Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النظام الإيراني يمارس قمعا رقميا تزامنا مع المواجهة في الشوارع

أدركت السلطة الدور الحاسم للفضاء الافتراضي في نشوء الاحتجاجات وتنظيمها واستمرارها

قوات الأمن الإيرانية تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في سوق طهران، 6 يناير 2026 (أ ف ب)

ملخص

يسعى النظام الإيراني عبر القمع الرقمي من خلال توجيه الاتهام وإثارة الخلافات واختلاق السرديات وبث اليأس إلى إنهاك الاحتجاج وإفراغه من مضمونه قبل أن يتحول إلى فعل جماعي مستدام.

مرة أخرى، أظهرت الاحتجاجات الجارية في إيران أن القمع لا يقتصر على الشارع والمواجهة الجسدية فحسب، بل بات ينتقل على نحو متزايد إلى ساحة الفضاء الرقمي، حيث تسعى السلطة عبر توجيه الاتهام وإثارة الخلافات واختلاق السرديات وبث اليأس، إلى إنهاك الاحتجاج وإفراغه من مضمونه قبل أن يتحول إلى فعل جماعي مستدام.

على مدى ما يقارب خمسة عقود أنفق النظام الإيراني جزءاً كبيراً من الموارد العامة للبلاد على تنظيم وتوسيع بنية معقدة، متعددة الطبقات ومترابطة، للقمع، بنية شكلت طوال هذه الأعوام أحد الأعمدة الأساسية لبقاء النظام السياسي، وتفعل عند المنعطفات الحرجة، وتشمل هذه البنية طيفاً متنوعاً من الأدوات، من القمع الجسدي والأمني والاعتقالات الواسعة، إلى إصدار أحكام قضائية قاسية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن السيطرة والقمع الرقميين على الإنترنت.

ضمن هذه البنية تتسم بعض الأدوات بطابع دائم، فمراقبة الفضاء الرقمي وتتبع المستخدمين والتحكم في الاتصالات الإلكترونية وإدارة تدفق المعلومات تمارس منذ أعوام بشكل متواصل، في المقابل، تفعل أدوات أخرى - كالقمع الدعائي - وفق الظروف وبصورة ظرفية لكنها موجهة، ومع ذلك ظل النمط المشترك عبر الأعوام يتمثل في أنه كلما اندلعت احتجاجات واسعة حشدت السلطة جميع طبقات القمع في آن لرفع كلفة الاحتجاج ودفع المحتجين إلى التراجع.

كما حدث تماماً في الاحتجاجات الواسعة الجارية، حين نزل جهاز القمع بكل أدواته المعروفة إلى الميدان، من انتشار القوات الأمنية والاعتقالات الجماعية، إلى تقييد الإنترنت والتهديدات القضائية، غير أن الشواهد وأنماط السلوك الحكومي تشير إلى أن التركيز الأساس في هذه المرحلة ينصب على القمع الرقمي وعبر الإنترنت، بعدما أدركت السلطة الدور الحاسم للفضاء الافتراضي في نشوء الاحتجاجات وتنظيمها واستمرارها.

البنية المتعددة الطبقات للقمع الحكومي

القمع الحكومي هو مجموعة سياسات وإجراءات منسقة تهدف إلى كبح الاحتجاجات الاجتماعية أو إنهاكها أو تحييدها، ولا يقتصر هذا القمع على المواجهة الجسدية، بل يشمل طيفاً من الضغوط الأمنية والقضائية والإعلامية والنفسية والاقتصادية، تمارس تزامناً أو على مراحل لتحويل الاحتجاج الجماعي إلى تجربة باهظة الكلفة ومرهقة.

يمارس القمع المتعدد الطبقات في إيران عبر شبكة من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، تتولى الجهات العسكرية والأمنية الضبط الميداني، ويؤدي الجهاز القضائي دوره بإصدار أحكام قاسية واعتقالات طويلة الأمد وتلفيق القضايا والتحقيقات المنهكة. وتستهدف وسائل الإعلام الحكومية وأذرعها الدعائية شرعية الاحتجاج عبر صناعة سرديات أمنية وتوجيه اتهامات غير واقعية للمحتجين، وإلى جانب ذلك تضطلع قوى ما يسمى "السيبرانية" بدور أساس في القمع عبر الإنترنت من خلال إنكار الوقائع وتوجيه الاتهامات وبث الشكوك وزرع اليأس ونشر الأخبار الكاذبة وإثارة الانقسام بين المحتجين.

تظهر مراجعة تجارب الاحتجاج السابقة ومقارنتها بالاحتجاجات الجارية أن السلطة سعت دائماً إلى استخدام هذه الطبقات على نحو تكاملي.

تركيز استراتيجي على القمع الرقمي

خلال الاحتجاجات الحالية استخدمت جميع أشكال القمع - الجسدي والقضائي والإعلامي والنفسي والاقتصادي - في الوقت نفسه، غير أن أسلوب المواجهة يكشف عن تركيز خاص على ضبط الفضاء الرقمي والإنترنت، فالسلطة تدرك جيداً أن شبكات التواصل ليست مجرد أدوات للإعلام، بل هي الساحة الرئيسة لتشكل التضامن والتنسيق واستمرار الاحتجاجات.

وبناء على ذلك انقسم القمع الرقمي في هذه المرحلة إلى طبقات وفروع عدة، فإلى جانب تعطيل الإنترنت وتقييد الشبكات الاجتماعية، جرى تفعيل بنى أخرى مثل نشر المعلومات المضللة والإشاعة الموجهة وتشويه سمعة المعارضين وإضعاف معنويات المحتجين وخلق أجواء من انعدام الثقة بين المستخدمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم أن كثيراً من هذه الأساليب استخدم سابقاً، فإن ما يميز هذه الاحتجاجات الجارية في المدن الإيرانية هو مستوى التنظيم والسرعة والتنسيق، وكان خلق الشقاق بين المحتجين عبر إبراز الخلافات وتحفيز التوترات على المنصات الرقمية محوراً أساساً من محاور هذا القمع، وفي الوقت نفسه أدى النشر المتعمد للأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة دوراً مهماً في طمس الوقائع الميدانية وإرباك الرأي العام.

واستخدم بث اليأس بوصفه عنصراً محورياً في القمع الرقمي، عبر الإيحاء بعدم جدوى الاحتجاجات وتضخيم الكلفة الفردية، بهدف تصوير الاستمرار في المشاركة الاجتماعية على أنه خطر بلا طائل.

وإلى جانب ذلك، استهدفت الشخصيات المعروفة والمؤثرة بالتشويه والاتهامات الكاذبة لخفض نفوذها وقطع صلتها بالقاعدة الاجتماعية.

الحرب الناعمة الإطار النظري للقمع

لا يمكن اعتبار تركيز النظام على القمع الرقمي ظاهرة مفاجئة، إذ يعود هذا التوجه إلى خطاب جرى إنتاجه وإعادة إنتاجه لأعوام في أعلى مستويات السلطة السياسية،

لقد أشار المرشد علي خامنئي مراراً إلى "الحرب الناعمة" بوصفها تهديداً استراتيجياً. واعتبر الفضاء الإعلامي والرقمي ساحة المواجهة الرئيسة، ودعا مراراً مروجيه - ومنهم طلاب الحوزات الدينية والمنشدون في المناسبات الدينية - إلى الاضطلاع بدور فاعل في هذه الحرب عبر إنتاج المحتوى، ووفق هذا النهج صرفت على مدى أعوام موارد مالية ضخمة من الموازنة العامة لإيران لبناء بنى تحتية تقنية وأمنية ودعائية لقمع رقمي متعدد الطبقات، وما يشاهد في الفضاء الافتراضي خلال هذه الاحتجاجات الجارية هو ثمرة هذا البناء المخطط له والممول منذ أعوام.

غير أن ما يميز هذه الجولة من الاحتجاجات على نحو لافت هو رد فعل المجتمع المحتج إزاء هذا القمع المنظم، فبعكس كثير من المراحل السابقة ظهر قطاع واسع من المحتجين في الفضاء الرقمي بوعي أعلى، ونجحوا في تحييد أساليب السلطة الرامية إلى بث اليأس وإثارة الانقسام وتوجيه الاتهامات وصناعة الروايات.

إن التركيز على الهدف المشترك وتجاهل الاستفزازات الموجهة وتجنب الصراعات الداخلية المنهكة كانت من بين السلوكيات التي حدت من فاعلية جزء من العمليات النفسية للسلطة، بل إن بعض المستخدمين ذهبوا أبعد من ذلك، فقاموا بتتبع أنماط النشر المنسق وكشف الحسابات الوهمية وفضح الشبكات السيبرانية المنظمة مما أسهم في تحييد جزء من هذه العمليات.

وبموازاة دخول السلطة إلى ساحة القمع الرقمي ببنية مكلفة ومخططة، أظهر المجتمع - بالاستناد إلى خبراته السابقة - مستوى من التعلم والقدرة على الصمود مكنه من تعطيل بعض هذه الآليات أو حتى قلب مفاعيلها، ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه مؤشراً إلى تغير ميزان القوى في "حرب السرديات"، ساحة لم تعد حكراً كاملاً على السلطة، وقد ينتهي مآلها إلى انتقال السيطرة في الشارع إلى أيدي المحتجين.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات