Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق يودع "يونامي"... هذا ما جنته بغداد وينتظرها

يرى مراقبون أن البعثة الدولية تحولت من المساعدة إلى "مجاملة" الحكومات العراقية المتعاقبة

مؤتمر صحافي مشترك بين السوداني وغوتيريش خلال الإعلان الرسمي عن انتهاء مهمة بعثة "يونامي" في العراق (حساب البعثة على إكس)

ملخص

تأسست بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1500) في عام 2003، وهي بعثة سياسية خاصة تهدف البعثة إلى مساندة الأمين العام للأمم المتحدة في أداء مهمته في العراق. ووجه رئيس الوزارء محمد شياع السوداني في مايو 2024 رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة طالب فيها بإنهاء عمل البعثة بحلول الـ31 من ديسمبر 2025، مؤكداً أنه لم تعد هناك مبررات لوجود بعثة سياسية في العراق.

ترتبط ذاكرة العراقيين حيال الأمم المتحدة بالعقوبات القاسية التي فرضتها المنظمة الدولية عقب غزو العراق للكويت في عام 1990، واستمرت إلى ما بعد الغزو الأميركي للعراق بسبع سنوات، فبين عامي 1990 و2000 أصدر مجلس الأمن 53 قراراً خاصاً بالعراق، منها القرار رقم 660 في الثاني من أغسطس (آب) 1990، الذي طالب بخروج القوات العراقية من الكويت، ليتبعه القرار رقم 661 من الشهر ذاته الذي أقر فرض عقوبات اقتصادية وحصار شامل، حيث طالب المجلس كل الدول بالامتناع عن أي تبادلات تجارية مع العراق، ليتبع تلك العقوبات القرار رقم 687 الصادر في الثالث من أبريل (نيسان) 1991 الذي أدخل العراق في متاهة المفتشين الدوليين الباحثين عن أسلحة الدمار الشامل.

ووضع القرار العراق تحت البند السابع وألزمه بإزالة أسلحة الدمار الشامل، وبدخول المفتشين الدوليين. وبعدما أحكمت العقوبات قبضتها على العراق وظهرت تداعياتها الإنسانية أصدر مجلس الأمن القرار رقم 986 في الـ14 من أبريل 1995 المعروف بـ"النفط مقابل الغذاء والدواء"، الذي مكَّن العراق من بيع النفط الخام بمبلغ لا يتجاوز مليار دولار أميركي لكل 90 يوماً، واستخدام العائدات لشراء الإمدادات الإنسانية.

ومع أن تقارير المفتشين الدوليين لم تُدن العراق، إلا أن مجلس الأمن أصدر القرار رقم 1441 الذي تضمن في ديباجته ونصه إدانة للحكومة العراقية في شأن موقفها من عملية نزع أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك رفضت الأمم المتحدة تفويض الولايات المتحدة استخدام القوة، إلا أن الأخيرة أصرت على استخدامها مع أو من دون موافقة الأمم المتحدة.

وبعدما أخفقت الولايات المتحدة في استصدار قرار من مجلس الأمن يضفي الشرعية الدولية على شن الحرب ضد العراق، عمدت على إقصاء المنظمة الدولية ممثلة بمجلس الأمن وانفردت بتحالف دولي لتشن الحرب.

ومع أن الأمم المتحدة لن تؤيد شرعية الحرب إلا أنها اعترفت بواقع الحال وقد قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار يتضمن رفع العقوبات الدولية عن العراق وتفويض قوات الاحتلال الأميركية حق التصرف بموارد العراق الاقتصادية، محاولةً بذلك إضفاء الشرعية الدولية على احتلالها للعراق وتجنب المساءلة الدولية.

وبناءً على ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1483 الذي أكد أن الولايات المتحدة وبريطانيا دولتان قامتا بالاحتلال، وسلَّم بالصلاحيات والمسؤوليات المحددة بموجب القانون الدولي لسلطة الائتلاف الدولي، ودعا إلى رفع العقوبات عن العراق، وجاء في الفقرة 8 من القرار أن على الأمين العام للأمم المتحدة أن يعين ممثلاً خاصاً له في العراق ليترأس بعثة لمساعدته في أداء مهامه لفترة مبدئية. وكثفت الأمم المتحدة من جهودها من أجل أن يتسلم العراقيون السيادة وتشكيل حكومة ذات صفة تمثيلية.

عودة الأمم المتحدة للعراق من بوابة "يونامي"

عُيِّن المندوب السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين البرازيلي سيرجيو فيرا دي ميلو (اغتيل خلال الهجوم على مقر الأمم المتحدة في بغداد الـ19 من أغسطس 2003 مع 15 موظفاً من الأمم المتحدة) ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق.

وقد حدد أولى مهامه في العراق بهدفين أساسيين الأول إقامة صلات مع عراقيين لهم صفة تمثيلية والهدف الثاني العمل على تعزيز  علاقات العراق مع الولايات المتحدة وبريطانيا وشركائهما في الائتلاف.

وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1500 في عام 2003 تأسست بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، وهي بعثة سياسية خاصة تهدف إلى مساندة الأمين العام للأمم المتحدة في أداء مهمته في العراق التي تنص على أن تقوم المنظمة الدولية بدور حيوي في توفير الإغاثة الإنسانية وإعادة بناء العراق وإنشاء مؤسسات وطنية ومحلية للحكم ممثلة للشعب.

ويقدم المبعوث الأممي تقارير منتظمة إلى مجلس الأمن حول أنشطته وتنسيق أنشطة الأمم المتحدة في عمليات ما بعد انتهاء الحرب في العراق والتنسيق بين وكالات الأمم المتحدة والوكالات الدولية المشاركة في أنشطة المساعدات الإنسانية.

في الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) 2003 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1511، الذي دعا البعثة إلى تنفيذ خططها بحسب ما تسمح به الظروف. وأيد القرار توصيات الأمين العام بوضع جدول زمني وبرنامج لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات. ونص القرار في فقراته 13 و14 و15 على تبديل صفة "قوات احتلال" إلى "القوات متعددة الجنسيات".

وفي عام 2007 تم التوصل إلى اتفاق بين الأمم المتحدة والعراق على إنهاء برنامج "النفط مقابل الغذاء" وعندما عُقدت الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة في عام 2008 كان من ضمن أولوياتها إخراج العراق من تحت الفصل السابع، إلا أن اعتراض الكويت بسبب الملفات العالقة حال دون ذلك.

توالت القرارات التي أخرجت العراق من تداعيات قرار "النفط مقابل الغذاء"، إذ أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 1956 الذي حدد موعداً لإنهاء العمل بنظام الصندوق العراقي للتنمية وفتح حسابات جديدة لموارد النفط العراقي وتحويل خمسة في المئة منها إلى لجنة التعويضات الحربية، ثم صدر القرار 1957 الذي فسح المجال لاستيراد المواد النووية للأغراض السليمة وتلاه القرار 1958 الذي أنهى متبقيات برنامج النفط مقابل الغذاء وتحويل الأموال التابعة له إلى صندوق التنمية.

لم تؤسس بطلب من العراق

"يونامي" هي بعثة سياسية خاصة، وليست بعثة من أجل تمثيل الأمم المتحدة في العراق، ولم يكن تأسيسها بطلب من العراق، هذا ما يوضحه المدير التنفيذي لمركز جنيف للعدالة ناجي حرج، فعلى رغم ما يدار في أروقة الدبلوماسية العراقية بأن وزير الخارجية العراقي آنذاك قد وقع رسالة إلى مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص، فإن المعروف أن الرسالة قد صيغت في مكاتب الخارجية الأميركية، والهدف منها كان للتعامل مع الاحتلال كأمر واقع.

