ملخص
من حين إلى آخر، تمنح السينما الأميركية نفسها فرصة النجاة من صورتها الراهنة: صناعة ضخمة تُدير ظهرها للمخاطرة والأفكار التقدمية البعيدة من صراع الخير والشر، لتغرق في إعادة تدوير الوصفات نفسها. وفجأةً، متحديةً الملل، يخرج علينا فيلم يفرض إعادة النظر في الأحكام المتسرّعة.
"معركة تلو أخرى" لبول توماس أندرسون الذي فاز في مطلع هذا الأسبوع بـ4 جوائز "غولدن غلوب" من بينها أفضل فيلم كوميدي، ينتمي إلى هذه الفئة. الاهتمام النقدي والجماهيري الواسع الذي ناله في الأشهر الماضية يؤكّد أن السينما الأميركية لا تزال قادرة على التفكير بنفسها، حتى من داخل منظومتها الإنتاجية الثقيلة، و"المقيدة" في بعض الأحيان.
لا يتعامل أندرسون مع الواقع الأميركي كمادة جاهزة للشرح أو المحاكمة. هو يضعه في الخلفية، كضغط دائم، كقوة غير مرئية تحرّك الشخصيات من دون أن تمنحها خلاصاً. تجري الحوادث في أميركا، أو في نسخة أكثر تطرفاً منها. الزمن هو الآن، وإن لم يُعلَن بوضوح هو الآخر. الإشارات السياسية والاجتماعية، من أزمة اللاجئين إلى العنف الثوري وصعود الخطابات المتطرّفة، تأتي كأعراض أكثر منها تيمات وعناوين براقة. العالم الذي يصوّره مخرج "ماغنوليا" مريض، والفيلم لا يسعى إلى تشخيص المرض بقدر ما يراقب تطوّر العدوى وانتشاره المحتمل.
ينطلق الفيلم من لحظة ملموسة: مجموعة ثورية تنفّذ عمليات باسم مقاومة النظام الرأسمالي ومقارعة الإمبريالية. في مشهد افتتاحي لافت، تتقاطع مصائر ثلاث شخصيات ستظلّ محور السرد: بوب الثائر (ليوناردو ديكابريو) وشريكته برفيديا (تيانا تايلور) والكولونيل لوكجو (شون بن)، ممثّل السلطة العسكرية. لا يصرف أندرسون وقتاً في الشرح أو التمهيد، فمنذ اللحظات الأولى يُلقى بالمُشاهد داخل صراع متوتّر مفتوح على الاحتمالات كافة.
بعد قفزة زمنية طويلة، يتغيّر كل شيء من دون أن يتغيّر أي شيء. بوب لا يعود ثائراً في قلب المعركة، إذ ينسحب على هامش العالم مع ابنته المراهقة ويلا (تشايس إنفينيتي). في المقابل، يعود الكولونيل، بشخصية أكثر غموضاً وشراً، ليعيد نبش الماضي مساهماً في تصعيد الأحداث، فينطلق الفيلم مجدداً في سباقه المحموم: مطاردة جسدية ونفسية لا تبحث عن نهاية بقدر ما تكشف استحالة الخروج من الدائرة، ومع ذلك هناك ذروة واضحة في انتظارنا.
في ظاهره، يتناول الفيلم رموز السلطة والنظام والحركات الثورية بأبعاد تتجاوز مجرد الأكشن. أما في الباطن، فنحن أمام تأمّل في معنى الاعتراض: متى يكون فعلاً تحرّرياً، ومتى ينقلب إلى تكرار أعمى للعنف ذاته الذي يدّعي مواجهته؟ أندرسون لا يقدّم إجابة، فهو يكتفي بوضع الشخصيات داخل هذا السؤال ويتركها تتآكل. بعيداً من ثنائية الإدانة والتمجيد، تُعرَض الثورة في لحظتها الأولى، حين تكون مشحونة بالأمل، قبل أن تعتريها التناقضات ويشوّهها الزمن. وفي المقابل، لا يُمنَح خصومها أي عمق تبريري، هم حاضرون كقوى قمع وفساد، بلا محاولة من جانب المخرج لتلطيف صورتهم أو فهم دوافعهم.
أطروحة سياسية
اختزال "معركة تلو أخرى" في أطروحة سياسية واحدة سيشكّل ظلماً له. الفيلم يشتغل بطريقة خاصة، حيث تقود كل فكرة إلى أخرى أكثر التباساً، ليصبح في نهاية الجولة دراسة عن انتقال الخيبات بين الأجيال، وعن الهوة بين الخطاب والممارسة، وعن السلطة حين تستوطن داخل الأفراد والمؤسسات. كل هذه التيمات تظهر، ثم تنسحب، من دون أن تتحوّل إلى مركز ثابت.
يقول المخرج الكبير بول توماس أندرسون، صاحب رائعة "ستُهرق الدماء" بطولة دانيال داي لويس: "أكبر خطأ كان يُمكن أن أرتكبه في قصّة كهذه هو وضع السياسة في الواجهة. فهذا عمره قصير. ولكي تحافظ على قصة تمتد لساعتين وأربعين دقيقة، يجب أن تهتم بالشخصيات، وأن تخوض تلك القفزات الكبيرة في مساراتها العاطفية، هذا أمر لا يخرج أبداً عن الموضة. الفاشية هي الأخرى لا تختفي، مثلما لن تختفي أيضاً ممارسات الناس السيئة تجاه بعضهم البعض. هكذا نحن البشر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على المستوى الشكلي، يقدّم أندرسون واحداً من أكثر أفلامه إحكاماً من حيث الإيقاع. السرد لا يهدأ، لكنه لا يلهث بلا معنى. الانتقالات بين الأماكن والمناخات تبدو طبيعية، كأن الفيلم يتحرّك داخل خط واحد متصل على رغم التعدّد الظاهري. وتلعب موسيقى جوني غرينوود دور العمود الفقري لهذا التماسك، لا تزيّن المَشاهد بقدر ما تشحنها بتوتّر داخلي متواصل.
ينتقل الفيلم بين أنماط سينمائية متعدّدة: مطاردات، دراما عائلية، وحتى أصداء من الوسترن، كأن أندرسون يعيد اختبار تاريخ السينما الأميركية، لكن بدلاً من الاحتفاء به يعيد تفكيكه. مكونات "البلوكباستر" في تناوله: موازنة ضخمة، نجوم من الصف الأول، مشهدية واسعة. غير أن توظيفها يجري بعكس منطقها المعتاد. لا بطولات، لا نهاية سعيدة، ولا لحظة تطهير. الشخصيات تُجرَّد من هالتها وتُترك في مأزقها بلا رحمة.
في هذا السياق، يحضر سؤال أميركا من دون أن يُطرَح مباشرةً. الفيلم لا يقدّم جردة عن أحوال البلاد، لكنه يرسم ملامحها عبر تناقضاتها: انقسامها، عنفها، قدرتها على ابتلاع كل شيء وإعادة إنتاجه. لا يساوي أندرسون بين الأضداد، لا يرى إمكانية حقيقية للتقاطع بينها. الطرق متوازية لا تلتقي. وسط هذا العالم المأزوم، تبرز شخصية الابنة ويلا باعتبارها الاحتمال الوحيد غير المحسوم. هي تنتمي إلى جيل يحمل في تكوينه تداخلاً عرقياً وأيديولوجياً، فلا يرث بالضرورة أوهام الأهل. لا يمنحها الفيلم دور المخلّص، لكنه يتركها تمضي، خارج الإطار، كإشارة خافتة إلى أن المستقبل قد لا يكون مجرّد تكرار آلي للماضي.