Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وفيات الرضع في مصر... تضارب رسمي وإشكالات طبية

أطباء يرجعون الأسباب إلى إفراط المصريات في الولادات القيصرية وانتشار العدوى بين الحضّانات وسوء التغذية وكذلك العيوب الخلقية

أبرز مسببات الوفاة لدى الرضع هو الولادة بعيوب خلقية (أ ف ب)

ملخص

لا ينفي تضارب الأرقام بين المؤسسات الحكومية المصرية، سواء أكانت ارتفاعاً كما رصدها الإحصاء والتعبئة، أو منخفضة ومرتفعة في بعض الأحيان كما أشارت الصحة المصرية، وجود وفيات بين الرضع في مصر، مما يفرض تساؤلات حول الأمر تبقى إجاباتها لدى المتخصصين من الأطباء بعيداً من الأرقام وألغازها. فما الأسباب الرئيسة وراءها؟ وما مدى ارتباط تلك النسب بعمليات الولادة القيصرية التي تتخطى المعدلات العالمية بمصر؟ وماذا أثمرت المبادرات الصحية وجهود المؤسسات التنفيذية في تعزيز الوعي الصحي لدى الأمهات قبل وبعد الولادة؟ وما الإجراءات الواجب اتباعها لخفض المعدلات لكى تتماشى مع النسب العالمية؟

على وقع تضارب الإحصاءات والأرقام الرسمية الصادرة عن بعض المؤسسات الحكومية أخيراً، أثير جدل طبي حول وفيات الرضع وحديثي الولادة في مصر في شأن نسب معدلاتها. فبينما أشارت تقارير النشرة السنوية لإحصاءات المواليد والوفيات لعام 2024 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية) في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى ارتفاع معدل وفيات الرضع (أقل من سنة) إلى 21.6 لكل 1000 مولود في 2024، مقارنة بـ15.7 لكل 1000 مولود في عام 2015، وزيادة وفيات الأطفال (أقل من 28 يوماً) من 6.8 لكل 1000 مولود في عام 2015 إلى 12.9 لكل 1000 مولود في 2024.

وعدّد الإحصاء الرسمي أسباب وفيات الأطفال الرضع في مصر بين أمراض الجهاز الدوري 35.0 في المئة، و24.3 في المئة أمراض الجهاز التنفسي والالتهاب الرئوي، و12.3 في المئة لحالات معينة تنشأ في فترة الولادة، و11.6 في المئة عن التشوهات والعاهات والشذوذات الصبغوية، و7.8 في المئة لأعراض وعلامات ونتائج سريرية لم تصنف في مكان آخر.

لكن، بعد أيام معدودة وعلى إثر تقرير التعبئة والإحصاء أعلنت وزارة الصحة المصرية، في بيان، أنه "لا يوجد تضاعف في وفيات الرضع"، مبررة أن التباين في النسب يعود لأن "المقارنات المتداولة تعتمد على اختلاف في منهجيات القياس، وأن المسوح الصحية من عام 2000 إلى 2025 أظهرت انخفاضاً من 33 إلى 19.5 لكل ألف مولود حي، باستثناء ارتفاع طفيف مسجل عام 2021 من 22 إلى 25 لكل ألف، بسبب جائحة كورونا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستندت الصحة المصرية إلى أن أحدث التقديرات الصادرة عن البنك الدولي ومجموعة الأمم المتحدة المشتركة لتقدير وفيات الأطفال (UNLLGME) تشير إلى انخفاض مستمر في معدلات وفيات الرضع وحديثي الولادة في مصر على المدى المتوسط والطويل، تتسق مع الاتجاه العالمي. مرجعة أن أكثر من ثلثي وفيات الرضع خلال الشهر الأول من العمر (فترة حديثي الولادة) ترتبط بـ"الأسباب الصحية مثل الولادة المبكرة ونقص وزن المولود والتشوهات الخلقية، وكذلك مضاعفات مرتبطة بارتفاع معدلات الولادات القيصرية مثل متلازمة ضيق التنفس الوليدي، وهي أسباب لا ترتبط مباشرة بالأوضاع الاقتصادية أو تكاليف الخدمات الصحية" وفق البيان، مؤكدة أنه "لا وجود للأوبئة أو فيروسات غامضة".

ولا ينفي تضارب الأرقام بين المؤسسات الحكومية المصرية، سواء أكانت ارتفاعاً كما رصدها الإحصاء والتعبئة، أو منخفضة ومرتفعة في بعض الأحيان كما أشارت الصحة المصرية، وجود وفيات بين الرضع في مصر، مما يفرض تساؤلات حول الأمر تبقى إجاباتها لدى المتخصصين من الأطباء بعيداً من الأرقام وألغازها. فما الأسباب الرئيسة وراءها؟ وما مدى ارتباط تلك النسب بعمليات الولادة القيصرية التي تتخطى المعدلات العالمية بمصر؟ وماذا أثمرت المبادرات الصحية وجهود المؤسسات التنفيذية في تعزيز الوعي الصحي لدى الأمهات قبل وبعد الولادة؟ وما الإجراءات الواجب اتباعها لخفض المعدلات لكى تتماشى مع النسب العالمية؟

بين الأم والطفل تتشابك الأسباب

وعن مسببات وفيات الرضع وحديثي الولادة في مصر، يقول أستاذ طب الأطفال بالقصر العيني الدكتورة أميرة إدريس إن بعضها "يرتبط بحالة الأم أثناء فترات الحمل والأخرى بالطفل"، موضحة "في ما يتعلق بالأم، تتلخص أبرز الأسباب في الولادة المبكرة أو معاناة بعض الأمهات من أزمات مرضية مثل، الإصابة بأمراض الكلى أو القلب أو الضغط وغيرها، أو نتيجة نقل الأم عدوى لمولودها، مثل الإصابة بكورونا أو الإنفلونزا، إضافة إلى سوء التغذية وعدم اهتمام بعض السيدات بصحتهن أثناء فترة الحمل، علاوة على لجوء بعض الحوامل في بعض الأحيان إلى تناول أدوية منشطة لإنجاب أكثر من طفل في بطن واحدة".

وتلفت إدريس إلى ظاهرة منتشرة أوساط السيدات المصريات الحوامل، وهي "عدم انتظام بعضهن في إجراءات المتابعة بصورة دورية والاكتفاء بالفترات الأولى نتيجة أعباء الظروف الاقتصادية ورغبة بعضهن في توفير كلفة نفقات الذهاب للأطباء. وكثير من سيدات الأقاليم يذهبن للوحدات الصحية بالقرى كونها تقدم تلك الخدمات بصورة مجانية على عكس بعض سيدات الحضر، الذين ينصرفون عن عمليات المتابعة الدورية والسونار توفيراً للتكاليف المادية".

 

أما في ما يتعلق بالطفل، فتشير أستاذ طب الأطفال بالقصر العيني إلى أن أبرز المسببات في ولادة بعض أطفال بعيوب خلقية ناتجة أحياناً من "زواج الأقارب وما ينتج منه من أمراض وراثية أو احتمالية تعرضه لعدوى الإصابة بالتهابات رئوية من أشقائه أثناء ذهابهم للمدارس، لا سيما في فصل الشتاء، إضافة إلى احتمالية إصابته بعدوى أثناء وجوده داخل الحضانة، لا سيما إذا كانت غير مرخصة أو منشأة في أماكن تحت (بير السلم) أو لا تخضع للضوابط والاشتراطات الطبية السليمة، فبعض الأسر تلجأ لتلك البدائل الخطرة وغير الآمنة، في حال عدم توافر حضانات أو عدم القدرة على الكلفة المادية".

وعلى مدى الأشهر الماضية، ضبطت السلطات المصرية مراكز حضانات غير مرخصة بالمخالفة لقانون تنظيم المنشآت الطبية رقم 153 لعام 2004، ففي يناير (كانون الثاني) الجاري ببني سويف (صعيد مصر) ضبط مركز حضانات يدار من دون ترخيص، وتبين وجود أفراد تمريض غير حاصلين على تراخيص مزاولة المهنة، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي أعلنت وزارة الصحة إغلاق مركز "الزهراء" لعلاج المبتسرين والصفراء بمحافظة سوهاج (صعيد مصر)، لتشغيله من دون ترخيص أيضاً.

هل الولادة القيصرية السبب؟

ورداً على تفسير وزارة الصحة المصرية بأن جزءاً من وفيات الأطفال يعود للولادة القيصرية، باعتبارها أصبحت منتشرة بين المصريات أخيراً، تقول أستاذ طب الأطفال أميرة إدريس إن "إلقاء اللوم على الولادة القيصرية فقط باعتبارها المسبب الرئيس أمر غير حقيقي وفي غير محله"، شارحة "القضية ليست في نوع العملية، سواء قيصرية أم طبيعية، لكن في الضوابط الحاكمة، وتتوقف على ضمير الطبيب ذاته في أثناء إجراء العملية ومدى احتياج الأم الضروري لأي منهما للحفاظ على حياة الطفل".

لكن أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة بمستشفى أبو الريش الدكتورة أمل السيسي ترى أن الولادة القيصرية من المسببات الرئيسة في وفيات بعض الأطفال حديثي الولادة كونها تجعلهم أكثر عرضة لدخول الحضانات، ومن ثم قد يتعرضون لاحتمالية الإصابة بالعدوى، مشددة على ضرورة اتباع الأمهات الحوامل إجراءات التغذية الصحية السليمة وعزله نهائياً عن أماكن التدخين.

يتماشى ذلك مع ما سبق وأعلنه نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان المصري الدكتور خالد عبدالغفار، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إذ أكد أن أعلى معدلات الوفيات بين المواليد تحدث خلال الأيام الـ28 الأولى من الولادة، مرجعاً السبب في ذلك إلى "الولادات القيصرية المفرطة".

ولا خلاف طبياً بين المتخصصين على أن الولادة القيصرية تتطلب تجهيزات عديدة بالمستشفيات وفرق طبية مدربة وأماكن رعاية وحضانات مجهزة وباشتراطات دقيقة، وهي إمكانات قد لا تتوافر في بعض المستشفيات المصرية، وفق حديثهم إلينا.

 

وفي شأن الولادة القيصرية أيضاً، يلفت الأمين العام مساعد نقابة الأطباء واستشاري النساء والتوليد الدكتور خالد أمين أن المسح السكاني الأخير أظهر أن الطفل الذي يولد من الولادة القيصرية "يكون معرضاً لدخول الحضانات ثلاث مرات مقارنة بالطفل المولود بصورة طبيعية، وهو ما يفاقم الأعباء على كاهل الأسر المصرية.

وفي تقدير خالد أمين في ما يتعلق بوفيات الأطفال فإن روشتة العلاج ترتكز على تبني استراتيجية شاملة لتوعية السيدات بضرورة إجراء متابعة ما قبل الإقبال على الزواج لا فترة الحمل فقط، لتحسين حالتها الصحية وتأهيلها نفسياً وتعريفها بأساليب التغذية السليمة، لافتاً إلى أن "بعض الحوامل لا يهتمون بمتابعة ما قبل الزواج أو الحمل، ويحضرن في مرحلة الولادة فقط، وليس لديهن وعي بأهمية المتابعة الدورية مع الأطباء ولم يزرن أية وحدة صحية من قبل للتعرف على الإرشادات الطبية المطلوبة، مما يجعل أطفالهن عرضة في المستقبل للوفاة أو العيش بإعاقات مزمنة والأمهات تكون عرضة لمضاعفات خطرة".

وكذلك يشدد أمين عام مساعد نقابة الأطباء على ضرورة دعم كل المستشفيات بالتجهيزات التي تقدم خدمات الولادة وتدريب الفرق الطبية بالمستشفيات الحكومية، ودعم برامج خفض الولادة القيصرية والتشجيع على الولادة الطبيعية وتوفير حوافز مالية للأطباء لتحقيق ذلك، علاوة على دعم وجود القابلات المدربات على الولادة لمساعدة أطباء النساء والتوليد أثناء الولادة الطبيعية مثلما يحدث في بلدان أخرى، وتوفير أجهزة متابعة قياس نبض الجنين بكل المستشفيات التي تقدم خدمات الولادة قبل حدوث أية مضاعفات، ودعم وحدات الولادة الآمنة لاختيار أنسب طريقة للولادة لتجنب المضاعفات.

ماذا قدمت المبادرات الصحية في مصر؟

على الوجه المقابل تقول أستاذ طب الأطفال بجامعة الزقازيق الدكتورة نجوى الشافعي إن المبادرات الرئاسية التي نفذتها وزارة الصحة في القطاع الطبي صححت الوعي لدى كثير من الأمهات في مسألة الإنجاب، وتعريفهن بالوسائل الأنسب للولادة الآمنة ومزايا الولادة والرضاعة الطبيعية، كما أسهمت حملات الكشف المبكر عن الأمراض في تحسين حالتهن الصحية وتوعيتهن بالإرشادات الواجب مراعاتهن في أثناء فترات الحمل وحتمية إجراء الفحوص الدورية مع الأطباء المتخصصين في فترات ما قبل وبعد الولادة، وأهمية التغذية السليمة لها والطفل، بخلاف حملات التوعية بأهمية التطعيمات بعد الولادة لتقوية مناعتهم ورفع كفاءتهم في مقاومة الأمراض والفيروسات، وهو ما ينعكس على زيادة نسب الأطفال الأصحاء في المجتمع.

وأعلن رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أن مبادرة "100 مليون صحة" أدت إلى خفض معدلات الوفيات الرضع بنسبة 30 في المئة. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، أطلق نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار، مبادرة "رعاية" لتحسين إجراءات مكافحة العدوى بالرعايات المركزة للأطفال حديثي الولادة وخفض معدل وفيات حديثي الولادة وتدريب الفرق الطبية ورفع الوعي.

وفي تقدير الشافعي أن المعضلة تكمن في الأطفال المبتسرين الذين يجري ولادتهم قبل 37 أسبوعاً، كونهم الأكثر عرضة لمشكلات ما بعد الولادة وأحياناً الوفاة، نتيجة عدم اكتمال ونضج أعضائهم الداخلية، بالتالي عدم قدرتهم على تحمل الحياة خارج رحم الأم، مشيرة إلى أن الطفل لكي يكون مكتمل الأعضاء وقادراً على العيش خارج الرحم يتطلب ولادته في الفترة من 37 لـ40 أسبوعاً.

وفي اعتقاد أستاذ طب الأطفال فإن ظروف الولادة نفسها قد تكون عنصراً رئيساً في وفيات بعض الأطفال أو نتيجة الالتهابات التي قد يكتسبها الطفل من محيطه الأسري، بالتالي لا يستطيع جسده مقاومة أية فيروسات أو بكيتريا، قائلة "الطفل يعتمد على الأجسام المضادة التي تنتقل إليه من الأم في أواخر أشهر الحمل لكي يتمكن من مقاومة أي عدوى خارج الرحم".

 

وتعقب نائب وزير الصحة والسكان والمشرف على المجلس القومي للسكان الدكتورة عبلة الألفي، قائلة "هناك تحسن تدريجي في معدلات وفيات حديثي الولادة والرضع بمصر، واستهدفت الدولة استراتيجيات للوصول تدريجاً للمعدلات العالمية، والوصول بالعدد ليصل إلى تسعة بنهاية عام 2027"، لافتة إلى أن نسبة الوفيات في إنجلترا تصل لـ2 لكل 1000 مولود واليابان 1 لكل 1000 مولود، بينما تراوح في بعض بلدان الخليج ما بين 5 إلى 10 في المئة.

وتشدد الألفي، التي تشغل أيضاً المشرف العام على المبادرة الرئاسية "الألف يوم الذهبية لتنمية الأسرة المصرية"، على أن المبادرات القومية "أسهمت في خفض نسب وفيات حديثي الولادة"، موضحة أن الوزارة "وضعت حزمة من الإجراءات لخفض معدلات وفيات حديثي الولادة، أبرزها حملات دورية مكثفة لمجابهة انتشار المراكز المخالفة وغير المرخصة ومراعاة الضوابط والاشتراطات اللازمة داخل مراكز الحضانات وحوكمة تلك المنظومة وتحديد مستويات دخول الحضانات أسوة بما يطبق في بلدان العالم، وتطوير البنية الأساسية وتوفير الأجهزة المطلوبة وتدريب الأطباء والتمريض بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف لتشجيع الرضاعة الطبيعة وتقليل فرص العمليات القيصرية، علاوة على إنشاء حضانات صديقة للأم والطفل، علاوة على إجراء دراسة مع اليونيسيف لجمع أسباب وفيات حديثي الولادة والمقرر أن تنتهي في أثناء 2026".

كذلك تشير الألفي إلى حتمية مراعاة السيدات عناصر التغذية السليمة، لا سيما في ظل معاناة بعضهن من نقص حمض الفوليك والمغذيات الدقيقة، فضلاً عن اعتماد بعض الأمهات على تغذية أطفالهن بألبان صناعية، مما قد يوثر سلباً في مناعتهن، نظراً إلى فقدان الطفل المغذيات الدقيقة بالجهاز الهضمي، بالتالي يصبح عرضة لالتهابات جرثومية قد تؤدى إلى وفاته، مؤكدة أن "الرضاعة الطبيعية وإفاقة الطفل السليمة قد يخفضان وفيات حديثي الولادة بنسبة 22 في المئة".

أيضاً تلقي المشرف على المجلس القومي للسكان باللوم على بعض الحضانات التي قد تكون سبباً في نقل العدوى للرضع، لافتة إلى أنه أمر متعارف عليه عالمياً، ولا يقتصر على مصر فقط، منوهة أن نسب دخول حديثي الولادة للحضانات في مصر تصل إلى 14.5 في المئة، وهي نسبة عالية مقارنة بالنسبة العالمية المقررة بـ10 في المئة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات