ملخص
الأثر الحقيقي لتصنيف "الإخوان" يتوقف على استمرارية التطبيق والانتقال من الرمزية إلى استراتيجية متكاملة. التحقيقات المالية والتنسيق الدولي يصنعان الفارق. ومع توسع النهج، تُعاد صياغة شبكات النفوذ والتمويل، ويصبح الاستثناء وضعاً موقتاً قابلاً للمراجعة.
كان يمكن لقرار تصنيف "الإخوان المسلمين" جماعة إرهابية أن يُتخذ منذ اللحظة التي انكسرت فيها توازنات الشرق الأوسط مع ما سمي بالربيع العربي عام 2011، حين صعدت تيارات الإسلام السياسي إلى واجهة الحكم أو مشارفه، وبدت جماعة "الإخوان"، في أكثر من ساحة، بوصفها فاعلاً عابراً للحدود يختبر هشاشة الدول، ويعيد تعريف العلاقة بين الدعوة والتنظيم والسلطة. منذ ذلك التاريخ، لم تعد الجماعة مجرد حركة أيديولوجية ذات امتدادات اجتماعية، بل تحولت في نظر دوائر غربية عديدة إلى مشروع سياسي يُهدد أنماط الحكم القائمة، ويعيد إنتاج عدم الاستقرار بأدوات مختلفة، من صناديق الاقتراع إلى شبكات النفوذ والتنظيم السري.
ومع ذلك، لأكثر من عقد من الزمان، تجنبت واشنطن إصدار حكم نهائي وشامل في شأن جماعة "الإخوان". هذا التردد لم يكن غياباً للرؤية بقدر ما كان انعكاساً لتعقيد المشهد القانوني والسياسي، وللتباينات الحادة بين فروع الجماعة وأدوارها في دول مختلفة. لكن هذا الوضع تغير خلال الـ13 من يناير (كانون الثاني) الجاري، حين أقدمت وزارتا الخارجية والخزانة الأميركيتان على تصنيف ثلاثة فروع من الجماعة كمنظمات إرهابية، في خطوة أنهت مرحلة طويلة من المراوحة، وفتحت مساراً تصاعدياً للتعامل الأميركي مع "الإخوان" بوصفهم تهديداً أمنياً لا مجرد إشكال أيديولوجي.
وبالفعل، صنفت الخارجية الأميركية الفرع اللبناني من الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية، بينما أدرجت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني ضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين خصوصاً، استناداً إلى دعمهم المادي وتعاونهم مع جماعات مصنفة إرهابية، وفي مقدمها "حماس". وأوضح البيان الرسمي أن هذه الفروع تعمل تحت غطاء مؤسسات مدنية، بينما تمارس أدواراً تمويلية وتنظيمية خطرة، مما يستتبع عقوبات صارمة تشمل تجميد الأصول ومنع الوصول إلى النظام المالي الأميركي. هكذا، لم يعد تصنيف "الإخوان" مسألة نظرية مؤجلة بل سياسة متدرجة، فالاستثناء للجماعة في دول أخرى مثل السودان وسوريا ربما يعكس نهجاً قائماً على تقييمات دقيقة للتهديدات والأنشطة، ويترك مساحة للمراجعة والتقييم المستقبلي بحسب تطورات المشهد الإقليمي والدولي.
تداخل معقد
جاء تصنيف واشنطن لعدد من فروع جماعة "الإخوان" ضمن سياق دولي تشكل تحت تأثير تحولات أمنية كبرى أعقبت هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما كشفه من تداخل معقد بين جماعات الإسلام السياسي وشبكات الفعل المسلح. في هذا المناخ أعادت الإدارة الأميركية والكونغرس فحص الخرائط التنظيمية والتمويلية للجماعة العابرة للحدود، وبرزت قناعة مؤسساتية بأن الفصل التقليدي بين العمل الدعوي والسياسي والعسكري لم يعد صالحاً للتقييم الأمني، خصوصاً حين تتقاطع هذه المستويات مع دعم مباشر أو غير مباشر لفصائل مصنفة إرهابية.
منذ منتصف عام 2025، تقدمت مشاريع قوانين داخل الكونغرس قادها أعضاء جمهوريون، من بينهم السيناتور تيد كروز، باتجاه إدراج جماعة "الإخوان" ضمن أطر مكافحة الإرهاب. هذا الحراك التشريعي لم يسع إلى تصنيف شامل للتنظيم العالمي، بل دفع نحو مقاربة قانونية تفصيلية تستند إلى سلوك الفروع وشبكاتها، وأنماط تفاعلها مع النزاعات المسلحة. هكذا تبلورت سياسة انتقائية تعتمد التقييم الأمني والقرائن الاستخباراتية أساساً للقرار.
القرار جاء تتويجاً لمسار سياسي وإجرائي بدأ علناً خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب نيته تصنيف الجماعة "منظمة إرهابية أجنبية"، مؤكداً أن الوثائق النهائية كانت قيد الإعداد وأن القرار سيكون صريحاً وقوياً. هذا التوجه تزامن مع ضغوط متزايدة داخل الكونغرس من الحزب الجمهوري، ودعوات على مستوى الولايات أبرزها من حاكم تكساس غريغ أبوت، لتوسيع نطاق التصنيف ليشمل "الإخوان" وكيانات مرتبطة بهم.
وخلال الـ24 من نوفمبر 2025، أصدر ترمب أمراً تنفيذياً يكلف وزارتي الخارجية والخزانة بإعداد تقرير خلال 30 إلى 45 يوماً حول تصنيف بعض فروع الجماعة كـ"منظمات إرهابية أجنبية"، أو "إرهابيين عالميين مصنفين بصورة خاصة". هذا الخيار عكس مقاربة انتقائية تميز بين الفروع بحسب نشاطها وعلاقاتها، فشمل لبنان ومصر والأردن، واستثنى فروعاً أخرى بارزة مثل "الإخوان" في السودان وسوريا، على رغم حضورهم المؤثر في المشهدين السياسي والأمني.
عملياً، صنفت الجماعة الإسلامية اللبنانية، على خلفية تفعيل جناحها العسكري "قوات الفجر" خلال الحرب التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وإطلاق صواريخ من جنوب لبنان بالتنسيق مع "حزب الله" و"حماس"، إضافة إلى كشف معسكرات تدريب وعمليات تحضير لهجمات إرهابية. وأُدرج الأمين العام للجماعة محمد فوزي طقوش على لائحة "الإرهابيين العالميين". بالتوازي، أُدرج فرعا "الإخوان" في مصر والأردن ضمن القائمة بسبب أدوارهما في دعم "حماس" عبر التجنيد والتمويل والإمداد. وفي الأردن، كشفت التحقيقات منذ مطلع عام 2025 عن شبكات مرتبطة بالجماعة تعمل على تصنيع صواريخ وطائرات مسيرة، وتخزين متفجرات وتجنيد عناصر داخل البلاد وخارجها.
معايير التصنيف
أتى تركيز القرار على فروع محددة في مصر ولبنان والأردن، وعدم اشتماله على "الإخوان" في دول أخرى مثل السودان وسوريا، مستنداً إلى أسس قانونية وأمنية وسياسية واقعية.
أولاً، أساس التصنيف في القانون الأميركي يقوم على معيار واضح بأنه يجب أن تقدم الجماعة المصنفة دعماً مادياً مباشراً أو تسهيلاً لأنشطة إرهابية تهدد الأمن القومي. في القرار التنفيذي نفسه، ورد نصاً أن الفروع الـثلاثة صُنفت لأنشطة عنيفة أو لتقديمها دعماً ملموساً لحركات إرهابية مثل "حماس"، وتسهيل عمليات عسكرية ضد المدنيين أو تهديد استقرار المنطقة، مما يعرض مصالح الولايات المتحدة وحلفائها للخطر.
ثانياً، الصياغة القانونية تميز بين شبكة عالمية غير موحدة وفروع محلية. ويعد التقييم الأميركي أن "الإخوان" ليسوا كياناً موحداً ببرامج وإدارة مركزية واحدة، بل هم شبكة من الفروع المتباينة في السلوك والصلات. وهذا ما دفع الإدارة إلى استهداف فروع لديها أدلة قوية على دعم العنف، بدلاً من وضع تسمية جماعة إرهابية جامدة على الحركة بكاملها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، بالنسبة إلى دول مثل السودان وسوريا، فإن "الإخوان" يشكلون في كثير من الأحيان فواعل سياسية محلية أو مجموعات معارضة وليست فروعاً مركزية مرتبطة مباشرة بدعم الإرهاب الدولي بصورة موثقة. فـ"الإخوان" في السودان، على سبيل المثال، كانوا جزءاً من سياق سياسي وعسكري داخلي أدى إلى أزمة، لكن الوثائق الأميركية لم تربط فرع السودان بدعم منظمات إرهابية محددة خارج سياقها المحلي.
رابعاً، من منظور الاعتبارات السياسية والدبلوماسية، كان استهداف الفروع التي لها دعم خارجي قوي أو علاقات مع فصائل مسلحة أكثر قابلية للدعم داخل المؤسسات الأميركية، بينما تصنيف "الإخوان" في بيئات معقدة مثل سوريا أو السودان يتطلب دراسات وتحقيقات إضافية لإثبات وجود أنشطة إرهابية وفق المعايير الأميركية، وإلا فقد يكون عرضة للطعن القانوني.
هذا الاستثناء يعكس نهجاً قانونياً متدرجاً يوازن بين حاجة واشنطن لضمان الأمن القومي والالتزام بالمعايير القانونية الصارمة التي تتطلب أدلة ملموسة على الدعم الإرهابي. تصنيف الفروع الثلاثة يمثل مرحلة أولى في استراتيجية أوسع يمكن أن تتوسع لتشمل كيانات أخرى إذا توافرت أدلة قوية وموثوقة، لكن القانون الأميركي لا يسمح بإعلان تصنيف شامل من دون إثباتات قوية يمكن الدفاع عنها في المحاكم، وهذا ما يفسر استثناء "الإخوان" في دول مثل السودان وسوريا حالياً.
تباين المقاربات
كشف التصنيف عن انقسام دولي واضح، إذ عكس تباين المقاربات تجاه الإسلام السياسي وحدود الربط بينه والعنف المنظم. فقد قوبل القرار بترحيب صريح من دول عدة، فرحبت الخارجية السعودية بالتصنيف الأميركي، مؤكدة ثبات موقف الرياض في مكافحة التطرف والإرهاب بجميع صوره. ورحبت مصر والإمارات والبحرين، حيث اعتُبر التصنيف خطوة متقدمة في تجفيف منابع التطرف، وتعزيز الجهود العابرة للحدود لمكافحة الشبكات الأيديولوجية التي توفر الغطاء السياسي أو المالي للعنف المسلح. هذا الموقف وجد صدى أيضاً لدى بعض العواصم الأوروبية التي تتبنى رؤية أمنية صارمة تجاه التنظيمات العابرة للدولة.
في المقابل، أبدت دول مثل تركيا وقطر تحفظاً واضحاً، انطلاقاً من اعتبار "الإخوان" تياراً سياسياً ذا امتداد اجتماعي يمكن احتواؤه ضمن الأطر السياسية، لا مقاربته حصراً عبر أدوات أمنية وقانونية. هذا الرفض لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً مرتبطاً بشبكات نفوذ إقليمية واستثمارات استراتيجية في حركات الإسلام السياسي، وبمقاربات ترى في التصنيف الأميركي سابقة قابلة للتوسع نحو قوى سياسية أخرى.
على المستوى الدولي الأوسع، أبدت منظمات حقوقية قلقها من اتساع تعريف "الإرهاب"، إذ ركزت في خطابها على أخطار توظيف التصنيف لتقييد العمل السياسي، لكن رأيها اصطدم بحجج قانونية أميركية تؤكد أن القرار موجه إلى فروع محددة ثبت تورطها في دعم العنف.
على رغم الثقل السياسي والتنظيمي لفروع "الإخوان" في السودان وسوريا، فإن استثناءها عكس حسابات دقيقة ترتبط بالسياق القانوني، لإثبات تشابكهم مع قوى محلية ودولية أخرى، وصعوبة بناء ملف قانوني مكتمل المعايير في بيئات نزاع مفتوح. وعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على هوامش مناورة سياسية في ملفات انتقالية معقدة.
قانونياً، يستند التصنيف إلى منظومة أميركية صارمة تتيح تجميد الأصول ومنع التمويل، وتجريم أي دعم مادي أو خدماتي داخل الولايات المتحدة، مما يمنحه أثراً مباشراً وفعالاً. دولياً، يبقى تأثير القرار رهناً بتشريعات كل دولة، مما يجعل الاستجابة متباينة بين تبنٍ كامل أو تحفظ سياسي أو صمت محسوب.
يعكس هذا التصنيف تحولاً في ميزان التعامل الدولي مع الإسلام السياسي، ويؤسس لمرحلة تُقاس فيها الجماعات بصلتها الفعلية بالعنف وشبكاته، لا بخطابها المعلن فحسب، مع إبقاء مساحات رمادية مفتوحة في ساحات مثل السودان وسوريا، حيث تتداخل السياسة بالأمن وتتعقد حدود القرار.
سيناريوهات محتملة
يفتح استثناء بعض فروع جماعة "الإخوان المسلمين" من التصنيف الأميركي باباً واسعاً أمام سيناريوهات متعددة، تتقاطع فيها الحسابات القانونية مع اعتبارات الجغرافيا السياسية وتعقيدات البيئات الهشة. هذه الفروع، وخصوصاً في السودان وسوريا، تتحرك ضمن فضاءات تتداخل فيها السياسة بالأمن، والعمل الاجتماعي بالاقتصاد غير الرسمي، مما يجعل مسار التعامل معها مرهوناً بتطورات ميدانية واستخباراتية دقيقة.
السيناريو الأول يتجه نحو توسيع تدريجي للتصنيفات، يقوم على بناء ملفات قانونية متراكمة تستند إلى التحقيقات المالية وتتبع شبكات التمويل والعلاقات العابرة للحدود. في هذا المسار، تتحول الفروع المستثناة إلى موضوع مراقبة لصيقة، وتربط أية خطوة تصعيدية بظهور أدلة قابلة للصمود القانوني. هذا الخيار يعزز فعالية القرار الأميركي، ويحول التصنيف إلى أداة ديناميكية قادرة على إعادة تشكيل خرائط النفوذ داخل الشبكات الإسلامية، مع أثر ارتدادي واضح في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تنشط أذرع مالية وتنظيمية مرتبطة بهذه الفروع.
السيناريو الثاني يفترض بقاء الاستثناء قائماً ضمن مقاربة براغماتية ترى في بعض الساحات أوراقاً سياسية موقتة أكثر من كونها أهدافاً قانونية مكتملة. في السودان، يتشابك حضور "الإخوان" مع بنية انتقالية مضطربة، ومع توازنات داخلية تجعل التصنيف خطوة ذات كلفة سياسية مرتفعة. وفي سوريا، يتداخل المشهد مع صراعات دولية وإقليمية معقدة تجعل أي تصنيف جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز الجماعة نفسها. وضمن هذا السياق، يتحول الاستثناء إلى أداة ضبط مرحلي تستخدم لإدارة الأخطار لا لحسمها.
أما السيناريو الثالث فيرتبط بتكيف الفروع المستثناة مع الواقع الجديد عبر إعادة هيكلة خطابها، وتفكيك بعض الروابط العلنية، ونقل أنشطتها المالية والتنظيمية إلى مسارات أكثر تعقيداً. هذا التكيف قد يخفف الضغط المباشر، لكنه يوسع نطاق الاشتباه ويدفع الأجهزة الأميركية إلى تعميق أدوات الرصد والتحليل، بما يرفع احتمالات التصنيف على المدى المتوسط.
في جميع هذه السيناريوهات يتوقف الأثر الحقيقي للتصنيف على مدى استمرارية تطبيقه، وعلى استعداد الإدارة الأميركية للانتقال من القرارات الرمزية إلى الاستراتيجيات المتكاملة. فالتصنيف، في ذاته، نقطة انطلاق ضمن مسار أطول يستدعي تحقيقات مالية معمقة وتنسيقاً دولياً، ووضوحاً في المعايير. وإذا ما استمر هذا النهج وتوسع فإنه مرشح لإحداث اضطراب واسع في شبكات "الإخوان" عبر الشرق الأوسط وخارجه، مع إعادة رسم حدود الحركة والتمويل والتأثير، وتحويل الاستثناء من حال ثابتة إلى وضع قابل للمراجعة في أية لحظة.