Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

5 سنوات على لقاح كورونا البريطاني: إرث يستحق الحماية

برهن لقاح "أكسفورد - أسترازينيكا" على حجم الإنجازات الممكنة حينما تترجم الخيارات الاستراتيجية البعيدة المدى إلى فوائد نوعية ومستدامة تخدم الدولة والاقتصاد وحياتنا اليومية

خلال العام الأول أنقذ لقاح "أسترازينيكا" أرواح نحو 6 ملايين شخص (أنسبلاش)

ملخص

يجسد ابتكار لقاح "أكسفورد – أسترازينيكا" حصيلة استثمار طويل الأمد في البحث الجامعي، ويبرهن أن حماية تمويل الجامعات وتمكين الباحثين شرط أساس لتحويل الاكتشافات العلمية إلى إنجازات مستدامة تعزز الصحة والاقتصاد وحياتنا اليومية.

قبل خمس سنوات مضت، شهد أحد مستشفيات مدينة أكسفورد البريطانية إعطاء أول جرعة من لقاح "أكسفورد - أسترازينيكا" المضاد لفيروس كورونا المستجد أو "كوفيد- 19". كانت لحظة فارقة في مسار مواجهتنا للجائحة، إذ أثبتت أن ابتكاراً علمياً خرج من أروقة جامعة بريطانية في مقدوره أن يسهم في تغيير وجه العالم.

منذ تقديم الجرعة الأولى، جرى توفير أكثر من 3 مليارات جرعة مضادة لاستخدامها في أكثر من 180 دولة. وفي غضون العام الأول وحده، أنقذ اللقاح، وفق التقديرات، أرواح 6 ملايين شخص، بيد أن هذا الإنجاز العلمي لم يكن وليد الصدفة.

لم يكن هذا الإنجاز نجاحاً عابراً تحقق بين ليلة وضحاها، بل ثمرة عقود من شراكة ملتزمة بين جامعات و"هيئة الخدمات الصحية الوطنية" البريطانية والقطاع الصناعي في البلاد، وبفضل الاستثمار الطويل الأمد في بحوث الأمراض المعدية، تمكن العلماء سريعاً من إعادة توجيه التكنولوجيات والمهارات القائمة وتطويعها لمواجهة التهديد الجديد.

في الواقع، لا تكتمل الاكتشافات التي تغير حياة البشر وتؤتي ثمارها إلا بعد حين، كما أن تحقيق فوائدها يعتمد على نهج طويل الأمد، يشتمل على مؤسسات مستقرة وآمنة، ووجود منظومة فاعلة لصناعة الكفاءات وتخريج المواهب العلمية باستمرار، إضافة إلى تمويل أساس ومستدام للبحث العلمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد تجلت القيمة الحقيقية للأبحاث الجامعية أمام أعيننا في صورة هذا اللقاح، إذ أتاح لنا استرداد حياتنا المعتادة وتفاصيلها اليومية، سواء بالعودة لوظائفنا أم بتجديد الوصال مع الأهل والأحبة.

غير أن إسهامات البحوث الجامعية إبان الجائحة تجاوزت حدود العلوم الطبية بأشواط، فاضطلعت بحوث العلوم الاجتماعية بدور حيوي في صياغة القرار الحكومي. وانكب الأكاديميون والمسؤولون على العمل جنباً إلى جنب، للإجابة عن تساؤلات جوهرية حول سبل بناء الثقة، وتوجيه السلوك العام، وآليات إيصال الإرشادات اللازمة.

وكانت المحصلة أن البلاد استعادت قدرتها على استئناف نشاطها، واسترد الاقتصاد وتيرة نشاطه، ولكن أثر الجامعات لا ينحصر في أوقات الأزمات فحسب، بل يصيغ تفاصيل حياتنا اليومية بصفة مستمرة، وغالباً بطرق لا نقدر قيمتها حق قدرها.

لا يبقى هذا البحث حبيس الرفوف أو صفحات الدوريات الأكاديمية، بل يسهم في استحداث وظائف وفرص، ويحول الأفكار الخارجة من المختبرات أو قاعات المحاضرات مشاريع تجارية جديدة ومحسنة، تلبي الطيف الواسع من احتياجات بلدنا، سواء في الإسكان، أم المواصلات، أم "هيئة الخدمات الصحية الوطنية".