ثم إن إنهاء عمل البعثة، وبحسب حرج "لم يأتِ لأن العراق قد وصل إلى مرحلة من الاستقرار، بل نتيجة ظروف تمر بها الأمم المتحدة تحول دون تجديد عمل البعثة الذي كان يتم سنوياً، وتطور الأمر فيما بعد على شكل طلب من العراق لتمديد عمل البعثة لمدة 19 شهراً تنتهي في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 2025. ولا يمثل غياب البعثة مؤشراً على قدرة العراق على إدارة شؤونه بعد أكثر من 22 عاماً من المساعدة التي قدمتها الأمم المتحدة ودول كثيرة للعراق لبناء مؤسساته، إلا أن الواقع يؤكد هشاشة الحكم وغياب العمل المؤسساتي وعدم استقلالية القضاء، فضلاً عن التدخل الخارجي في شؤون إدارة البلاد".

عمل "يونامي"

فضلاً عن "يونامي" هناك قرابة 20 منظمة وبرنامجاً ووكالة وصندوقاً تابعة للأمم المتحدة تعمل في العراق. تتكون "يونامي" من قسمي رئيسين، الأول هو القسم السياسي وإعادة الإعمار والتنمية، والثاني مكتب حقوق الإنسان الذي يرتبط بمكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

وأدت بعثة يونامي دوراً مهماً في توفير الدعم لعملية صياغة الدستور وساعدت في إجراء الانتخابات وتنسيق جهود الأمم المتحدة الإنسانية والمساعدات المالية من الجهات المانحة ودربت البعثة أول مفوضية عليا للانتخابات، وساعدت البعثة الحكومة العراقية في إنشاء مفوضية عليا مستقلة لحقوق الإنسان.

وتؤدي "يونامي" دوراً سياسياً بحتاً وتجدد ولايتها سنوياً بناءً على طلب الحكومة العراقية وقد وسَّع قرار مجلس الأمن 1770 الصادر في عام 2007 دور البعثة ليشمل دعم الحوار السياسي والمصالحة وتقديم المساعدة الانتخابية وتعزيز حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والانخراط مع دول الجوار.

بعد تولي محمد شياع السوداني منصب رئيس الوزارء في عام 2022 قرر وبالاتفاق مع ائتلافه الحاكم أن دور "يونامي" لم يعد ضرورياً. وكان هذا القرار يستند إلى الرغبة في ترسيخ مظهر السيادة والاستقلال والتأكيد على أن العراق قادر على معالجة قضاياه الداخلية والخارجية من دون وساطة أممية.

وجاء قرار مجلس الأمن الرقم 2682 الصادر في مايو (أيار) 2023 مطالباً بإجراء مراجعة مستقلة لعمل البعثة بقيادة الألماني فولكر بيرتس. تضمنت المراجعة مشاورات داخل العراق شملت لقاءات مع مسؤولين حكوميين على المستوى المحلي والاتحادي.

وركزت المراجعة على محاور هي التهديدات الحالية للسلم والأمن في العراق وتوصيات لتحسين ولاية "يونامي" ودعم العراق في تعزيز التعاون الإقليمي.

وخلص فولكر بيرتس إلى أن النظام السياسي العراقي بات أكثر قدرة على إدارة الأزمات الداخلية والخارجية بوسائل أقل عنفاً. وأوضح أن "أي بعثة أممية لا ينبغي لها أن تبقى إلى الأبد في بلد ما". وأوصى التقرير بتقليص ولاية "يونامي" تدريجاً.

بعد صدور التقرير، وجَّه السوداني في مايو 2024 رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش طالب فيها بإنهاء عمل البعثة بحلول الـ31 من ديسمبر 2025، مؤكداً أنه لم تعد هناك مبررات لوجود بعثة سياسية في العراق. وفي الـ13 من من هذا الشهر جرت في بغداد مراسم الإعلان الرسمي لانتهاء أعمال بعثة "يونامي" بحضور غوتيريش. وأكد السوداني خلال تلك المراسم أن "انتهاء مهمة (يونامي) لا يعني نهاية العلاقة مع الأمم المتحدة، بل بداية مرحلة جديدة من التعاون".

المراحل الأولى لبعثة "يونامي"

يرى البعض أن قدرة "يونامي" على التأثير في مسار الأحداث في العراق خلال العقدين الماضيين كانت محدودة، وهذا الرأي يذهب إليه الباحث في الشأن العراقي والمختص بالشؤون الخارجية والإصلاح الموئسساتي، علي المولوي، الذي يرى أن دور "يونامي" كان أكثر بروزاً في المراحل الأولى، لا سيما خلال صياغة الدستور.

يقول المولوي إن "على العراقيين أن يبنوا آلياتهم الخاصة لحل خلافاتهم من دون الاعتماد على تدخل أطراف خارجية"، مضيفاً أن "إنهاء تفويض البعثة يشير بالدرجة الأولى إلى قدرة النخبة الحاكمة على إدارة خلافاتها، إضافة إلى أن التحديات والعقبات المتبقية أمام ترسيخ الديمقراطية في العراق هي مسؤولية العراقيين وحدهم".

وأوضح المولوي أن "خطر عدم الاستقرار الإقليمي لا يزال قائماً، فالبعثة كان من الممكن أن تحضِّر طبقة إضافية من الغطاء الدبلوماسي للعراق داخل مجلس الأمن بما يساعده على تجنب التورط في أي استئناف مستقبلي للصراعات في المنطقة. الإبقاء على وجود طرف ثالث محايد كـ(يونامي) له قناة مباشرة مع مجلس الأمن الدولي قد يعد خطوة استراتيجية مفيدة، إذ إن وجود بعثة ذات تفويض واضح ومحدود قد يوفر عنصر استقرار ويسهم في احتواء التوترات الخارجية قبل أن تتحول إلى تهديدات مباشرة، لكن ذلك سيتطلب من الحكومة العراقية تجديد تفويض البعثة ضمن نطاق ضيق جداً، ولم تكن هناك في ما يبدو إرادة سياسية للقيام بذلك".

قضايا حقوق الإنسان

كانت الأمم المتحدة دائمة النقد لحكومة ما قبل عام 2003 في العراق، لا سيما في مجال حقوق الإنسان. وبعد عام 2003 اكتفت بمتابعة الانتهاكات، لكن لم تصدر أي قرارات صريحة بالإدانة.

في هذا السياق توضح الباحثة المتخصصة في القضايا الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط هبة عبدالوهاب أن "دور البعثة لم ينعكس في كثير من المواقف في حماية مصالح الشعب العراقي، بل ذهب في أحيان عدة باتجاهات بدت متعارضة مع حقوقه الأساسية وتطلعاته المشروعة، حيث عملت بصورة كبيرة على دعم العملية السياسية الموجودة حالياً".

وترى عبدالوهاب أن "عمل بعثة يونامي لم يتسم بالشفافية ولا بالصرامة الجدية والحقيقية حيال ملفات شديدة الحساسية والأهمية وعلى رأسها ملف حقوق الإنسان. وتزامن هذا القصور على نحو لافت جداً مع فترة رئاسة جنين بلاسخارت للبعثة خلال تظاهرات تشرين، وهي مرحلة شهد فيها العراق انتهاكات جسيمة وممنهجة ترقى وفق المعايير الدولية إلى انتهاكات خطرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، شملت القتل خارج نطاق القانون اغتيالات للمتظاهرين وملاحقة الناشطين واعتقالهم والاستخدام المفرط للقوة والاختطاف القسري. واكتفت بعثة (يونامي) آنذاك بتصريحات عامة وحذرة، افتقرت إلى التوصيف القانوني الدقيق، ولم تُترجم إلى آليات مساءلة واضحة أو ضغوط دولية فاعلة على الجهات المسؤولة هذا النهج أضعف الدور الرقابي المفترض للأمم المتحدة، وأرسل رسائل سلبية مفادها أن الاستقرار السياسي الشكلي قد يُقدَّم على حساب العدالة وحقوق الضحايا".

خيبة أمل

المدافعون عن قضايا حقوق الإنسان في العراق انتقدوا أداء بعثة "يونامي"، واصفين دورها بـ"المخيب للأمل"، هذا ما يذكره لنا علي عباس، المدافع عن حقوق الإنسان وناشط في مجال المنظمات، معتبراً أن "(يونامي) لم تمارس أي وسيلة للضغط على الحكومات المتعاقبة من أجل الحد من الانتهاكات على رغم وجود مكاتب للبعثة لمتابعة قضايا حقوق الإنسان في محافظات العراق. فالموجود على أرض الواقع هو برامج صحافية تُقام في فنادق راقية تُهدر فيها الأموال فيما يقبع المعتقلون في السجون ويتعرضون للتعذيب".

ويشير عباس إلى أن "دور البعثة لم يكن فاعلاً في مراحل مفصلية هددت أمن المجتمع العراقي، من الطائفية والإرهاب، ودخول (داعش)، فضلاً عن القمع  الممارس من قبل الحكومة مثلما حدث خلال رئاسة نوري المالكي من قمع وقتل عشرات المتظاهرين في قضاء الحويجية في كركوك وكذلك القمع في إقليم كردستان والانتهاكات التي رافقت حراك تشرين، فالأزمات ما زالت قائمة فلم يعد النازحون، ولم تتمكن الأقليات من العودة إلى سنجار، وما زال التعذيب قائماً في السجون العراقية والفساد مستشراً في مؤسسات الدولة. من الغريب أن تتحدث البعثة عن حقوق الإنسان ومفوضية حقوق الإنسان ما زالت معطلة ولم تمارس دورها الرقابي".

 

ملف الإخفاء القسري

يبرز الخلل في عمل بعثة "يونامي" بحسب عبدالوهاب في "تعاملها مع قضية النازحين وعمليات التهجير القسري وملف الإخفاء القسري من القرى والمدن، لا سيما من أبناء المحافظات والمناطق ذات الغالبية السنية. هذه الملفات لم تُدر بشفافية كافية، ولم تُواكبها تقارير حقوقية صارمة أو مطالبات واضحة بالمحاسبة، بل جرى التعامل معها غالباً بلغة دبلوماسية توصيفية لا تعكس حجم المعاناة ولا طبيعة الانتهاكات".

في السياق ذاته يوضح المدير التنفيذي لمركز جنيف للعدالة ناجي حرج أن "بعثة (يونامي) قد سكتت عن ملف التهجير القسري واسع النطاق والتغيير الديموغرافي في مدن بأكملها ومنع مئات آلاف المواطنين من العودة إلى بيوتهم لأسباب طائفية انتقامية، ووجود ما لا يقل عن مليون عراقي ما زالوا في مخيمات النزوح وأكثر من 6 ملايين عراقي لا يزالون مهجَّرين خارج البلاد".

ويرى حرج أن "الملف الأخطر هو ملف الإخفاء القسري، إذ إن ما يقرب من مليون عراقي مغيَّبون قسراً على يد ميليشيات مسلحة معروفة، تعمل خارج سلطة القانون. ما دور (يونامي) هنا؟ أين التقارير الصارمة؟ أين الإحالة إلى مجلس الأمن؟ الإجابة لا شيء يُذكر. كذلك عشرات آلاف العراقيين يقبعون في السجون بتهم فضفاضة، كثير منها مبني على وشايات كيدية أو اعترافات انتُزعت تحت التعذيب، وتُنفَّذ أحكام الإعدام دورياً، في ظل منظومة قضائية تفتقر إلى الاستقلال الحقيقي. ولم نسمع من (يونامي) سوى بيانات خجولة، تساوي بين الجلاد والضحية، وتتجنب تسمية المسؤولين".

