ملخص
سقط مادورو في قبضة أميركا في ما يشبه الزلزال المدوي، أما توابعه فمتوقعة في كوبا وبعضها قد يفوق قوة الهزة الأصلية، والرئيس ترمب من جهته لم يترك الكثير للعالم ليتخيله أو يتوقعه، وخرج قبل ساعات ليقول "يبدو أن كوبا كأنها على وشك السقوط"، فالولاء المطلق لدى الجنود الكوبيين في فنزويلا ليس لمادورو بل للحكومة الكوبية.
فيما عيون العالم مسلطة على فنزويلا ورئيسها القابع، بعد ضبطه وإحضاره وفي قول آخر خطفه وزوجته من كاركاس إلى نيويورك قبل أيام، تتكشف ملامح علاقة بالغة التعقيد متشابكة المصالح ظلت بعيدة من الاهتمام والأعين لأعوام طويلة.
في عملية "الضبط والإحضار" المسماة "العزم المطلق"، لقي 32 كوبياً، وهو عدد غير مؤكد، حتفهم أثناء الهجوم الأميركي في العاصمة الفنزويلية، وهو ما أقرت به الحكومة الكوبية معلنة أن جميع القتلى من القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات الكوبية، وجاء في بيان كوبي رسمي أنه "وفاء لمسؤولياتهم المتعلقة بالأمن والدفاع، أدى مواطنونا واجبهم بكرامة وبطولة وسقطوا بعد مقاومة شرسة في قتال مباشر ضد المهاجمين أو نتيجة القصف على المنشآت"، مع الإشارة إلى إعلان الحداد على الأبطال.
تراشقات وتهديدات
انشغل العالم بتصاعد حدة التراشقات اللفظية والتهديدات بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفنزويلي نيكولاس مادورو منذ وصل ترمب إلى البيت الأبيض في فترتيه الأولى (2016 - 2021) والثانية التي بدأت عام 2025.
التراشقات والتهديدات جاءت على خلفية توليفة متشابكة من المصالح الاقتصادية والخلافات الأيديولوجية والسياسية وملفات تتعلق بالمخدرات والمهاجرين، وكانت أميركا، شأنها شأن العديد من دول العالم، طعنت في شرعية إعادة انتخاب الاشتراكي مادورو لفترة رئاسية ثالثة، وفرضت أميركا حظراً على النفط الفنزويلي عام 2019 في خطوة ألحقت مزيداً من الضرر بالاقتصاد الفنزويلي المأزوم سياسياً.
ومنذ مطلع العام الماضي والرئيس ترمب يصعد حدة الاتهامات الموجهة لمادورو ونظامه، والخاصة بالتورط في شبكات الإتجار الدولي بالمخدرات، وحمل هذه العصابات مسؤولية تدفق المخدرات إلى أميركا وإشاعة العنف في المدن الأميركية، كما اتخذت إدارة ترمب من هذه الاتهامات نقطة انطلاق لإنفاذ قوانين الهجرة المقيدة لـ "أعضاء العصابات المتشبه فيهم".
لا لانقلابات "سي أي إيه"
في المقابل ظلت فنزويلا تتهم أميركا بالتدخل في شؤونها، ولا سيما بعد محاولة تمرد على نظام مادورو عام 2019، وهو ما نفته أميركا أكثر من مرة، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ومع تصاعد حدة تهديدات ترمب لمادورو، قال الأخير بلهجة صريحة "لا لانقلابات تدبرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية"، وذلك بعد ما أعلن ترمب أنه أجاز لـ "سي آي إيه" القيام بعملية سرية ضد فنزويلا.
هذه الأحداث الملتهبة شديدة الإثارة استحوذت على اهتمام العالم الذي تجاوز تفاصيل صغيرة اتضح في ما بعد أنها بالغة الأهمية والتأثير، فعلى مدى عقد ونصف العقد تعمقت العلاقة بين فنزويلا وكوبا وتشابكت خيوطها تشابكاً فريداً بين الأمن والاستخبارات والسياسة والاقتصاد، وتحولت العلاقة بينهما إلى شديدة الترابط واعتماد كل منهما على الآخر، ووصل الأمر لدرجة انشغال مراكز أميركية متخصصة في الفكر والتخطيط السياسي والإستراتيجي بسن سياسات وتوصيات للتعامل الأميركي مع التحالف الفنزويلي - الكوبي المعقد.