في مقابل كل جنيه استرليني من يخصص من التمويل العام لـ"مجموعة راسل" للجامعات Russell Group [تكتل يضم 24 جامعة بحثية رائدة في المملكة المتحدة]، يجني البلد أكثر من ثمانية جنيهات في شكل نمو اقتصادي، متمثلاً في: استحداث وظائف جديدة، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة. كذلك تسهم البحوث في إثراء المعرفة، وتمنحنا فهماً أعمق للعالم وتاريخنا وأنفسنا، مما يعيننا على بناء المرونة والقدرة على التكيف، على مستوى الأفراد والمجتمع والدولة ككل.

من هذا المنطلق، أصابت الحكومة البريطانية، إذ وضعت البحث والابتكار في قلب استراتيجيتها الصناعية. فقد اشتملت البنود الأخيرة في مراجعة الإنفاق والموازنة العامة على تخصيص استثمارات لدعم البحث العلمي في القطاعات ذات معدلات النمو المرتفعة، مثل الصحة والدفاع والتكنولوجيا الحديثة.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار الإيجابي مهدداً بالانتكاس تحت وطأة الضغوط المتزايدة التي تداهم الجامعات، فعلى رغم التزام الحكومة البريطانية برفع سقف الرسوم الدراسية بما يتماشى مع التضخم، فإن فرض رسم جديد وارتفاع تكاليف نظام الضمان الاجتماعي الإلزامي [التأمين الوطني]، وتقليص تمويل التدريس، ستقود مجتمعة إلى صافي تراجع في تمويل القطاع الجامعي بنحو 2.5 مليار جنيه استرليني بحلول عام 2027.

والحقيقة أن الضغوط المالية تضطرنا إلى اتخاذ خيارات قاسية، وشأن الحال في أي قطاع، غالباً ما تتنحى الأهداف الطويلة الأمد لصالح الضغوط العاجلة، وفي قطاع التعليم العالي، تواجه القدرات البحثية التهديد الأكبر.

يتجلى ذلك بوضوح أكبر في البحوث المتعلقة بالصحة، إذ يجد الأكاديميون السريريون، علماً أنهم عنصر أساس في تحويل الاكتشافات المخبرية إلى رعاية أفضل للمرضى، أن وقتهم المخصص للبحث لا ينفك يتآكل بفعل نقص الكوادر البشرية والضغوط المالية.

لذا، إذا أردنا تسريع عجلة الابتكار، وتحفيز النمو، والارتقاء بالخدمات العامة في بلدنا، يتعين علينا حماية المؤسسات والكوادر التي تترجم الاكتشافات الرائدة إلى تأثير واقعي ملموس.

بناء عليه، سيكون النجاح في العام المقبل رهناً بثلاثة ركائز، أولها قرار حكومي سبق أن لقي منا كل ترحيب، ويتمثل في الالتزام الطويل الأمد بتأمين التمويل الأساس للبحوث، بما يرسخ القاعدة المعرفية اللازمة للاكتشافات المستقبلية.

ثانيها، ضرورة تحقيق اتساق في السياسات يعزز مكانة الجامعات البريطانية ويمنحها ركيزة راسخة تصب في صالح البلاد وخيرها.

وثالثها، تأمين دعم مستدام للأفراد الذين يشكلون عماد الاكتشاف والابتكار، وذلك عبر: تخصيص وقت كاف للبحث العلمي [بما يضمن للباحث عدم استنزاف وقته في مهمات أخرى]، وتعزيز التعاون البحثي محلياً ودولياً، وضمان بقاء المملكة المتحدة قبلة لأفضل المواهب العالمية، بالتوازي مع بناء مسار قوي لإعداد وتأهيل الكوادر البحثية المحلية للمستقبل.

شكل لقاح "أكسفورد-أسترازينيكا" نموذجاً لحجم الإنجازات الممكنة حينما تتمخض الخيارات البعيدة المدى عن مكاسب سريعة ومستدامة للبلاد والاقتصاد وحياتنا اليومية.

من هنا، فإن خياراتنا اليوم تشكل العمود الفقري للإنجازات العلمية في المستقبل.

الدكتور تيم برادشو، الرئيس التنفيذي لـ"مجموعة راسل للجامعات" Russell Group of Universities.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من صحة