ملخص
ألهمت أبحاث عباس بن فرناس التي دونها في كتاب آخرين ممن رغبوا في الطيران، إذ لا يزال الطيران الشراعي يعمل وفق نظريتين علميتين وضعهما، ويؤخذ بهما إلى اليوم في مجال الطيران.
رام عباس بن فرناس السماء، فصنع لنفسه أجنحة من ريش حريري وصعد إلى جرف عالٍ وأطلق نفسه في الهواء، محققاً بذلك أول تحليق لإنسان في التاريخ. ولقرون حكيت قصة الشاعر المغامر المجنون مثل أسطورة تداعب الخيال، واللافت للنظر أن سقوط ابن فرناس لم يكن نهاية الحلم بل إشارة البداية، إذ أضاءت محاولته الأولى شرارة سؤال لم ينطفئ، ماذا لو استطاع الإنسان، بجسمه وحده، أن يسبح في محيط السماء؟
واليوم لو خرج بن فرناس من كتب التاريخ وأقام بيننا، لشاهد أحفاده يملؤون الأفق ببدلات جناح شراعية وأجنحة نسيج خفيفة، فعلم أن حلمه تحقق، وتجاوز ذلك ليصبح رياضة عالمية وعلماً دقيقاً.
لذا فهذه ليست قصة اختراع ابتُكر خلال لحظة من الزمن وانتهت، بل رحلة فكرة جريئة وملحة عبر الزمن، فمن أجنحة الريش في الأندلس إلى مبادئ نيوتن و"ديناميكا الهواء"، وصولاً إلى منحدرات جبال الألب حيث يطير البشر اليوم كالنسور بكل ثقة وأمان.
الشرارة الأولى
بحسب بعض المصادر الثانوية، قبل نحو 20 عاماً من محاولة بن فرناس الطيران شوهد رجل يدعى أرمين فرمان يلف نفسه بعباءة فضفاضة مدعمة بدعامات خشبية ويقفز من برج في قرطبة، مستخدماً العباءة كجناحين للتحليق. لم تنجح محاولته للطيران، لكن العباءة أبطأت سقوطه بما يكفي ليصاب بجروح طفيفة فحسب.
مع ذلك، لا تشير المصادر الثانوية الأخرى التي تتناول محاولة ابن فرناس للطيران بتفصيل إلى أرمين فرمان إطلاقاً، فرواية العالم المغربي المقري عن ابن فرناس، باعتبارها المصدر الأساس الوحيد لقصة الطيران، لم تذكره. لذا من المرجح بالنسبة إلى الباحثين أن يكون أرمين فرمان هو ببساطة الاسم اللاتيني لعباس بن فرناس، فالمقري ذكر محاولتين لابن فرناس للطيران.
والحكاية الأكثر تداولاً تقول إن بن فرناس درس طبيعة الطيران على مدى 23 عاماً، قاده هذا في النهاية وهو في الـ70 من عمره إلى صنع جناحين من الحرير والخشب والريش، وصعد إلى تلة في منطقة الرصافة إحدى ضواحي قرطبة بإسبانيا، قرب جبل يسمى "جبل العروس" بعدما وضع اللمسات الأخيرة على آلته، وحدد وقتاً تجمَّع فيه الناس ليشاهدوا طيرانه. قذف بن فرناس بنفسه إلى الهواء وبقي في الجو لفترة وجيزة قبل سقوطه على الأرض وتحطم الشراع وتضررت إحدى فقراته. ولسوء الحظ، فإن الضرر الذي لحق به في الطيران منعه من إجراء مزيد من التجارب ليجسد اكتشافه الحاجة إلى الذيل ووظيفته في الهبوط.
ساروا على الدرب
ألهمت أبحاث ابن فرناس التي دونها في كتاب آخرين ممن رغبوا في الطيران، إذ لا يزال الطيران الشراعي يعمل وفق نظريتين علميتين وضعهما ويؤخذ بهما إلى اليوم في مجال الطيران.
وفي تتالي التجارب بعد ابن فرناس واعتمادها على ما وصل إليه، ظهرت أول دراسة حديثة حول اكتشاف أول محاولة للطيران في أوروبا، من خلال بحث علمي كتبه أستاذ التاريخ الأميركي لين هوايت، ونُشر في مجلة التكنولوجيا والثقافة (المجلد 2 – العدد 2) عام 1960، إذ أشار فيه إلى أن أول رائد للطيران في أوروبا هو "إيلمر مالمسبري" الذي كان راهباً في دير مالمسبري بإنجلترا، وقام بمحاولته المبكرة للطيران في بدايات القرن الـ11، فقد صنع إيلمر لنفسه جناحين من ريش ربطهما بذراعيه وساقيه وطار بهما بنجاح لمسافة محدودة، لكنه سقط على الأرض وأصيب بكسر في ساقيه وكان ذلك نحو عام 1010.
وتلتها محاولات طيران أخرى، فخلال عام 1250 حاول روجر بيكون وفشل في اختراع المنطاد. وانتهت محاولة ليوناردو دافنشي بتحطم من على جسر في فلورنسا خلال الثالث من يناير (كانون الثاني) 1496، مما أدى إلى اكتشافه أن شكل المقطع العرضي للجناح كان حاسماً لقدرة الطائر على البقاء محلقاً في الهواء، وهي فكرة أدت لاحقاً إلى اكتشاف الجناح. وخلال عام 1638 قفز المهندس التركي أحمد جلبي من أعلى نقطة في إسطنبول، من برج غلاطة الذي يبلغ ارتفاعه 62 متراً، وإذا صدقت الرواية فقد انزلق لمسافة ثلاثة كيلومترات عبر مضيق البوسفور ليحصل على مكافأة قدرها 1000 دينار ذهبي من السلطان مراد الرابع. وتقول المراجع إن نسبة الارتفاع إلى المسافة هذه تتجاوز بكثير نسبة أفضل الطائرات الشراعية الحديثة.
أما أبو تجارب الطيران الشراعي الذي حلق للمرة الأولى أثناء يوم ربيعي عام 1891 فكان أوتو ليلينتال، فخلال فترة ستة أعوام تقريباً قام بأكثر من 2000 رحلة طيران شراعي موثقة، وتوفي إثر حادثة تحطم عام 1896. وكرَّس ليلينتال حياته لفهم المبادئ الميكانيكية التي سمحت للطيور بالطيران من خلال الملاحظة الدقيقة والتجريب، ونشر هذه الحقائق للمرة الأولى عام 1889 ضمن كتابه "طيران الطيور كأساس لفن الطيران"، إذ تعد هذه الدراسة الشاملة، أول كتاب في مجال "الديناميكا الهوائية"، وتضمنت فصلاً أوضح فيه المؤلف أن مستقبل الطيران يكمن في الطيران بأجسام أثقل من الهواء.
وبالطبع، وقعت الفصول الأخيرة في هذه الحكاية عن الخبرة التراكمية عام 1903، خلال يوم عاصف من ديسمبر (كانون الأول) على شاطئ أميركي، إذ حقق الأخوين ويلبر وأورفيل رايت طيراناً مستداماً ومتحكماً فيه، محققين بذلك الأحلام التي بدأت في قرطبة منذ أكثر من ألف عام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التاريخ الحديث
شهدت رياضة الطيران الشراعي غير المزود بمحركات انتعاشاً ملحوظاً بعد الحرب العالمية الأولى، بدءاً من ألمانيا ما بعد الحرب. فقد حظرت معاهدة فرساي تطوير الطائرات المزودة بمحركات في ألمانيا، ولم يكن أمام الطيارين الذين تدربوا خلال الحرب، وكذلك الراغبين في تعلم الطيران، خيار سوى الطيران الشراعي. ومع تطور الطيران الشراعي كرياضة، وتطور تكنولوجيا الطائرات الشراعية نحو أداء أعلى، كاد مفهوم الطائرة الشراعية خفيفة الوزن التي يمكن رفعها وإطلاقها بالركض أسفل التل يُهمل تماماً. وتعلم طيارو الطائرات الشراعية الأكبر حجماً والأثقل وزناً استخدام الرياح الصاعدة على طول التلال، إضافة إلى التيارات الهوائية الصاعدة الحرارية لإطالة مدة رحلاتهم الشراعية، ومن هنا ولدت رياضة التحليق أو القفز المظلي. وتحولت الرحلات التي كانت تستغرق بضع دقائق إلى رحلات تستغرق ساعات عدة، وأصبح الطيران عبر البلاد لمسافات تصل إلى مئات الأميال ممكناً. وعلى مدى الـ40 عاماً التالية طرأت تحسينات كبيرة على تصميم الطائرات الشراعية ومعارف طياريها وتقنياتهم، حتى أصبح التحليق نشاطاً متاحاً لكل من يرغب في ممارسته، وخلال تلك الفترة نفسها كاد القفز المظلي (hang gliding)، وهو أول أشكال الطيران، يختفي تماماً.
ثم خلال ستينيات القرن الـ20، أسهم عدد من الأشخاص في إعادة إحياء رياضة القفز المظلي، وكان من أهم دوافع هذا الإحياء تكييف نوع جديد من الأجنحة المرنة المعروفة الآن باسم "جناح روغالو"، مع رياضة الطيران الشراعي (Paragliding). وخلال عام 1948 حصل المهندس الأميركي فرانسيس روغالو على براءة اختراع لتصميم جناح مرن بسيط، فقد عمل روغالو لدى وكالة "ناسا". وطورت "ناسا" لاحقاً تصاميم إضافية مستوحاة من مفهوم الجناح المرن، خضعت لاختبارات مكثفة كجزء من برنامج الفضاء الأميركي المبكر. هذه التصاميم التي تضمنت مكونات هيكلية تقوي الجناح وتدعمه جزئياً، ألهمت بدورها تعديلات على الطائرات الشراعية المعلقة (hang gliders) من قبل أشخاص مثل باري بالمر وريتشارد ميلر. أما أكثر التعديلات أناقة ونجاحاً لمفهوم الجناح المرن على طائرة تحمل إنسان، فكان تصميم الأسترالي جون ديكنسون طائرة ورقية للتزلج على الماء، حلق بها للمرة الأولى خلال أوائل ستينيات القرن الـ20، والتي احتوت على جميع عناصر التصميم الأساس لما عُرف لاحقاً باسم "جناح روغالو القياسي". كان تصميم ديكنسون بسيطاً وسهل الصنع والتعلم. وعندما تم تكبير تصميم ديكنسون ليناسب حجم الإطلاق من الأرض، أدت بساطة التصميم والبناء، إلى جانب قدرته على الطيران البطيء والهبوط السلس، إلى انتشار واسع النطاق لرياضة الطيران الشراعي الجديدة. وبدأت شركات عدة بتصنيع نسخ من الجناح، وللمرة الأولى في التاريخ أصبح الطيران البسيط والحر الشبيه بطيران الطيور متاحاً لأي شخص يرغب فيه.