البديل الاشتراكي للإمبريالية
في الـ 14 من ديسمبر (كانون الأول) 2004 دُشن ما يسمى بـ "التحالف البوليفاري لشعوب أميركا اللاتينية" بموجب إعلان مشترك وقعه الراحلان الكوبي فيديل كاسترو والفنزويلي هوغو تشافيز، وذلك كبديل اشتراكي لمنطقة التجارة الحرة للأميركتين والتي كانت تروج لها أميركا ذلك الوقت، وجاء بيان التحالف محملاً بكل المفردات ذات النبرات والملامح اليسارية مثل "طريق الحرية" و"راية الاشتراكية" و"الثورة الاشتراكية" و"الاستقلال" و"عالم خال من الهيمنة" وتحالف المناضلين" وغيرها، وهو ما يقف على طرف نقيض من السياسة والمصالح والأيديولوجيا الأميركية التي يحلو لهم تسميتها "الإمبريالية".
ضم التحالف 10 دول إضافة إلى كوبا وفنزويلا، وهي أنتيغوا وباربودا وبوليفيا ودومينيكا وغرينادا ونيكارغوا وسانت كيتس ونيفيس وسانت لوسيا وسانت فينسنت وغرينادين، وأدخلت سورينام كدولة ضيفة عام 2012.
ومضى كاسترو وتشافيز في العمل سوياً على ترسيخ محور سياسي في أميركا اللاتينية، قائم على الأفكار "الثورية الاشتراكية" ويروج لأوجه التشابه بين التجربتين الكوبية والفنزويلية، وكل ذلك بتمويل مما كان يسمى بـ "دبلوماسية تشافيز النفطية".
المكون النفطي في العلاقة
علاقة كوبا وفنزويلا الوطيدة، شأنها شأن علاقات فنزويلا بدول كثيرة في العالم، قائمة إما على مودة أو عداء وترتكز في مقوماتها الأساسية على النفط، ولم لا وفنزويلا تتصدر جميع دول العالم باحتياطات مؤكدة من النفط الخام تبلغ 303 مليار برميل، وتمثل ما يقارب 20 في المئة من احتياط العالم كله، وعلى مدى أعوام طويلة والتقارير الغربية تدق على وتر أن هدف فيديل كاسترو الحقيقي والأول ظل النفط الفنزويلي، بل وجعل النفط الممول الرئيس لمشروعه الثوري الاشتراكي في القارة.
وبحسب دراسة أعدها الباحث هرنان يانيز في "معهد الدراسات الكوبية والكوبية - الأميركية" عنوانها "التحالف الكوبي - الفنزويلي: البوليفارية الجديدة التحررية أم التوسع الشمولي؟"، فخلال عام 2005 وفي أوج التقارب الثوري النفطي الاشتراكي كانت فنزويلاً تزود كوبا بأكثر من 90 ألف برميل نفط يومياً، وتجاوزت ديون كوبا لفنزويلا 3 مليارات دولار أميركي، وقُدر عدد الكوبيين المقيمين في فنزويلا بما يزيد على 40 ألف كوبي، بينهم مستشارون عسكريون وضباط أمن ومعلمون وممرضون وأطباء، وأسهم هذا الوجود المؤثر للكوبيين في فنزويلا بترسيخ تشافيز لسلطته وسيطرته على الرأي العام والسياسة الداخلية، والترويج لأفكاره السياسية القائمة على الديمقراطية الشعبية (شكل من أشكال الحكم في الدول الشيوعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية) بديلاً عن الديمقراطية التمثيلية.
كوبيون لا فنزويليين
وكذلك ارتبطت القوات المسلحة الفنزويلية بالقوات الثورية الكوبية (الجيش الكوبي)، إذ وضعت الأخيرة مبادئ "الحرب غير المتكافئة" Asymmetrical War ضد الإمبريالية الأميركية، وكذلك حرب الشعب الكوبية وتكييفها لتناسب الحال الفنزويلية.
وعمل هذا المحور الكوبي - الفنزويلي المتنامي قبل عقدين على توسيع "قاعدة الدعم" لقادة وجماعات، بعضها عنيف والآخر سلمي، في دول أميركا اللاتينية، وأبرزها القوات المسلحة الكولومبية وحركة "ساندينيستا" في نيكاراغوا والسكان الأصليين في الإكوادور وبيرو.
