ملخص
دمج كفاح المخرج السوري الخوص مشاهد من مسرحيتي الشاعر محمد الماغوط "غربة" و"كاسك يا وطن" في عرضه الجديد "تحية"، محاولاً عبر هذه الاستعارة الاشتباك مع الواقع السوري من خلال بنية غنائية درامية راقصة.
العرض الذي جاء ضمن مشروع لإحياء ذاكرة المسرح السوري خلص الجمهور من النسخة التلفزيونية لكل من العرضين الأشهر في تاريخ التعاون الذي جمع كلاً من دريد لحام والشاعر محمد الماغوط. هكذا تمكن الخوص ضمن هذه الإطلالة التي قدمها في مسرح سعد الله ونوس (المعهد العالي للفنون المسرحية) من إحياء عروض لا نجد لها نصوصاً منشورة في المكتبة العربية، فكان لزاماً على فريق العرض العودة إلى أشرطة الفيديو التي حُفظت هذه الأعمال عليها، ومن ثم إعداد عرض جديد لجمهور اليوم.
تروي مسرحية "غربة" كما بات معروفاً حكاية قرية بالاسم نفسه يسيطر فيها البيك الإقطاعي على أراضي الفلاحين ومحاصيلهم، ويمارس عليهم شتى أنواع التجهيل ونهب الموارد، إضافة إلى قطع المياه عن حقولهم. تقود امرأة عجوز الثورة ضد البيك وأعوانه، وفي هذه الأثناء يحضر إلى القرية النائية معلم يحض الناس على بناء مدرسة للتخلص من الجهل، وتعليم أولاد الفلاحين القراءة والكتابة. لكن سلطات البيك تقطع الطريق مجدداً على خطة المعلم، فتحول المدرسة إلى سجن. وبعد مكابدات عديدة يقرر رجال القرية الهجرة عن موطنهم.
نتابع رحلة هؤلاء في بلاد الغربة، إلى أن يعودوا بعد أعوام طويلة إلى ديارهم، ليجدوا القرية وقد تغيرت كلياً، فالنساء قمن باقتناء جرار زراعي لفلاحة أراضيهم البور بعد خذلان الرجال لهن، والجدة العجوز ماتت وتحولت إلى شجرة.
أما في مسرحية "كاسك يا وطن" فهناك قصة مختلفة قوامها مسلسل إذاعي من تسع حلقات، يُبث على إذاعة "آراب كارلو"، وتقدم فقرات هذه الإذاعة مذيعة شابة. وعبر حلقات المسلسل الإذاعي نتعرف إلى غوار المواطن البسيط الذي يعمل أمين مستودع، وينتظر ولادة ابنته أحلام التي ستموت بسبب سوء العناية الطبية في أحد المستشفيات الحكومية، مما يضطر غوار إلى انتقاد السلطات فيتعرض للاعتقال والتحقيق معه.
البعد الإذاعي
يتابع العرض الكوميدي مشاهد المسلسل الإذاعي الذي يتعرض لكثير من الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها الإنسان داخل بلاده. ومنها انقطاع التيار الكهربائي وغلاء المعيشة وانتشار الفساد، وسواها من الأزمات التي تعيشها بلدان العالم الثالث... وصولاً إلى مشهد بيع غوار لأولاده، ومن ثم مشهد مكالمة والده الشهيد له من الجنة، وما تتضمن هذه المكالمة من سرد غوار لهمومه. مرثية تنتهي بانتصار بطل العرض للبقاء في الوطن على رغم كل ما تعرض له من قمع وظروف معيشية صعبة.
اختار الخوص لهاتين المسرحيتين قالباً كوميدياً، وقلب أدوار الرجال في مسرحية "غربة" إلى أدوار نساء، وأدوار النساء رجالاً. فالبيك وحاشيته ورجال القرية العاطلون من العمل قامت ممثلات شابات بأداء أدوراهم، أما فتيات القرية فلعب أدوارهن ممثلون شباب. هذا الخيار الفني أعطى نكهة جديدة للعرض، ومضى بنا إلى ما يشبه عملاً غنائياً راقصاً، لا سيما في فصل "عيد الكذب" الذي قام كفاح الخوص بكتابة أشعار جديدة له لم تكن في النسخة الأصلية، بينما دمج المخرج مشاهد استقدام الجرار الزراعي مع مشهد مكالمة الأب مع ابنه غوار من مسرحية "كاسك يا وطن".
ورافق العرض عزف عود (ليان لحام) قدم مخرج "تحية" من خلاله صيغاً درامية غنائية وأخرى راقصة، تعاون فيها مع الكريوغراف رهف الجابر، ولا سيما في لوحة "راية السودا الحزينة" ولوحة "اسق العطاش"، وفيها اعتُمد على رقصات السماح والدبكات الشعبية التي سادت معظم عروض الماغوط ولحام. وهي بالمناسبة نوع من محاكاة للمسرح الغنائي الرحباني بلهجة سورية اقتربت خلال سبعينيات القرن الماضي من هموم الجمهور، ولكن من دون أن تضع اليد على الجرح، بل بالدوران حوله، ومحاولة استنهاض قيم اشتراكية من مثل "الأرض لمن يعمل فيها"، وسواها من الشعارات التي كانت سائدة خلال الربع الأخير من القرن الـ20.
تشكل العودة إلى مسرح دريد لحام ومحمد الماغوط نوعاً من مصالحة بين مسرحين كانا دائماً على طرفي نقيض في سوريا، فهناك المسرح الجاد ومثلته عروض المسرح القومي، وهناك عروض "فرقة تشرين" التي مثلتها عروض فرقة "تشرين". وربما ليس خافياً على أحد الهوة التي كانت سائدة آنذاك بين المسرحين، وخير دليل على ذلك ما كُتب من مقالات نقدية عن عروض من مثل "كاسك يا وطن" و"غربة" في مجلة "الحياة المسرحية" التي كان يديرها ويشرف عليها سعد الله ونوس.
حساسية جديدة
اليوم يقدم الطلاب وخريجو المعهد العالي للفنون المسرحية ما يشبه اعترافاً متأخراً بمسرح دريد والماغوط، إذ يبدو، وبعد قرابة أكثر من نصف قرن على انطلاقة عروض "فرقة تشرين" وتوقفها نهاية تسعينيات القرن الماضي، أن ثمة حساسية جديدة لقياس تلك التجربة، ولا سيما لدى الفنان كفاح الخوص الذي يخطط تباعاً لتقديم عروض ونصوص من ذاكرة المسرح السوري. وبدأ فعلاً بالتحضير لأعمال مُستقاة من المسرح الشعبي لعبداللطيف فتحي، كما أن هناك مشاريع لاستعادة عروض من "مسرح الشوك" لعمر حجو، ومن "مسرح دبابيس" للأخوين قنوع. بل ويبحث الخوص مجدداً في النصوص التي كتبها وليد فاضل وعلي كنعان ومصطفى الحلاج وغيرهم من الكتاب والمخرجين الذين أسهموا في تأسيس التجربة المسرحية السورية، وذلك بغض النظر عن تباين هذه التجارب وطبيعة جمهورها، واختلاف مزاج متفرجي القرن الـ20 عن ذائقة جمهور عشرينيات القرن الـ21.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمكن القول إن عرض "تحية" لم يبالغ في ديكوراته، ولا في الإضاءة المستخدمة (عمار الحامض) في مناظره، بل حافظ على إيحائية رمزية للدلالة على أجواء قرية "غربة"، إلا أنه اعتمد على أزياء ذات صيغة شعبية واضحة مثلت ملابس الفلاحين والمزارعين داخل الريف السوري، وهي تقريباً أزياء الشخصيات في العرضين الأصليين "غربة" و"كاسك يا وطن".
يظهر ذلك من توظيف العباءات والشماخ العربي والقمباز وسواها من الأزياء الفلكلورية، التي أضفت أجواء مقاربة لأجواء العرضين الأصليين. واعتمدت مسرحية "تحية" على موسيقى حية (ليان اللحام) كان قوامها العود والإيقاع لمواكبة الأحداث، ولا سيما في اللوحات الراقصة.
ويمكن ملاحظة أن الخوص لم يغير حتى في الميزانسين (الرسم الحركي) للعرضين الأصليين، بل حافظ حتى على الحلول الإخراجية، وحتى على مجسم الجرار الزراعي الذي صنعه من الكرتون والبلاستيك، فيما نرى تقليداً حرفياً لزي شخصية غوار الطوشة في مسرحية "كاسك يا وطن".