ملخص
مثلما يشارك الحيوان الإنسان واقعه، يشاركه أيضاً فضاءات السرد، بل إنه يتجاوز كونه مكوناً بيئياً، ويصبح مكوناً دلالياً، يشرع حضوره داخل النص نوافذ على الرمزية، والفانتازيا، ويصبح مرآة، وقناعاً، وأداة للكشف النفسي.
على جدران الكهوف، بدأ الإنسان الأول اكتشاف ذاته المبدعة، وكان الحيوان أهم تجليات إبداعه، فقد حرص فنان الكهف على رسم البيسون والخيول والغزلان، وأنواع شتى من الحيوانات. ومع تطور البشرية وظهور الحضارات وتنوع إسهامات الإنسان الإبداعية، ولا سيما في الأدب، انتقل الحيوان من الكهف إلى النص، ومن ظل الأسطورة إلى صفحات الملاحم والسير الشعبية والقصص، ثم إلى الرواية الحديثة، إذ حافظ الكتاب على حضور الحيوان داخل عوالمهم المتخيلة، وجعلوا منه أداة لتأكيد واقعية النص، انطلاقاً من كونه شريكاً فعلياً للإنسان، تجمعهما علاقة يومية حميمية في بيئته وعمله ورحلاته وحتى وحدته. وهو ما يفسر شيوع ظهور الحيوانات الأليفة بشكل خاص في السرد الأدبي، مثل الكلاب والقطط وحيوانات المزرعة وكذلك النوق في أدب الصحراء.
بين الحقيقة والمجاز
على رغم أن حضور الحيوان في النص الأدبي ينبع بالأساس من معايشة واقعية، فإنه في كثير من الأحيان يتحول من مكون بيئي إلى مكون دلالي، ويوظف لتمرير رؤى ضمنية مبطنة للكاتب، أو للإحالة إلى دلالات مستمدة من التراث، فكثيراً ما ربط الموروث الشعبي بين الكلب ومعاني الحماية والوفاء والصداقة والإخلاص، وأحياناً العبودية والطاعة العمياء.
وربط كذلك بين القطة ومعاني الأنوثة والغموض، وأحياناً الدهاء واللصوصية والخطر. وربط بين الطيور والحرية والانعتاق، وأيضاً الهجرة والاغتراب، لذا استفاد الكتاب من هذه الدلالات الرمزية، وطوعوا حضور الحيوان لأداء مهام درامية داخل السرد. تنوعت هذه المهام بين التحفيز على التأمل، وفتح نوافذ على الخيال، وبناء التعاطف بين القارئ والنص عبر الاستفادة مما لدى تلك الكائنات من دراما فطرية، كذلك استخدمت الحيوانات كقناع مكن الكتاب من التحايل على التابو والمحظور، فكانت ستاراً للخطاب السياسي والنقد الاجتماعي في كثير من العصور، وفي مجتمعات مختلفة، ففي "كليلة ودمنة" التي ترجمها عبدالله بن المقفع من الفهلوية للعربية في القرن الثاني الهجري، يأتي الحوار على ألسنة الحيوانات، فتتحول إلى مرايا لطبائع البشر وعلاقاتهم المعقدة، حتى إن كلتا الشخصيتين الرئيستين اللتين يحمل عنوان الكتاب اسميهما، تحيلان إلى الصراع الكلاسيكي بين الخير والشر في عالم الإنسان، إذ تتسم "كليلة" بالحكمة، بينما تتسم "دمنة" بالمكر والدهاء.
وكما تحاول قصص الكتاب تجسيد القيم الإنسانية، مثل الصداقة والصبر والثقة والوفاء، تحمل كثيراً من الرؤى والرسائل السياسية المبطنة حول الإدارة والحكم الرشيد والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكما تستنطق قصص "كليلة ودمنة" الحيوانات يستنطقها جورج أورويل في روايته "مزرعة الحيوان" المنشورة عام 1945، التي يمارس عبرها الإسقاط على الثورة البلشفية والفاشية الإستالينية. تدور أحداث الرواية في مزرعة يملكها إنسان ظالم، تقرر الحيوانات الثورة عليه، وتنجح في التخلص منه، ثم يقودها خنزيران، "نابليون" و"سنوبول"، في إشارة ضمنية إلى ستالين وتروتسكي، وبعد نجاح "نابليون" أو قناع "ستالين" في الانفراد بالحكم يقوم بإنتاج فاشية أخرى، ونظام سلطوي جديد!
مرايا المكبوت
غايات كثيرة تقف وراء حضور الحيوان في النص الأدبي، من بينها توظيفه كأداة كشف نفسي، فيصبح الحيوان أو علاقة الشخوص به مرآة للمكبوت داخل أعماق النفس، وهو ما يتبدى في رواية "ترف الانكفاء" (دار الآداب – بيروت) للكاتب السعودي وائل هادي الحفظي، والحائزة "جائزة أسماء الصديق" للرواية الأولى عام 2025.
يتجلى حضور الحيوان في الرواية مع بداية الأحداث، إذ يدرك البطل تماثلاً بين قطة أسفل البناية والإنسان، فهي تقتات على فضلاته، بينما يقتات الإنسان على فضلات الآخرين. والقطة بمرور الوقت وزيادة عدد سكان البناية تصبح أكثر انتقائية، تأنف من التونة التي يقدمها البطل، مثلما يأنف الإنسان مما لديه، متطلعاً إلى مزيد من الرفاهية في مجتمعات استهلاكية خلقها نظام السوق. ويشي هذا التماثل بازدراء البطل الجماعة البشرية، أما إقدامه على قتل القطة بعد قتل جارته، فيؤكد عطبه النفسي ويحيل إلى رغبته في التنفيس عن طبقات الغضب والقهر المتراكمة بداخله، في حين يحيل هذا الغضب إلى الوعي الأخلاقي والجمالي لدى الكاتب، فلم تكن الإساءة للحيوان مجانية داخل السرد، بل كانت مبررة درامياً.
وإلى جانب الدور الذي تؤديه القطة في كشف اضطراب البطل واعتلاله النفسي، يؤدي كلب الجار الدور ذاته، ولا سيما أن إرهابه للبطل طفلاً ظل حاضراً في ذاكرته. والكلب إذ يحيل إلى دلالات السلطة سواء داخل الأسرة ممثلة في الأب، أو في العمل ممثلة في المدير، أو في عالم تطغى عليه المادة، فإنه يفشي أثر تلك السلطة في إرهاب البطل، وزعزعة سلامه الداخلي، والنيل من صحته النفسية، كذلك يحيل حضور الطاووس وذيله إلى كراهية البطل للحداثة، ورفضه الرأسمالية واقتصاد السوق، الذي أثمر السطحية والمظهرية الفارغة من كل معنى.
أما حيوان الكسلان الذي يظهر في أحد تصميمات الأردية العلوية، في مأدبة غداء محاطاً بعلماء ومفكرين أمثال فليمنغ ونيتشه وداروين، وقد علت ملامح وجهه المسنود بيده اليمنى أمارات الملل، فيحيل إلى نوع من الإسقاط يمارسه البطل على نفسه، ويجسد عبره الضغط الذي يتجلى في احتراق وظيفي، يفرضه العلم والتطور والمنظومة الاجتماعية على الإنسان، بينما هو عاجز عن مواجهته.
الفأر ملك الغابة
في روايته "ربيع الغابة" (دار العين – القاهرة)، التي صدرت في ترجمة إلى الفرنسية أخيراً عن دار "لارماتان"، يعاود الكاتب الإماراتي جمال مطر استنطاق الحيوانات، في سردية يحاول عبرها الإجابة عن سؤال: "كيف تنهار الأنظمة؟"، فالفأر القبيح الذي يفاجئ القارئ بهويته بعد مساحة من السرد المبهم، يتعرض للنبذ من بقية حيوانات الغابة. ويسعى بالمكر والحيلة للانتظام في "مجلس الحكم"، ثم يشيع الفرقة بين أعضاء المجلس من أجل أن يستحوذ على السلطة. وكما يستثمر الكاتب قبح الفأر وذكاءه ليحيل عبره إلى أولئك الذين يسعون إلى هدم المدن الفاضلة والأنظمة الرشيدة، يستفيد من الدلالات الموروثة التي تستدعيها حيوانات بعينها في بناء سرديته، ويسند لها من الأدوار ما يناسب تلك الدلالات، فبينما تجسد الحية الخداع يتسم الأسد بسمات الحكمة والعدل، أما الحمامة فتعمل على تقصي ونقل الأخبار، في حين يتحلى الجمل بخصال النبل والوفاء، ويأتي الثعلب معادلاً للمكر والدهاء، أما صفات القوة والجرأة والشجاعة فيستأثر بها النمر.
وتسهم هذه الدلالات المستقاة من الذاكرة الجمعية والموروث الشعبي في تحقيق النمو الدرامي من جهة، ومن جهة أخرى تمرير ما أراده الكاتب من إسقاط على الواقع المعيش. ولا يستند مطر إلى التراث فحسب، بل يستدعي حمولات معرفية حول سلوك الحيوانات، مثل العزلة التي يعيش فيها الخرتيت، وكذلك التظاهر بالموت الذي تقوم به بعض سلالات الفئران، عندما تحاصرها المفترسات، ويتعذر عليها الهرب، ويوظف هذه المعارف في خدمة الحبكة والنمو الدرامي للأحداث.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في مجموعته القصصية "البشر والسحالي" (الدار المصرية اللبنانية)، لا يؤنسن الكاتب المصري حسن عبدالموجود حيواناته، ولا يستنطقها، بل يعمد لاستدعائها بصفتها مكوناً بيئياً أساساً في القرية المصرية، ويمنحها مساحة واسعة من فضائه السردي، كافية لاستدعاء القطط والكلاب والخنازير والدود والسحالي والحمير، لكن الواقعية ليست الغاية الوحيدة للكاتب، الذي يبدو مسكوناً بالنوستالجيا لواقعه الريفي القديم، والذي ما إن يسلك سراديب الذاكرة حتى يشرع في مساءلة واقع موسوم بالقسوة والصراع، ويرصد دائرة من العنف تبتلع البشر والحيوانات معاً. فالأم تقسو على ابنها متعذرة بالمحبة، والأب الأعمى يتجرع قسوة أبنائه. الأطفال يحرقون الكلاب حية، والكلاب - ليلاً - تهاجم الرجل الكفيف. السحالي تفسد العجين، والثعبان يلدغ الجد، والحشرات تتلف المحاصيل. الضعيف يقسو على الأضعف، وفي خلفية الصراع الدائر بلا هوادة، فقر أشد قسوة يفتك بالجميع.
نافذة على الخيال
يغري وجود الحيوان في منطقة وسطى بين المألوف والغريب كثيراً من الكتاب لاستخدامه في نصوصهم كرافد للفانتازيا، ففي رواية "ملحمة رأس الكلب" (دار الشروق – القاهرة)، يستدعى الكاتب المصري محمد أبو زيد، الحيوانات ويسمح لها - بعد ما أضفاه عليها من سمات خيالية - بمشاركة الشخوص البشرية عبء تحريك الأحداث، فيجعل القطة "أليس" معادلاً رمزياً للنضال ضد الظلم، إذ تقايض الجدة، وتعرض عليها منحها جسدها كي تحل به، حتى تستطيع الاستمرار في رعاية حفيدتها، مقابل أن تساعدها في الثأر من البشر الذين أساءوا لبني جلدتها. وكما يستثمر الكاتب المعتقد الشعبي في إمكان أن تحل الروح الإنسانية داخل جسد قطة، يستثمر الأساطير المصرية القديمة، ويستدعى هيئة "آنوبيس" أو إله الموتى، الذي يمتلك جسد إنسان ورأس كلب، ويمنح الهيئة ذاتها لبطله، ويتمكن عبر حضور الحيوان كشخصية محورية في بنية السرد، وعبر ما يمنحه من دلالات رمزية، وطاقات تأملية، أن يستجلي الصوت المقموع في دواخل النفس الإنسانية، ليكشف عن المسكوت عنه، وأن يرسي عبر المزج بين الحقيقي والغرائبي منهجاً من الواقعية السحرية، يطرق عبره قضايا الطبقات المهمشة، ويحيل إلى الحاجة الدائمة والمشروعة للعدالة.