ويقول حرج إنه "من المؤسف أن يُذكر في حفل إعلان نهاية مهام (يونامي) توصيفاً إيجابياً لوضع المرأة في العراق. الحقيقة أن حقوق المرأة تراجعت على وجه حاد، خصوصاً بعد تشريع قوانين طائفية مست حقوق الأحوال الشخصية، ونسفت مكاسب تاريخية حققتها المرأة العراقية منذ قانون 1958، وتكرَّست بصيغة مدنية أكثر تطوراً في سبعينيات القرن الماضي".

الخطاب الحذر

"التزمت بعثة (يونامي) رسمياً دعم العملية السياسية وتعزيز حقوق الإنسان ومساندة الدولة العراقية في بناء المؤسسات، إلا أن هذا الدور غالباً ما كان محكوماً باعتبارات سياسية تتعلق بالحفاظ على العلاقة مع الحكومات المتعاقبة، مما جعل البعثة تتبنى في كثير من الأحيان خطاباً حذراً"، هذا ما يقوله الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والتطورات المجتمعية علي المكدام.

يرى المكدام أن منتقدي البعثة الذين يجدون أن تقاريرها في مجال حقوق الإنسان كانت توصيفية أكثر من كونها ضاغطة، وأنها عكست إدارة للأزمة لا مواجهة لها، إلا أن الواقع عكس ذلك تماماً، فلا يمكن إنكار أن وجود هذه التقارير بحد ذاته شكل مرجعية دولية، وأن جزءاً كبيراً من تقارير البعثة آنذاك وخطاباتها في مجلس الأمن كانت واضحة ومباشرة ووصفت الكثير من التفاصيل بمسمياتها، من السلاح المنفلت والميليشيات والانتهاكات والإفلات من العقاب وانتهاكات تشرين وما صاحبها من تفاصيل كانت حاضرة في تقارير البعثة وخطاباتها خلال فترة تولي جنين هينس بلاسخارت للبعثة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل نجحت تجربة "يونامي"؟

قال ممثل الأمين العام للأمم المتحدة محمد الحسان إن "القضايا التي أُسِّست من أجلها البعثة قد جرى تحقيقها". في هذا السياق ترى الباحثة المتخصصة في القضايا الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط هبة عبدالوهاب أن "هذه التصريحات عكست دعماً واضحاً للعملية السياسية القائمة، من دون التوقف الجاد عند إخفاقاتها البنيوية أو مسؤوليتها عن الانتهاكات المتراكمة، وهو ما عزز الانطباع بأن البعثة انحازت إلى منطق إدارة الواقع القائم بدل الدفع نحو إصلاح حقيقي قائم على سيادة القانون والمساءلة".

وتضيف عبد الوهاب، "هذا التوصيف لا يعكس الصورة الكاملة والحقيقية للواقع العراقي. فمن الناحية الإجرائية يمكن القول إن الأمم المتحدة نجحت في إدارة بعض الملفات التقنية، مثل دعم العملية الانتخابية وإعادة دمج العراق في النظام الدولي، إلا أن هذه النجاحات بقيت شكلية ولم تلامس جوهر الأزمة السياسية والحقوقية في البلاد".

وتوضح أن "ما كان ينتظره العراق من بعثة (يونامي) لم يكن مجرد تنظيم للاستحقاقات السياسية أو توفير غطاء دولي للعملية القائمة، بل كان ينتظر دوراً أكثر عمقاً في دعم بناء دولة مؤسسات حقيقية، وترسيخ سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، والدفع باتجاه مساءلة عادلة تُنهي ثقافة الإفلات من العقاب غير أن هذه التطلعات لم تتحقق".

وتكمل عبدالوهاب "بدلاً من أن تكون البعثة عامل ضغط دولي لإصلاح المسار، جرى التعامل معها في كثير من الأحيان كجهة تدير الأزمة وتكيّف نفسها مع الواقع السياسي القائم، حيث دعمت العملية السياسية بوصفها غاية بحد ذاتها، حتى عندما كانت هذه العملية تعاني فقدان الثقة الشعبية أو خضوعها لتأثيرات إقليمية تعوق قيام دولة فاعلة. هناك رغبة في إغلاق الملف سياسياً، مما يعكس تقييماً واقعياً لتجربة امتدت لسنوات طويلة. فالعراق لا يزال يواجه الأزمات ذاتها التي استدعت وجود البعثة منذ البداية، مما يجعل من الصعب اعتبار هذه التجربة نجاحاً حقيقياً من منظور وطني أو حقوقي".

تحسين صورة النظام الطائفي

إلى ذلك يشير المدير التنفيذي لمركز جنيف للعدالة ناجي حرج إلى أنه "على رغم من مرور 22 عاماً على تأسيس البعثة فإنها لم تقدم إنجازات ملموسة لفائدة الشعب العراقي على رغم نجاح أجهزة الأمم المتحدة مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الهجرة وصندوق التنمية في تقديم برامج كثيرة ومتنوعة ومفيدة.

يقول حرج، "حجم الفساد الذي استشرى في العراق ووصل إلى المؤسسات الدولية، فضلاً عن حجم الانتهاكات لحقوق الإنسان، لا يدعان أي منصف أن يمنح شهادة نجاح بعثة (يونامي) في مهمتها. لقد بذل ممثلو الأمين العام جهوداً كبيرة في تحسين صورة النظام الطائفي القائم في العراق أمام المجتمع الدولي من خلال تزييف الحقائق، والتغطية على الفظائع التي يرتكبها، فقد عمدت يونامي إصدار تقارير تبريرية، وتخفف من فداحة الانتهاكات، وتستبدل بتوصيف الجرائم الممنهجة عبارات فضفاضة مثل تحديات وحاجة إلى مزيد من الجهود".

هل سيخسر العراق بمغاردة "يونامي"؟

من الناحية القانونية، بحسب عبدالوهاب، "لا يعني انتهاء ولاية (يونامي) انتهاء التزامات العراق الدولية، ولا يُسقط مسؤوليته بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان التي صادق عليها، كما لا يعفي الأمم المتحدة من واجب المتابعة والرصد عبر آلياتها المختلفة، غير أن غياب بعثة ميدانية فاعلة سيؤدي عملياً إلى تراجع مستوى الرقابة الدولية المباشرة، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات. إن إنهاء مهمة يونامي لا يعكس انتقالاً نوعياً نحو السيادة أو تمكين المؤسسات، بقدر ما يمثل انسحاباً منظماً من واقع سياسي مأزوم، لم تُعالَج فيه الأسباب الجوهرية التي استدعت وجود البعثة أصلاً".

إلى ذلك يوضح مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر أن "وجود بعثة (يونامي) ظل يمثل حالة الاحتلال والأزمة، فالبعثات الأممية لا تكون إلا في دول تعاني أزمات وحالات خاصة، والعراق يسعى إلى إنهاء حالة الأزمة لذلك بدأ يفكر في إنهاء عمل (يونامي)".

ويرى حيدر أن "العراق بغياب (يونامي) سيخسر التواصل المباشر مع الأطراف السياسية لتقريب وجهات النظر مع كل أزمة بين القوى السياسية وبين بغداد وأربيل، وأربيل والسليمانية، وسيخسر التواصل المباشر مع مجلس الأمن الدولي، إذ كان المبعوث الأممي يحضر جلسات مجلس النواب ويقدم تقاريره الخاصة بالعراق".

ويضيف حيدر أن "العراق سيخسر تواصلاً أممياً مباشراً بين النجف والمجتمع الدولي وهيئة الأمم المتحدة على اعتبار أن المرجعية الدينية في النجف ترفض أي زائر أجنبي باستثناء المبعوث الأممي. المرجعية اتخذت من المبعوث الأممي نافذة مباشرة تطل منها على المجتمع الدولي والقوى السياسية بعدما أغلقت الأبواب بوجه القوى السياسية منذ أكثر من 10 سنوات، إذ كانت ترسل رسائل مهمة عبر المبعوث الأممي للمجتمع الدولي والقوى السياسية".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات