Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذاكرة والمنفى بين الإسكندرية ونيويورك في "فستان أحمر"

سمير درويش يروي علاقة الابن بالأب في مرحلتين

لوحة للرسام رامون ل. ميزورول (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

تعد رواية "فستان أحمر بكولة دائرية" (دار العين 2026)، للكاتب سمير درويش عملاً يتقاطع فيه التحول الزمني مع التوتر النفسي والفكري، كاشفاً عن صراع بين الحرية والقمع، وبين الماضي الذي لا يغيب والحاضر الذي يحاول الانفلات منه. يعتمد درويش في بنائه على سرد متناوب بين الأب والابن، يتيح تأملاً في معنى الهوية والانتماء، وما يتبقى من الإنسان في مواجهة الفقد والذاكرة.

جاء سمير درويش إلى الرواية من عالم الشعر، حاملاً حساً لغوياً دقيقاً، لكنه اختار هنا الابتعاد عن الشعرية المباشرة لمصلحة لغة تأملية تحليلية مباشرة في صوت الأب، وواقعية محايدة في صوت الابن.

هذا الانتقال من الإيقاع الشعري إلى السرد الواقعي يعكس رغبة في استكشاف أدوات جديدة للتعبير عن الفكرة، ليقدم نصاً يمزج بين عمق التجربة وبساطة التعبير، في بناء سردي متماسك ومتوازن. تنفتح الرواية منذ السطر الأول مع عبارة: "أبي رقد بسلام اليوم". فالابن الذي يرافق أباه في المستشفى، ويرتبط معه ارتباطاً عاطفياً وثيقاً، يسعى إلى فهم والده، ويجد نفسه محاصراً بأسئلة الوجود ذاتها التي عاناها مايكل: معنى الإيمان، والهوية، والوطن، والحب.

الوعي والموروث

تتوزع الرواية على زمنين متباعدين، وشخصيتين رئيستين يتقاطع وعيهما في مساحة السرد: الزمن الأول يعود إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ20، يرويه الأب مايكل بضمير المتكلم، وهو شاب مسيحي من الإسكندرية يدرس الفلسفة ويكتب الشعر، ويبني وعيه الفكري بصورة مستقلة عن الموروث والسائد في مجتمعه وبين رفاق الجامعة، خلال انتمائه للحركة الطلابية وإعجابه بالفكر اليساري. في هذا الزمن تتشكل مأساة حبه الأول، حين يقع في غرام فتاة مسلمة تدعى إيمان تدرس في قسم آداب إنجليزي، حب يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يواجه عالماً مغلقاً يزداد انغلاقاً مع تصاعد التيارات الإسلامية المتشددة.

تتبدى الإسكندرية هنا بوصفها فضاءً منفتحاً على البحر والحرية، ثم تضيق تدريجاً حتى تغدو سجناً رمزياً يحاصر الحب والفكر معاً. عبر تقنية الفلاش باك، يستعيد الأب تفاصيل تلك العلاقة، يعيد تركيب الماضي، بألم الخسارة لا بأمل الاستعادة. هذه المقاطع، من النص التي تحمل عنوان "فلاش باك" يفتتحها عبر مقتطفات منشورة في جرائد، أو خطب للرئيس السادات، غايتها توثيق غليان الشارع المصري بداية من 1979، إذ تشير المقاطع إلى حملة الاعتقالات الواسعة التي قام بها السادات لرجال الدين والمثقفين في سبتمبر (أيلول) 1981، ثم حادثة المنصة واغتيال السادات في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، ولا يأتي تدوين هذه المصادر من فراغ، بقدر ما يغدو تعبيراً مباشراً عن تضافر الذاتي بالعام، وأثر التحولات السياسية والاجتماعية على حياة مايكل، يقول: "هذه ليست المرة الأولى التي تُكسر فيها ذراعي اليسرى، كُسرت أيضاً الثلاثاء في 18 من يناير 1977، وأنا أسير مع الآلاف من أهالي الإسكندرية بالشوارع في تظاهرات عارمة، غاضبة من رفع أسعار السلع الرئيسة، التظاهرات الغاضبة اندلعت من الإسكندرية ثم امتدت إلى القاهرة ومدن كثيرة أخرى... إيمان لم ترَ ذراعي المكسورة التي أعلقها في رقبتي وأنا أتخفى وأحضر المحاضرات محاذراً أن تراني".

بين عالمين

الزمن الثاني، في الرواية هو عام 2025، حيث يسرد الحدث بلسان الابن آندي أثناء وجود والده في غيبوبة داخل أحد مستشفيات نيويورك. الابن الذي نشأ في المهجر يواجه غياب أبيه الجسدي بقراءة تاريخه الروحي والفكري، من خلال استحضار مواقف وأحداث من الماضي وربطها باللحظة الآنية. هنا تتحول الغيبوبة، إلى حال رمزية للانقطاع بين جيلين، جيل عاش الأيديولوجيا والمطاردات الفكرية، وجيل تائه في عولمة بلا جذور.

يظهر الابن آندي بوصفه وسيطاً سردياً يحاول إنقاذ ماضي والده من التلاشي عبر فعل المواجهة والتذكر، غير أن عملية الاستعادة هذه تنقلب تدريجاً إلى عبء معرفي ووجودي، إذ تتحول الذاكرة إلى أداة لاستحضار ما يرغب في نسيانه، وتغدو، في منظور النص، تجسيداً لعجز الإنسان عن تجاوز ماضيه، كما في المشهد الذي يجمع بين مايكل وابنه وهو يعرض عليه صورة إيمان، ويحكي له عنها.

الزمن في الرواية لا يقدم خطيا، بل يتجلى كقوة دائرية تنغلق على ذاتها، تتلاشى فيها الأحداث عند لحظات بعينها شكلت وعي الأب ووجدان الابن معاً. ومن أبرز هذه اللحظات رؤية مايكل من بعيد لحبيبته إيمان بعد ثلاثة عقود، واكتشافه كم غيرها الزمن في المظهر والفكر، كما بدل موقعه هو في العالم، في هذه اللحظة تنكشف مأساة التحول الإنساني وتحول المعنى ذاته.

تتجلى قيمة هذه المواجهات في نجاح الرواية في إقامة جدلية بين الواقعي والرمزي، إذ تجمع بين واقعية مشاهد الابن في فضاء المستشفى والعمل وحياته اليومية في نيويورك، ورمزية عالم الأب الذي يتأسس على الكتابة والذاكرة وحب مبتور. ومن خلال هذا التوازي البنائي، تبنى دلالة وجودية أعمق، مفادها أن الزمن والذاكرة لا يسيران في خط واحد، بل يتقاطعان بوصفهما شرطين لتكون الوعي واستمرار الحياة رغم هشاشتها.

كاريزما الفكر والمرأة

شخصية مايكل هي المركز الروحي للرواية، تجمع بين المثقف الوجودي والعاشق المهزوم، عاش وسط أسرة محافظة، ودرس الفلسفة ليفهم العالم، لكنه وجد نفسه مطارداً من الجميع بسبب فكرة تبناها وعايشها، تقول: إن الحب لا يعرف ديناً، لكن مايكل يتميز بشخصية ذات كاريزما إنسانية طاغية، يجذب النساء إلى حياته بشكل هادئ، إذ يفتن بوعيه، وبنظرته للوجود. مارسيل زوجته التي تزوجها بعد انتقاله إلى أميركا اختارها بأسلوب عقلاني، أنجب منها آندي وماريو، ثم أدرك أنها امرأة مختلفة عنه تماماً، لذا يقع الطلاق بينهما بهدوء، في المقابل ثمة تلميح إلى هيام أختها نورا به، وتصريحها أنه نوع نادر من الرجال، لكنها تدرك أنها لا يمكن أن تقترن به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما جيني، جارته، فإنها تمثل الوجه الآخر للمرأة الغربية التي اقتربت من مايكل في سنواته الأخيرة، محاولة إنقاذه من وحدته دون أن تفهم عمق جرحه. وتظل إيمان، حاضرة في ذاكرته، إذ تتردد في وعي مايكل كأنها رمز لكل ما زال بمرور الزمن، تماماً كما تلاشى الفستان الأحمر الذي كانت ترتديه أيام الجامعة، استبدلت به عباءة سوداء طويلة. من خلال هذا الحضور للنساء الثلاث، يرسم الكاتب خريطة الذاكرة العاطفية لبطله. تتحول المرأة إلى صدى للحياة والمعنى المفقود أكثر من كونها شخصية درامية مستقلة. لنقرأ ما يقوله آندي: "أرى جيني وخالتي نورا وراء زجاج الباب، حزينتين بعمق ألمسه، هاتان المرأتان أكثر من أحبه، وتفانيا في خدمته، لكن هذا الرجل الذي يرقد بسلام لم يكن عاطفياً قط، ولا أظنه ارتبط بأحد".

في المهجر، يعيش مايكل حياة متناقضة: شاعراً وكاتباً ومثقفاً من جهة، موظفاً، وسائق تاكسي من جهة أخرى. هذا التناقض بين الحلم والعمل اليومي يمنح الشخصية عمقاً واقعياً، ويكشف مأساة المثقف العربي حين يغترب في وطنه أولاً ثم في العالم. يمثل سفره إلى أميركا وبقاؤه 30 عاماً ثم عودته في 2011، لحظة انكشاف روحي وفكري. يواجه فيها مايكل ذاته بعدما واجه العالم، وتتحول حياته إلى نص داخل النص، تكتبه الأقدار كما يكتبه هو بيده. يبلور درويش رؤيته للعلاقة بين الإنسان والزمن والكتابة: لا أحد يشفى من ماضيه، لكنه يستطيع أن يحوله إلى معنى.

البحث عن الخلاص

في المقابل، يمثل الابن آندي جيلاً مختلفاً تماماً، جيلاً معلقاً بين جذور لم يعشها وحاضر لا ينتمي إليه بكليته، إذ ثمة جذور ترتبط بوطن بعيد. يعيش في نيويورك حياة مادية ناجحة ظاهرياً، غارقاً في عالم البيزنس، لكنه عاجز عن بناء علاقات إنسانية حقيقية. مع دخول والده في الغيبوبة، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام سؤال الفقد والوجود، فيكتشف من خلال الصور التي كان أبوه يلتقطها، ومن خلال ما كتبه الأب، وما سمعه منه وعنه، تاريخاً كاملاً من التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي عرفتها مصر أواخر القرن الـ20. يكتشف آندي أن أباه لم يكن مجرد مثقف اختار منفاه، بل كان رمزاً لجيل سحقه التطرف والاغتراب في آنٍ واحدٍ.

تتجاوز رواية "فستان أحمر بكولة دائرية" إطارها العاطفي لتغدو تأملاً فلسفياً في معنى الإنسان وسط أزمنة التبدل والانقسام. بناؤها المتوازي بين زمنين وشخصيتين، ولغتها التي تجمع بين السرد والتحليل، تجعلها عملاً مركباً عن الفقد والهوية والوراثة الروحية. سمير درويش يكتب عن جيل عاش الحلم وانكسر، وعن جيل آخر وُلد في المنفى وضاعت هويته. وفي النهاية، يظل الفستان الأحمر حاضراً كرمز للدائرة التي لا تنكسر: دائرة الحياة، والحب، والذاكرة التي تنبض في الخفاء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة