ملخص
تغرق كوبا في أزمة خانقة بعد خمس سنوات من الجائحة، إذ انهارت السياحة وارتفع التضخم بشكل قياسي مع تدهور البنية التحتية وانقطاع الكهرباء المتكرر، فيما يهاجر السكان بأعداد غير مسبوقة. السياسات الصارمة لواشنطن تزيد الضغط، لكن جذور الانهيار تعود إلى نظام يضع مصالح الزوار فوق مواطنيه.
فندق "توري كي-23" يطل شامخاً فوق هافانا. تملكه مجموعة "إيبيروستار" الإسبانية، وهو أطول مبنى في كوبا ورمز لصناعة السياحة في الجزيرة. ومع ذلك، تبقى معظم غرف الفنادق على الجزيرة فارغة. فعام 2024، بلغ معدل الإشغال أقل من 30 في المئة.
مطلع العام الماضي، حين زرت فندق "توري"، كان محاطاً بأكوام من القمامة. وعلى رغم أنه مفتوح أمام الزوار، فإن كثراً لم يتمكنوا من المبيت فيه. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أدرج على "القائمة المقيدة" التي تضم الشركات التي يحظر على المواطنين الأميركيين التعامل معها فعلياً.
كوبا من بين 19 دولة شملها أحدث حظر سفر فرضه ترمب. كان الأميركيون ممنوعين أصلاً من زيارة الجزيرة لأغراض سياحية، على رغم وجود 12 نوعاً من الزيارات "المسموح بها"، تشمل الدراسة والمنافسات الرياضية والزيارات التعليمية. واليوم، تؤكد الحكومة الأميركية أنها ستطبق الحظر بصرامة أكبر. كما فرضت قيود إضافية تستهدف معاقبة أية معاملات مالية مع الشركات المرتبطة بالنظام الكوبي - ومن بينها فندق "توري".
وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن هذه الشركات "تخضع لسيطرة الجيش الكوبي أو أجهزة الاستخبارات والأمن، أو تعمل نيابة عنها". ويملك الجيش الكوبي، عبر تكتل "غايسا"، أو يدير مئات الشركات التي تمثل ما بين 50 و80 في المئة من عائدات الأعمال في البلاد.
ويصعب تحديد النسبة الدقيقة بسبب الطابع الغامض لحسابات "غايسا" (جزئياً لتفادي قيود الحصار الأميركي)، لكن من الواضح أن الجيش يحتكر فعلياً الاقتصاد الكوبي - بما في ذلك الفنادق وغيرها من الأنشطة السياحية.
بدايات متوترة
كثيراً ما كانت علاقة كوبا بالسياحة متوترة. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، واجهت الجزيرة أزمة اقتصادية حادة (المعروفة بـ"الفترة الخاصة") دفعت فيديل كاسترو إلى فتح كوبا أمام السياحة الغربية التي كانت ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد.
واعتمدت كوبا نظاماً نقدياً مزدوجاً؛ من الناحية النظرية، عملة للكوبيين وأخرى (الدولار) للزوار، إلا أن التطبيق العملي كان أكثر فوضوية. فتسللت عدم المساواة الاقتصادية مجدداً إلى المجتمع الكوبي، إذ حصل العاملون في السياحة على دولارات ثمينة، فيما ظل موظفو الدولة (وهم الغالبية) يتقاضون أجورهم بالبيزو. وظهرت متاجر الدولار التي تبيع سلعاً أفضل جودة، فيما باتت بعض المواد متاحة حصراً بالدولار.
كما فرضت حكومة كاسترو إجراءات يصفها الخبراء بـ"الفصل العنصري السياحي"، من بينها منع الكوبيين من دخول الفنادق إلا برفقة أجانب، وحظر إقامة الكوبيين والأجانب معاً في "كازاس بارتيكولاريس" (الغرف المؤجرة في المنازل الخاصة) ما لم يكونوا متزوجين.
وتزايدت مضايقات الشرطة للمواطنين الكوبيين، إذ كانوا يوقفون باستمرار ويطلب منهم إبراز هوياتهم إذا شوهدوا برفقة أجانب. وكان الكوبيون السود على وجه الخصوص أكثر عرضة للاستهداف، إذ غالباً ما اعتبروا "جينيتيروس" (محتالين). أما الامتيازات التي منحت للسياح منذ التسعينيات فهي موثقة جيداً، وتكشف عن تناقض صارخ مع الخطاب الثوري المتواصل طوال ستة عقود.
لقد عايشتُ هذه السياسات بنفسي خلال بحث الدكتوراه في كوبا مطلع الألفية. وعلى رغم قسوتها، لم يكُن مستغرباً أن تضع بلدان الجنوب العالمي المعتمدة على السياحة راحة الأجانب فوق مصالح مواطنيها. تلك هي شروط هذه الصفقة الشيطانية.
تداعيات الجائحة
لا شك في أن الجائحة كانت كارثية على صناعة السياحة الكوبية، بالتالي على الاقتصاد بأسره. وبعد خمسة أعوام، لم يتعافَ القطاع بعد. فارتفع التضخم بصورة هائلة، وتفاقم مع قرار الحكومة توحيد نظام العملة المزدوج عام 2021 بعد سنوات من التأجيل.
وقبل عام 2021، كان الدولار يعادل نحو 25 بيزو كوبياً. وخلال زيارتي الأخيرة للجزيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، كان الدولار الواحد يساوي نحو 250 بيزو، أما اليوم فأصبح 390 بيزو. ورطل لحم الخنزير الذي كان سعره 30 بيزو بات يكلف مئات البيزوات، فيما تجاوز سعر الرز، الغذاء الأساس، 300 بيزو للرطل هذا العام.
وكان الفول والرز والسكر والخبز واللحم والبيض متاحاً للكوبيين بأسعار مدعومة عبر الـ"ليبريتا" (دفتر التموين)، لكن هذا النظام انهار تدريجاً. وأصبحوا مضطرين إما إلى شراء السلع بأسعار مرتفعة من المتاجر الخاصة أو الاستغناء عنها.
وهذا التناقض صارخ بالمقارنة مع المأكولات التي يحصل عليها السياح في الفنادق والتي تبقى بعيدة المنال من معظم المواطنين.
كما انهارت المرافق الأساسية على نحو متزايد. فقد اعتاد الكوبيون على انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، لكن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي غرقت الجزيرة بأكملها في ظلام دامس استمر أياماً، بينما كان إعصار أوسكار يضرب مقاطعة غوانتانامو الشرقية، مدمراً بلدة سان أنطونيو ديل سور وموقعاً ما لا يقل عن سبعة قتلى.
وعلى خلاف ما كان يحدث في السابق حين كانت الحكومة الكوبية تنجح في إجلاء السكان بسرعة قبل الأعاصير، لم يتلقَّ المتضررون هذه المرة أي إنذار مسبق بسبب انقطاع الكهرباء. وهكذا، حتى قبل تطبيق تدابير ترمب الجديدة، كان غياب الاستقرار كافياً لردع السياح عن زيارة الجزيرة خوفاً من الوقوع في الظلام.
آمال سياحية
ومع ذلك وعلى رغم تدهور البنية التحتية العامة، تواصل الحكومة استثمار مبالغ ضخمة لاستقطاب الزوار. وخطط ما قبل الجائحة لبناء عشرات الفنادق الجديدة في أنحاء الجزيرة تمضي قدماً من دون توقف.
لكن السياحة ما زالت بعيدة جداً من مستويات ما قبل الجائحة. فخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، تراجعت أعداد الزوار إلى الجزيرة بنسبة 27 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبنسبة 62 في المئة مقارنة بعام 2019. ومع ذلك، خصص نحو 40 في المئة من الاستثمارات الحكومية خلال النصف الأول من عام 2024 لمشاريع متصلة بالسياحة.
إنه تفاؤل مفرط وقصر نظر، في وقت تشهد الجزيرة أكبر موجة نزوح سكاني منذ استقلالها.
فمنذ عام 2022، فقدت الجزيرة ما بين 10 و25 في المئة من سكانها - وهي أرقام تتفاوت على نطاق واسع بسبب عدم إجراء تعداد سكاني جديد منذ عام 2012، غير أن أحد خبراء الديموغرافيا الكوبيين قدّر بأن عدد السكان انخفض من أكثر من 11 مليون نسمة إلى 8.5 مليون فقط. فالكوبيون لم يعودوا راغبين في العيش وسط إهمال النظام، ولا في دعم اقتصاد يضع الزوار فوق المواطنين. وهكذا دخلت البلاد في حال من الاضطراب.
وتلقي حكومة هافانا باللوم على العقوبات الاقتصادية الأميركية في هذا الانهيار، بالتالي في عجزها عن جذب السياح. أما واشنطن فتردّ أن قرارات النظام الاستبدادي هي التي تبرر الموقف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اليوم، أسمع الكوبيين يصفون هافانا بأنها "فارغة". ومعظم من غادروا هم من الشباب الذين لم يروا مستقبلاً لأنفسهم أو لعائلاتهم في الجزيرة. والمجتمع الكوبي كان أصلاً من بين الأكبر عمراً في أميركا اللاتينية، فيما ستفاقم هجرة الكوبيين في سن العمل الأزمة أكثر.
وكثيراً ما اعتمدت الجزيرة على السياحة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكن هذه الإستراتيجية لم تعُد صالحة منذ زمن طويل. أما الشعب، فأنهكه الواقع: لم أرَهم يوماً يبدون قدراً كهذا من اليأس وفقدان الأمل.
© The Independent