Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقابلة الشرع تثير جدلا بين حرية الإعلام وحدية المواقف في ظرف متوتر

اعتبرت القناة الكردية أن مواقف الرئيس السوري تصب الزيت على النار في ظل اندلاع المواجهات في حلب

عزا مدير قناة "شمس" عدم بث المقابلة مع الشرع إلى ما حملته من خطاب تصعيدي تجاه "قوات سوريا الديمقراطية" (أ ف ب)

ملخص

أثارت المقابلة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع مع قناة "شمس" الفضائية الكردية التي تبث من أربيل، لغطاً واسعاً إثر رفض عرضها، بسبب ما رأت جهات كردية أنه مواقف حادة أطلقها الرئيس السوري في ظل المواجهات الدائرة في حلب.

بدأت وسائل الإعلام الرسمية وناشطون بتداول مقتطفات اللقاء المتلفز الذي أجرته قناة "شمس" الفضائية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد اعتذارها من المشاهدين عن عدم بث المقابلة يوم الإثنين الـ12 من يناير (كانون الثاني) الجاري. وراجت فيديوهات لمقتطفات من اللقاء، بعد عدم عرضه وإثارة تساؤلات عن دوافع حجبه من الوسيلة الإعلامية التي أجرت المقابلة، مما تسبب بجدل واسع في الأوساط السياسية والإعلامية.

وبررت "شمس" ذلك في حينه بأسباب تقنية، لكن المعلومات الواردة تشي بتعرضها لضغوط، ومنها مطالبة ناشطين أكراد بمنع بث المقابلة، بعد ما قالوا إنها "انتهاكات حدثت في حق الأكراد، رافقت المعارك التي دارت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب".

الإعلام والسياسة

وقال الإعلامي القريب من الحكومة السورية محمد فيصل إن "كل وسيلة إعلامية حول العالم تتمنى إجراء لقاء مع الرئيس الشرع، ولم يكن اختيار قناة شمس، سوى تأكيد للاهتمام الرئاسي بالمكون الكردي وتوضيح ما يجري. وبالتالي فإن الامتناع عن بث المقابلة بذريعة وجود تصعيد في خطاب الرئيس هي أكاذيب، لأنه معروف بخطابه المتزن والهادئ".
وتحدث فيصل عن "حدود الأخلاقيات المهنية التي تدفع القناة إلى إجراء مقابلة ثم لا تنشرها لأنها لا تناسبها، وهذا دليل كبير على عدم تقبل الآخر، وأن المؤسسة الإعلامية المذكورة تعمل لصالح (جبال) قنديل" في إقليم كردستان العراق، التي يسيطر عليها "حزب العمال الكردستاني"  (PKK).

أحداث حلب تسببت بشرخ

في المقابل شرح الناشط السياسي الكردي محمد حمو من استوكهولم الأسباب والتداعيات التي جعلت الشارع الكردي ينتفض لمنع المقابلة مع الشرع، إذ قال إن "دمشق تحاول الظهور بأنها قريبة من الكورد، لكن ما حدث في حلب من انتهاكات في حق أهلنا تسبب بفجوة، بل بشرخ، ولعل ظهور الشرع في هذا التوقيت وعبر قناة كردية سيزيد من اشتعال الموقف ويزيده تعقيداً، فضلاً عن وجود حالة احتقان بتنا نلمسها في مناطق الجزيرة والفرات تجاه ما يحدث. ونأمل أن ترتب دمشق أوراقها وتعيد صياغة طرح سياسي وطني جامع، مبني على المشاركة الحقيقية بإدارة البلاد".

وأبدى حمو استغرابه من إطلالة الشرع على قناة "شمس"، بينما لم يطل على أية وسيلة إعلامية سورية رسمية أو مستقلة ليخاطب السوريين كافة من كل المكونات.

تصعيد بالخطاب

وكان مدير قناة "شمس" إيلي ناكوزي عزا عدم بث المقابلة إلى ما حملته من خطاب تصعيدي تجاه "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، "وهذا الأمر لا يلائم خط القناة الداعي للسلم والتهدئة". وكشف ناكوزي في إطلالة له على القناة ذاتها، "استخدام الشرع لهجة هجومية غير معتادة تجاه قوات ’قسد‘"، إلى حد دفعه إلى التنبيه إلى أن "هذا الخطاب يشبه خطاب حرب"، مشيراً إلى أنه لم يلمس أية رسالة تهدئة كما كان مقرراً.

رد وزارة الإعلام

في المقابل ردت وزارة الإعلام السورية في بيان بأنها "تتفهم بعض النقاط التي أوردتها القناة في معرض تبرير قراراها، وتؤكد من الناحية الأخلاقية والمهنية أن وجود ضغوط أو اعتراضات غير تحريرية ليس سبباً كافياً لحجب لقاء يفترض أنه أنجز في إطار صحافي مهني وبموافقة متبادلة بين الطرفين". وأكد البيان "احتفاظ الوزارة بحقها الكامل في بث اللقاء عبر منصاتها الرسمية وفق الأطر القانونية باعتباره مادة إعلامية منجزة"، في حين باشرت المنصات الحكومية الإعلامية ببث تسريبات من المقابلة، ومقتطفات منها بعد نشرها على قناة "الإخبارية الرسمية".

حديث عن المكونات

وتدور المقتطفات التي تبثها "الإخبارية السورية" حول تأكيد الشرع على حقوق المكون الكردي، الذي برأيه لا ينتمي بالكامل إلى "قسد"، مؤكداً أن "هناك خلافات داخلية بين المكونات الكردية". وأضاف أن "حشر المكون الكردي بحالة حزبية مسلحة لها ارتباطات خارجية تتلقى أوامر من جبال قنديل من أناس معزولين عن الحياة الاجتماعية منذ أكثر من 40 عاماً، يحرمهم من فرصة التنمية والإعمار".

علماً أن "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي تأسست في عام 2015، إثر تحالف عسكري في منطقة الجزيرة والفرات من مكونات دينية وعرقية وطائفية منها العرب والكورد، أدت دوراً بارزاً في وقف تهديدات "داعش"، أكثر التنظيمات المتطرفة بالمنطقة، بالتعاون مع التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

بين حرية التعبير وحقوق الوسيلة الإعلامية

ويرى متابعون للشأن الإعلامي السياسي أن نشر المقابلة على منصات وزارة الإعلام جاء بمثابة رد على عدم نشرها من قناة "شمس" من جهة، وتلبية لحاجة الرأي العام إلى معرفة تطورات الأحداث من الرئيس السوري.

يأتي ذلك مع التطورات الأخيرة التي رافقت معركة حلب في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وما تبعها من استقدام تعزيزات للقوات الحكومية على الأرض باتجاه بلدة دير حافر الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، وتبعد من حلب نحو 50 كيلومتراً، وتشكل البوابة التي تمر منها القوات الحكومية للوصول إلى مسكنة والطبقة و"سد تشرين" ومنها إلى الجزيرة.

وتعد "شمس" فضائية إخبارية كردية ناطقة باللغة العربية انطلقت رسمياً من مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق في يناير (كانون الثاني) 2025، وتركز في خطابها وخطها التحريري على القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية كنافذة من كردستان إلى العالم العربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك اعتبر إعلاميون أن عدم بث اللقاء يعرض "حرية التعبير" للتقييد، ويضع أخطار استقلالية قرار القناة على المحك. وأشارت الباحثة الأكاديمية في مجال الإعلام ريهام عز الدين إلى أنه "كان على القناة بث المقابلة وإن اضطرت إلى حذف ما تراه غير مناسب من خطاب تجده تصعيدياً في حق الأكراد، بحسب قول إدارة القناة، فإن ذلك متاحاً لها على أن يحدث ذلك بالاتفاق مع صاحب المقابلة أو أصحاب الشأن للضرورات المهنية، وبهذا تتخلص القناة من معضلة عدم البث". وأضافت "لكن الأمر على ما يبدو مرتبط بسياسة القناة ومرجعيتها السياسية، وهذا ما يعمق بالفعل مشكلة ضمان استقلال الإعلام، ويعزز بالوقت ذاته السلطة الرقابية على المنبر الإعلامي".

من جهة أخرى، اعتبر مراقبون وأكاديميون أنه يجب تقدير ظروف القناة وملابسات ما حدث، مع احتمال وجود أسباب أخرى غير معلنة. ولفت المدون جمال الدين حمو إلى اختيار الشرع لهذه القناة بالذات التي أسسها الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ليشن هجوماً على "قسد" من خلالها، على رغم أنها قناة ناشئة وليست منتشرة على نطاق واسع كقنوات كردية أخرى مشابهة".

إشادة بقرار القناة

ومن لندن، لفت القيادي المدني المعتمد لشؤون المجتمعات في المملكة المتحدة جيكر حسين إلى أن "القرار الصادر عن ’شمس‘ مهني وأخلاقي، وإدارة قناة موفقة باتخاذ هذا القرار، وهو قرار بطولي"، مبرراً ذلك بأن "الحوار سيتحول إلى أداة تحريض"، وأن "القناة عملت بأعلى مستويات المهنية، إذ رفضت أسلوب ’التلميع‘ أو بث خطاب ملتبس". وأضاف أن "المقابلة جاءت بوقت حساس، ولا بد من رفض الهجوم عليها بعد قرارها بعدم البث واتهامها بعدم المهنية، بل إنها عملت وفق معايير مهنية كونها لم تكن وسيلة ضمن البروباغندا وأداة تحريض بحسب الأهداف التي أراد الشرع نقلها في ظل الأحداث الأخيرة في حلب. ولو كانت قناة كردية، فهي قناة محايدة وعملت بمعايير عالية، وتخاطب الجمهور وتراعي مئات الآلاف من متابعيها وتصغي لهم".
من جانبه يرى الإعلامي السوري ثامر قرقوط أنه "يحدث أن تلغى المقابلات، هذا ليس جديداً، لكن اللافت هو تمسك جمهور الشرع ببث المقابلة".

ويشرح قرقوط أن "رفض البث يحتاج إلى أسباب، وهنا لا توجد أسباب تقنية، وبالتالي ثمة قضية مهنية وسياسية بالدرجة الأولى، وتقييم المقابلة، كما عبر مدير القناة، أنها لم تكن صالحة للبث بسبب الخطاب التصعيدي، في وقت يعد هكذا خطاب أشبه بصب الزيت على النار. وهذه أيدلوجية وسلوك واضحين لدى الرئيس السوري، وفعلها سابقاً ضد أهل السويداء في الصيف الماضي، عندما خرج ليشكر العشائر على فزعتها ضد الدروز وقتلهم.

وأضاف "يحق لوسيلة الإعلام أن تقيم موادها قبل البث، مستندة إلى سياستها الإعلامية وأهدافها ووظائفها، يضاف إلى ذلك حساسية المرحلة والجمهور الذي يتابعها، والتزامها البحت بنبذ خطاب الكراهية والحقد والطائفية، ورفضها الانزلاق إلى أن تكون منصة لخطاب حرب ضد أحد، ولا تخطئ البوصلة عند تقييم هل المادة مناسبة للعرض أم لا. المؤسسات الإعلامية لا تبث كل شيء، كما لا يحق لها الاجتزاء وفقاً لرغبتها، وبدلاً من كل ذلك يصبح الإلغاء حالة صحيحة، لكن كان يمكن التوافق بين القناة والمكتب الإعلامي للشرع على ذلك، إلا أن وجهات النظر كانت متباعدة، إذ إن ما رأته القناة خطاباً تصعيدياً، وجده المكتب الإعلامي خطاباً عادياً، وهذا مثير للتساؤل".

وأشار أيضاً إلى أنه "لم يتحدث أحد عن اتفاق بين القناة والمكتب الإعلامي للشرع، ما رشح من معلومات هو إجراء مقابلة في ظل الحرب التي تشن على الأكراد في حلب، هنا لا يمكن الاصطفاف سياسياً، بل لا بد من تغليب المهنية والناحية الأخلاقية، وعدم المساهمة في زيادة الفجوة بين الأكراد والسلطة، والواضح أن خطاب الشرع كان سيعمق تلك الفجوة ويصعب ردمها لاحقاً".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات