقت يقضيه معها، تبدأ العلاقة بينهما بالتطور بطريقة تكشف الحدود الدقيقة بين الأداء الفني والعاطفة الحقيقية، مما يطرح أسئلة حول الوحدة، والحقيقة مقابل التمثيل، وقيمة العلاقات البشرية في عالم معقد.

 

 

بالمقارنة، يميل فيلم هيكاري إلى التسكين لا الإرباك، والطمأنة لا القلق. عالمه الأخلاقي يظل متماسكاً ظاهرياً حتى حين تستدعي الوقائع السردية قدراً أكبر من التفكيك والمساءلة، مما يجعله يتجنب مواجهة أسئلة تتعلق بالاعتماد العاطفي، والضرر طويل الأمد للروابط المصطنعة، واختلالات القوة الكامنة في الحميمية التبادلية.

بصرياً وسمعياً، لا يمكن إنكار براعة الفيلم. طوكيو المغمورة بضوء النهار في تصوير إيشيزاكا تشكل نقيضاً لصورة الليالي النيونية التي تهيمن على كثير من التمثيلات الغربية للمدينة، إذ تبرز بدلاً من ذلك ملمسها اليومي وإيقاعاتها الهادئة.

في جوهره، يطمح العمل، إلى استكشاف الحدود المسامية بين الأداء والإخلاص، متسائلاً عما إذا كانت المشاعر المتولدة عبر الخداع يمكن أن تكون حقيقية مع ذلك. وهو سؤال غير ثانوي، بل يقع في صلب النقاشات المعاصرة حول العمل العاطفي وتسليع الوجدان. غير أن الفيلم يتعامل مع هذا السؤال على نحو ضمني ومخفف، مكتفياً بتصوير الممارسة بوصفها خصوصية ثقافية حميدة، بل شبه علاجية، بدلاً من مساءلة الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الحميمية المؤجرة ضرورية ومربحة في آن.

يعكس هذا التصوير خطراً أخلاقياً، إذ يجعل الفيلم يحل الصراعات عبر التعاطف الفردي بدلاً من مواجهة النظام نفسه. المشكلة ليست فقط أن الشخصيات تكذب، بل إن السرد يدعو المشاهد لتقبل هذه الأكاذيب على أنها مقبولة، أحياناً حتى فاضلة، طالما جاءت بدافع العناية. هذا التجاهل يخفي علاقات القوة غير المتكافئة بين العملاء والمؤدين، وبين البالغين والأطفال، وبين الحقيقة والوجدان.

في المحصلة، إنه فيلم ودود، غالباً ما يكون مؤثراً، يستفيد إلى حد كبير من حضور فريزر اللطيف ومن تصميمه البصري والموسيقي المتقن. لكنه، في الوقت ذاته، فرصة ضائعة فكرياً.

باختياره العاطفة على حساب المساءلة، والسحر على حساب المواجهة، يظل الفيلم متاحاً وجدانياً لكنه فقير معرفياً. يلمح إلى أسئلة عميقة حول الهوية، والوحدة، وتسليع الرعاية، ثم يتراجع إلى منطقة الراحة قبل أن تتمكن تلك الأسئلة من زعزعة شخصياته أو جمهوره.

وبالنسبة إلى من يبحث عن دراما هادئة تأملية تتخللها لحظات دفء وحزن، سيكون الفيلم مرضياً. أما من ينتظر مساءلة أكثر جذرية لمعنى تأجير العلاقات، وأداء الهوية، ومحاكاة الاتصال الإنساني، فسيجد نفسه أمام بناء جميل المظهر، لكنه لا يفتح فعلياً أبوابه المعرفية.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما