قوات النظام تسيطر على منبج بالكامل... وأردوغان لا يعتبر ذلك أمرا سلبيا

روسيا تسعى إلى منع مواجهة مباشرة بين الجيشين السوري والتركي

مسلحون سوريون تدعمهم تركيا في بلدة تل أبيض الحدودية السورية (رويترز)

أعلن الجيش الروسي أن قوات النظام السوري سيطرت "بشكل كامل" على منبج ومنطقة مساحتها حوالي 1000 كيلومتر في محيطها اليوم الثلاثاء، بينما غادرت قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تلك المدينة الواقعة في شمال سوريا.

وفي موقف لافت، اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن دخول القوات السورية إلى منبج ليس أمراً سلبياً.

وكان المتحدث العسكري الأميركي الكولونيل ميليس بي. كاجينز غرّد على تويتر في وقت سابق، قائلاً إن القوات الأميركية "تنفذ انسحاباً مخططاً له من شمال شرقي سوريا. نحن خارج منبج".

ونقلت وكالة انترفاكس الروسية عن وزارة الدفاع في موسكو أن الجيش السوري سيطر على قاعدة الطبقة الجوية ومحطتَي كهرباء وعدة جسور على نهر الفرات. كما نقلت الوكالة عن بيان للجيش الروسي أن وزيري الدفاع الروسي والأميركي بحثا الوضع في سوريا في اتصال هاتفي.

وأكّد مدير التواصل في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون لوكالة الصحافة الفرنسية أن أنقرة ستواصل هجومها في شمال شرقي سوريا "مع أو من دون دعم" العالم، مندداً بـ"صفقة قذرة" بين القوات الكردية والنظام السوري. واتهم ألتون وحدات حماية الشعب الكردية بأنها "استهدفت عمداً مدنيين على الحدود ومن بينهم صحافيون قبل أن تتوصّل إلى صفقة قذرة مع نظام الأسد".

في موازاة ذلك، ذكر دبلوماسيون أن مجلس الأمن الدولي سيعقد اجتماعاً الأربعاء، على الأرجح، هو الثاني له منذ بدء الهجوم التركي، لبحث آخر التطورات في سوريا. وأضافوا إن الدول الأوروبية الخمس بالمجلس، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولندا، طلبت عقد جلسة مغلقة.

واتهم رئيس وزراء فرنسا إدوار فيليب، في خطاب أمام البرلمان، تركيا والولايات المتحدة بإضاعة مكاسب خمس سنوات من قتال تنظيم "داعش"، قائلاً "هذه القرارات تلقي بظلال من الشك على خمسة أعوام من جهد التحالف" الدولي ضدّ داعش. وأضاف "هذا التدخّل مدمّر لأمننا الجماعي بجانب العودة المحتّمة لداعش في شمال سوريا وربما في شمال غربي العراق أيضاً". 

وتصر فرنسا على رفض استعادة رعاياها الذين انضموا إلى داعش وترغب في إبرام اتفاق مع العراق على استقبالهم. وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان إنه سيجري محادثات قريباً مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف المقاتلين الأجانب في داعش والمحتجزين في مخيمات وسجون بسوريا.  

أميركياً، وبعد إعلان الرئيس دونالد ترمب فرض عقوبات على تركيا، قال مسؤول كبير في وزارة الخارجية إن الولايات المتحدة ستصعّد الضغوط الدبلوماسية على تركيا لإقناعها بالتوصّل إلى وقف لإطلاق النار وإنهاء هجومها على شمال سوريا.

وفي إفادة صحافية، قال المسؤول "الخطة هي مواصلة الضغط على تركيا بينما نقيم فرصنا لتطبيع العلاقات. وسيكون وقف إطلاق النار عنصراً أساسيا في عودة العلاقات إلى طبيعتها". وأوضح "أقصد بوقف إطلاق النار أن تتوقف القوات البرية عن التقدم. وبالتأكيد، أعتقد أننا والقوات التركية قد نتحدّث إلى قوات سوريا الديمقراطية"، محذراً من أنه "في حال غياب حل للأزمة، نعتزم زيادة العقوبات واتخاذ غيرها من الإجراءات التي جرى إبلاغ الإدارة بها".

وفي ما يتعلّق بمصير عناصر داعش المحتجزين في مناطق سيطرة الأكراد في سوريا، قال مسؤول أميركي إن بلاده لم تلاحظ حتى الآن حدوث عملية فرار "واسعة" لهم منذ بدء الهجوم التركي. وأوضح أن ما بين 50 و150 من زوجات وأطفال أسرى تنظيم داعش فروا أثناء الفوضى التي أعقبت الهجوم التركي الأسبوع الماضي، مضيفاً "لا نعرف أين ذهبوا". كما اعترف بأن الولايات المتحدة لم تعد تملك "نفس القدرة" على مراقبة عناصر داعش مع انسحاب قواتها من سوريا.

دوريات روسية

وكانت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) ذكرت الاثنين أن وحدات من الجيش السوري دخلت مدينة منبج التي يسيطر عليها مجلس عسكري يضم مسلحين محليين ويرتبط بالإدارة الذاتية الكردية.

وأعلنت وزارة الدفاع في موسكو إن القوات الروسية تواصل تسيير دوريات في مناطق حدودية على طول "خط التماس" بين القوات السورية والتركية، مشيرةً إلى "ترتيب التعاون مع الجانب التركي".

من جانب آخر، أعلن الموفد الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف الثلاثاء أن روسيا لن تسمح بمواجهات بين الجيشين التركي والسوري، واصفاً الهجوم التركي بـ "غير المقبول"، وموضحاً أن روسيا لم توافق على هذه العملية مسبقاً.


كما أكد لافرينتييف أن روسيا توسّطت في الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين القوى الكردية والقوات الحكومية السورية، ما سمح بدخول تلك الأخيرة إلى منطقة يسيطر عليها الأكراد. وأضاف المبعوث الروسي في تصريحات للصحافيين على هامش زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الرسمية إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي، أن المحادثات بين الأكراد ودمشق جرت في قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا وأماكن أخرى.

قتلى في تركيا

في موازاة ذلك، أفاد مكتب حاكم إقليم ماردين التركي بأن شخصين قُتلا وأصيب 12 آخرون بجروح اليوم الثلاثاء بعدما شن مقاتلو "وحدات حماية الشعب الكردية" السورية هجوماً بقذائف المورتر على بلدة دنيصر الحدودية التركية.

وقال مكتب الحاكم في بيان إن المصابين نقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج، بينما كان أعلن الأسبوع الماضي مقتل 8 أشخاص وإصابة 35 آخرين بعد هجوم مماثل شنته "وحدات حماية الشعب" على بلدة نصيبين الحدودية في ماردين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن الإثنين أن أكثر من 700 هجوم بقذائف المورتر وقعت على تركيا منذ بدء التوغل. وأضاف أن هناك "18 شهيداً وحوالي 200 جريح"، لكنه لم يوضح ما إذا كانوا جنوداً أم مدنيين.

"شراسة في رأس العين"

في غضون ذلك، تابعت قوات سوريا الديموقراطية الثلاثاء دفاعها الشرس عن بلدة رأس العين الحدودية بوجه الهجوم التركي. وشنّت قوات سوريا الديموقراطية هجوماً مضاداً ضد القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها في رأس العين، التي كانت القوات التركية دخلتها قبل أيام من دون أن تتقدم فيها، أمام مقاومة شرسة من المقاتلين الأكراد. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن استمرار الاشتباكات عند أطراف المدينة.

وأوضح مدير المرصد رامي عبد الرحمن أن "صمود قوات سوريا الديموقراطية في رأس العين ناتج عن التحصينات والأنفاق فيها، فضلاً عن التعزيزات التي لم تتوقف عن الوصول إليها".

وتمكنت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها، إثر هجوم بدأته قبل أسبوع، من السيطرة على منطقة حدودية بنحو 120 كيلومتر، تمتد من محيط بلدة رأس العين (شمال الحسكة) وصولاً إلى مدينة تل أبيض (شمال الرقة)، وبعمق 32 كيلومتراً.

وواصلت قوات النظام السوري لليوم الثاني على التوالي انتشارها في مناطق قريبة من الحدود مع تركيا، بموجب اتفاق أعلن الأكراد التوصل إليه الأحد.

وباتت قوات النظام موجودة بشكل رئيسي في مدينتي منبج وعين عيسى (الرقة)، وتنتشر في مناطق أخرى أبرزها قرب بلدة تل تمر (الحسكة)، وفق المرصد.

ويعدّ هذا الانتشار الأكبر من نوعه لقوات النظام في مناطق سيطرة الأكراد منذ انسحابها تدريجياً منها بدءاً من العام 2012، محتفظةً بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشلي.

ولم يجد الأكراد بعد تخلي واشنطن عنهم خياراً أمامهم سوى دمشق. ولم توضح الإدارة الذاتية تفاصيل الاتفاق الذي توصلت إليه، لكنها قالت إنه اتفاق "عسكري" ولن يؤثر على عمل الإدارات التابعة لها.

وأوردت صحيفة الوطن السورية المقربة من دمشق أن الاتفاق يشمل دخول الجيش السوري إلى منبج وعين العرب (كوباني)، المدينتين اللتين لطالما لوّحت أنقرة بالسيطرة عليهما في هجومها.

ويشكّل الاتفاق تحولاً جديداً في مسار النزاع، بعدما اصطدمت مفاوضات سابقة بين الأكراد ودمشق بحائط مسدود. ولطالما أصرّت دمشق على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع النزاع عام 2011، بينما تمسّك الأكراد بإدارتهم الذاتية والمؤسسات المدنية والعسكرية التي بنوها بعد عقود من التهميش على يد الحكومات السورية المتعاقبة.

وتهدف تركيا، التي تصنّف وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة "إرهابية"، إلى إقامة منطقة عازلة قرب حدودها لتنقل إليها قسماً كبيراً من 3،6 مليون لاجئ سوري لديها. وتوقع محللون أن تقتصر المرحلة الأولى من العملية على المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض.

وتسبّب الهجوم التركي، وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديموقراطية. كما دفع بـ160 ألفاً إلى النزوح من منازلهم، بحسب الأمم المتحدة.

وأحصت أنقرة من جهتها مقتل 5 من جنودها في سوريا و18 مدنياً جراء قذائف اتهمت المسلحين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية الثلاثاء توقف كل منظمات الإغاثة الدولية عن العمل وسحب موظفيها من مناطقها، محذرة من "تفاقم الأزمة الإنسانية" في منطقة تضم أساساً مخيمات نازحين تؤوي عشرات الآلاف.

"إعدامات تعسفية"

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في سياق متصل، أعلنت الأمم المتحدة الثلاثاء إنه ربما يجري تحميل تركيا المسؤولية عن عمليات إعدام تعسفية نفذتها جماعة مسلحة مرتبطة بها، بحق مسلحين أكراد أسرى والسياسية الكردية هفرين خلف، وهي أعمال قد تصل إلى حد جرائم الحرب.

وذكر مكتب حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية أنه وثّق سقوط ضحايا مدنيين في ضربات جوية وهجمات برية ونيران قناصة يومياً منذ بدء الهجوم التركي في شمال شرقي سوريا قبل نحو أسبوع.

واتهمت "قوات سوريا الديمقراطية" مسلحين مدعومين من تركيا بقتل السياسية الكردية في مكمن على طريقٍ في شمال سوريا السبت الماضي.

وصرّح المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان روبرت كولفيل إن لقطات مصورة أظهرت عمليات إعدام لثلاثة أكراد محتجزين نفذها على ما يبدو مسلحو "جماعة أحرار الشرقية" المرتبطة بتركيا على الطريق السريع بين الحسكة ومنبج يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وقال كولفيل إن "الأمم المتحدة تلقت تقارير عن إعدام السياسية الكردية هفرين خلف على الطريق السريع ذاته على يد هذه الجماعة وفي اليوم ذاته". وأضاف أن الإعدامات التعسفية قد تصل إلى حد جرائم الحرب.

وأشار كولفيل في إفادة صحافية في جنيف إلى أن "تركيا قد تُعتبر دولة مسؤولة عن انتهاكات جماعات تابعة لها طالما تمارس سيطرة فعّالة على هذه الجماعات أو العمليات التي حدثت خلالها تلك الانتهاكات".

وتابع "نحضّ السلطات التركية على البدء فوراً في تحقيق محايد ومستقل ويتّسم بالشفافية والقبض على المسؤولين عن ذلك وبعضهم يسهل التعرف عليهم من لقطات مصورة نشروها بأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي".

تعليق صادرات أسلحة

من جهة أخرى، انضمت إسبانيا إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا في تعليق بيع المعدات العسكرية إلى أنقرة على خلفية هجومها في شمال شرقي سوريا.

وطلبت الحكومة الاشتراكية في إسبانيا من تركيا "وقف هذه العملية العسكرية"، قائلةً إنها "تعرض استقرار المنطقة للخطر" وتزيد أعداد اللاجئين وتهدّد سيادة الأراضي السورية. وأوضحت وزارة الخارجية في بيان أنه "بالتنسيق مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي سترفض إسبانيا أي تراخيص تصدير جديدة لمعدات عسكرية يمكن أن تستخدم في العملية في سوريا". وأضاف البيان "يجب الرد على المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا وحلها بالسبل السياسية والدبلوماسية وليس بالعمل العسكري".

وتعدّ إسبانيا إحدى كبار مصدري الأسلحة إلى تركيا، إذ كانت خامس أكبر مزوّد للسلاح لأنقرة بين عامي 2008 و2018 بعد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وألمانيا وإيطاليا، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

السويد بدورها أعلنت تعليق تصدير الذخائر إلى تركيا، بحسب الوكالة الحكومية المختصة بإدارة تصدير المعدات العسكرية الاستراتيجية. وقال مدير الوكالة المؤقت كارل يوهان ويسلاندر لوكالة الصحافة الفرنسية إنهم سحبوا "إذنين كانا فاعلين يتعلقان بمعدات عسكرية أخرى"، من دون أن يحدّد نوع المعدات أو الشركات المعنية بها، بل اكتفى بالقول إنها لا تضمّ "معدات عسكرية قتالية".

وفي وقت سابق الثلاثاء، أعلن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب تعليق صادرات الأسلحة إلى تركيا "التي يمكن أن تُستخدم" في الهجوم الذي بدأته أنقرة الأسبوع الماضي ضد المقاتلين الأكراد في شمال سوريا، في وقت تجري بريطانيا مراجعة لمبيعات الأسلحة لحليفتها في حلف الأطلسي.

وصرّح راب أمام مجلس العموم أن لندن "ستراقب عن كثب وبشكل مستمرّ" صادرات الأسلحة إلى تركيا. وأضاف أنه لن يتمّ منح أي تراخيص تصدير أسلحة "يمكن أن تُستخدم في هذه العمليات العسكرية في سوريا" طالما لا تزال عملية المراجعة جارية.

وقال إن "الحكومة البريطانية تأخذ على محمل الجدّ مسؤولياتها في ما يخصّ مراقبة صادرات الأسلحة".

وأوضح راب أنه عبّر لنظيره التركي عن "مخاوفه الجدية" حيال العملية التركية.

واعتبر الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ بعد لقائه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في داونينغ ستريت، أن قرار لندن يُثبت أن "عدداً كبيراً من الحلفاء في حلف الأطلسي ينتقدون بشدة ويدينون العملية العسكرية في شمال سوريا". وأضاف "أنا قلق للغاية حيال تداعيات الهجوم في ما يتعلق بالحرب ضد داعش والمعاناة الإنسانية واستقرار المنطقة"، في موقف ينسجم مع مشاعر القلق التي أُعرب عنها على الساحة الدولية.

واعتبر راب أن الهجوم التركي "عرّض أمن واستقرار المنطقة للخطر، وهو أمر كنّا نخشاه"، مشيراً إلى أن هذه العملية تُضعف محاربة "داعش" في المنطقة وتفاقم الوضع الإنساني على الأرض.

المزيد من الشرق الأوسط