هذا الازدهار يعود للتسعينيات وتعمق أوائل الألفية وامتد ليصل إلى درجة أن أفراد الأمن الذين قتلوا أثناء تنفيذ عملية ضبط وإحضار أو خطف مادورو قبل أيام كوبيون لا فنزويليون.
مرشدان ورئيسان ودولتان
العلاقات بين البلدين، وتحديداً بين الراحلين فيديل كاسترو وهوغو تشافيز، والتي وصفها خبراء علوم سياسية بأنها كانت أقرب ما تكون إلى مرشدين يرشدان بعضهما بعضاً، ظلت على حالها تنمو وتتوسع وتصبح أكثر خطورة وتتحول إلى شراكة فكرية وإستراتيجية وأمنية، فقد ترك الرئيس الفنزويلي السابق مادورو، ومن قبله تشافيز، المسؤولين الأمنيين الكوبيين يمارسون المهمات الأمنية الحساسة والخطرة في فنزويلا.
ويفسر وزير الخارجية المكسيكي السابق والأستاذ في جامعة نيو يورك خورخيه كاستانيدا هذا الإسناد الفنزويلي الأمني لكوبا في مقالة منشورة في "بروجيكت سينديكيت" المتخصصة في مقالات الرأي والتحليلات التي يكتبها خبراء من مختلف أنحاء العالم، عنوانها "الكتيبة الكوبية التي تحمي مادورو" (2024)، ويقول إنه منذ محاولة الجيش الفنزويلي الإطاحة بالرئيس هوغو تشافيز عام 2002 نشرت كوبا آلاف الأطباء والممرضات ومدربي الرياضة ومستشاري الأمن وعناصر الاستخبارات في فنزويلا، وهم السبب الرئيس وراء عدم الإطاحة بمادورو بعد الانتخابات الرئاسية التي شابها التزوير بحسب قانونيين، والتي جرت في يوليو (تموز) 2024.
لغز الكوبيين
ويطرح كاستانيدا اللغز الذي لا يفهمه كثر وهو عدم محاولة القوات المسلحة الفنزويلية الإطاحة بمادورو الذي تولى السلطة بعد وفاة تشافيز عام 2013، لا سيما وأن فترة حكمه شهدت انهياراً اقتصادياً حين انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو ثلاثة أرباع بين عامي 2014 و2021، وكذلك انخفض إنتاج النفط بصورة حادة وأصبحت السلع الأساس نادرة، وهرب ما يقارب 8 ملايين فنزويلي، أي أكثر من ربع سكان البلاد، وعانت حكومته فضائح فساد ضخمة، وبسبب عدم خدمته في الجيش فهو يفتقر إلى الولاء المؤسساتي الذي كان يتمتع به تشافيز، ناهيك عن اتهامات لا أول لها أو آخر تفيد بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2024.
ويجيب أنه "إضافة إلى استمالة الجيش وإحباط محاولات المعارضة وأميركا للإطاحة به فهناك سبب حاسم، ولكن غالباً يجري تجاهله، وهو الكتيبة الكوبية التي تحميه"، مضيفاً أنه منذ حاول الجيش الفنزويلي الإطاحة بتشافيز عام 2002 نشرت كوبا آلاف الموظفين وبينهم مستشارو أمن وعملاء استخبارات في فنزويلا في مقابل حصول كوبا على النفط الفنزويلي بأسعار مدعومة، وهؤلاء الموظفون كانوا "مكلفين بتحصين مادورو ضد الانقلاب كما فعلوا مع تشافيز، وذلك بمراقبة الجيش الفنزويلي من أعلى إلى أسفل".
وأشار كاستانيديا إلى ما يذكره كثر من تمتع قوات الأمن الكوبية بكفاءة عالية في مثل هذه المهمات، فخلال ستينيات القرن الماضي أُحبطت محاولات أميركية عدة لاغتيال فيدل كاسترو، وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كشف جهاز الأمن الكوبي عن سلسلة من المؤامرات، بعضها حقيقي وبعضها الآخر محض خيال، ضد النظام الشيوعي.
الولاء للأم
وأضاف كاستانيدا أن الأهم مما سبق هو أن الولاء المطلق لدى الجنود الكوبيين في فنزويلا ليس لمادورو بل للحكومة الكوبية، وقال "هذا يُبرز مدى غرابة الوضع، فمن الصعب تصور وجود جهاز استخبارات سرية يعمل في بلد أجنبي وفي خدمة زعيم استبدادي، ولكنه لا يخضع إلا لسلطة البلد القادم منه".
ويطرح الديبلوماسي المكسيكي السابق تفسيراً إضافياً، فعلى رغم استياء كثير من الفنزويليين من هذا الوضع لكن الاستياء لا يشكل معضلة لدى مادورور، "فعلى عكس نظرائهم الفنزويليين لا يضطر أفراد الاستخبارات والأمن الكوبيون إلى الاستماع إلى شكاوى عائلاتهم في شأن نقص الغذاء والدواء والملابس، ولأنهم لا ينجرفون في دوامة غضب الفنزويليين وإحباطهم من النظام فقد صمد هذا الترتيب أمام قدر هائل من الاضطرابات السياسية، حتى مع انهيار الاقتصاد وهجرة الشعب".
زلزال وتوابع منتظرة
سقط مادورو في قبضة أميركا في ما يشبه الزلزال المدوي، أما توابعه فمتوقعة في كوبا وبعضها قد يفوق الهزة الأصلية، والرئيس ترمب لم يترك الكثير للعالم ليتخيله أو يتوقعه، فقد خرج قبل ساعات ليقول "يبدو أن كوبا على وشك السقوط"، وكتب مدير مكتب "سي إن إن" في هافانا باتريك أوبمان أن كثيراً من الكوبيين دأبوا على سؤاله على مدى أشهر سؤالاً بسيطاً وإن كان مقلقاً: "هل نحن التالون؟".
قال أوبمان إنه يبدو أن كوبا أصبحت هدفاً رئيساً لإدارة ترمب وإن القبض على مادورو نقطة تحول جذرية في مسار الحكومة الشيوعية في كوبا والتي اعتمدت لعقود على مساعدات ضخمة من حليفتها الغنية بالنفط (فنزويلا) لضمان بقاء الجزيرة (كوبا)، مشيراً إلى التظاهرة التي نظمت أمام السفارة الأميركية في هافانا السبت الماضي، وتعهد خلالها الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بعدم السماح بانهيار التحالف الكوبي - الفنزويلي من دون قتال، وقال "من أجل فنزويلا وبالطبع من أجل كوبا، نحن على استعداد للتضحية حتى بأرواحنا ولكن بثمن باهظ".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأجواء في كوبا ليست في أفضل أحوالها، فالقلق سيد الموقف والخوف مما يلوح في الأفق من أخطار للكوبيين وللجزيرة المعرضة لخطر الانعزال على أفضل تقدير، يهمين على الجميع، ويقول أوبمان إن الكوبيين الذين تحدث معهم بعد العملية الأميركية في فنزويلا مصدومون من مدى سهولة اختطاف الجيش الأميركي لمادورو من دون أية خسائر في صفوفه، وذكر أوبمان ما كان يهمس به الديبلوماسيون الأجانب في كراكاس من أن حراس مادورو الشخصيين كانوا يتحدثون الإسبانية بلكنة كوبية، وأن مادورو الذي درس في هافانا في شبابه كان يثق في المستشارين الكوبيين أكثر من أبناء شعبه.
ماذا الآن بالنسبة إلى كوبا؟
التحالف التاريخي بين البلدين تفتت في هواء "العزم المطلق"، وهذا التحالف الذي أبقى على الاقتصاد الكوبي قائماً وجعل الحدود بين البلدين شبه متماهية مع بعضها بعضاً، وجعل الأمن والاستخبارات الكوبيين فاعلين في أكثر الدوائر الفنزويلية حساسية وخطورة، أصبح في خبر كان بوقوع فنزويلا في قبضة أميركا، وتصريحات الرئيس ترمب عن السقوط الذي يبدو وشيكاً لكوبا لا يمكن إلا أن تؤخذ مأخذ الجد، وللعالم عبرة في صور مادورو وزوجته في قبضة الأميركيين، فقد قال ترمب "يبدو أن كوبا على وشك السقوط، ولا أعرف إن كانوا سيصمدون"، لكنه نفى احتمال اللجوء إلى القوات الأميركية لتسريع سقوط الحكومة الكوبية، وقال "لا تستطيع كوبا البقاء إلا بفنزويلا"، أما من سيتولى زمام الأمور في فنزويلا فقد جاء رد الرئيس ترمب واضحاً وصريحاً: "لا تسألوني عمن سيتولى زمام الأمور لأن ذلك سيثير الجدل، ونحن من نتولى زمام الأمور"، وفي تلك الأثناء تنتظر كوبا مصير زمام أمورها ومن يتولاه قريباً.