ملخص
تفقد جولي أمها وهي لم تبلغ الـ17، فتتحول الكتابة إلى نوع من التعويض العاطفي، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة. نقرأ في اليوميات حزناً مكبوتاً، وشعوراً بالوحدة، لكننا نلمح أيضاً محاولة واعية للحفاظ على الإرث العائلي، وكأن جولي تدرك، ولو غريزياً، أنها أصبحت حلقة وصل بين عالمين: عالم الفنانين الكبار، وعالم المستقبل الذي قد ينسى إن لم يدون.
خلال النصف الثاني من عام 2017 كانت جولي مانيه منسية تماماً إلى درجة أن صحافياً وجد نفسه مدعواً لأن يعلق على كتاب يحمل اسمها صدر في ذلك الحين، لم يتورع عن أن يصيح حين وصل الكتاب إليه بدهشة: "مبدع من آل مانيه من جديد... فلنر ماذا يحمل إلينا هذا الكتاب".
وكان الصحافي يبدي أول ما يبدي دهشته أمام حجم الكتاب (أقل قليلاً من 600 صفحة) وقلة عدد السنوات التي "يزعم" الكتاب منذ عنوانه، أنه يتناول أحداثها الفنية ومن الداخل تحديداً! ولعل حجته الأساسية في موقفه كانت تكمن في أن الكتاب نفسه يحمل العنوان التالي "يوميات 1893 - 1899"، لا سيما انطلاقاً من معلومات تفيد بأن ثلاثة أرباع القرن كانت قد مضت منذ طبع الكتاب للمرة الأخيرة، أما ما اشتغل لمصلحة الكتاب فكان اسم المؤلفة نفسه، جولي مانيه.
صحيح أن الصحافي كان يعرف أن جولي مانيه هذه ليست ولم تكن أبداً اسماً لامعاً في تاريخ الفن الفرنسي بالمعنى التقليدي، فهي لم تكن رسامة كبيرة مثل أمها بيرت موريسو، ولا ثورية في أي مجال فني، مثل عمها إدوار مانيه، لكنها وكما ستؤكد له قراءته للكتاب، تحتل مكانة فريدة بوصفها شاهدة حميمية على واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الحداثة الفنية. بالتالي لم يفت الصحافي حين علق على الكتاب تعليقاً بالغ الإيجابية، أن يؤكد أن أهمية جولي تكمن أساساً في مذكراتها، التي تحولت مع الزمن إلى وثيقة ثقافية وإنسانية نادرة، تضيء الحياة اليومية لعائلة الانطباعيين من الداخل، بعيداً من الأساطير والتأريخ الأكاديمي الجاف.
أسماء كبيرة
ولدت جولي عام 1878، في قلب الوسط الفني الباريسي، لأم تعد من أعمدة الحركة الانطباعية، وأب هو أوجين مانيه، الشقيق الأصغر لإدوار مانيه. منذ طفولتها الأولى، وجدت نفسها محاطة بأسماء ستصبح لاحقاً أيقونات: ديغا، رينوار، مونيه، مالارميه… كانوا ضيوف البيت الدائمين، وأصدقاء الأم، ومعلمي الذائقة البصرية من دون قصد.
في هذا المناخ، بدأت جولي تدوين يومياتها وهي في سن مبكرة، لا بدافع التأريخ، بل بوصفه تمريناً عفوياً على الفهم والتعبير. وتتميز مذكرات جولي مانيه ببراءتها اللافتة. فهي لا تكتب بعين ناقدة محترفة، ولا تحاول إصدار أحكام جمالية، بل تسجل التفاصيل الصغيرة: مزاج أمها، صمت ديغا، نوبات القلق، الأحاديث العابرة، وحتى التوترات الخفية بين الفنانين. ومن هنا تأتي قيمتها الحقيقية، إذ تكشف الانطباعية لا كمدرسة فنية فحسب، بل كأسلوب حياة هش، مليء بالشكوك، والمرض، والخوف من الفشل، إلى جانب الشغف والرغبة في التجديد. وتكتسب المذكرات بعداً أكثر إيلاماً بعد وفاة بيرت موريسو المبكرة عام 1895.
تفقد جولي أمها وهي لم تبلغ الـ 17، فتتحول الكتابة إلى نوع من التعويض العاطفي، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة. نقرأ في اليوميات حزناً مكبوتاً، وشعوراً بالوحدة، لكننا نلمح أيضاً محاولة واعية للحفاظ على الإرث العائلي، وكأن جولي تدرك، ولو غريزياً، أنها أصبحت حلقة وصل بين عالمين: عالم الفنانين الكبار، وعالم المستقبل الذي قد ينسى إن لم يدون.
بين الفن والإنسانية
لا تخلو مذكرات جولي مانيه من ملاحظات ذكية عن الفن نفسه، لكن أهميتها لا تكمن في التحليل، بل في كشف العلاقة الإنسانية بالفن. فيها نرى اللوحة قبل أن تصبح "تحفة"، ونرى الفنان قبل أن يتحول إلى اسم في المتاحف. جولي تكتب عن ديغا المتجهم، وعن رينوار المرح، وعن مالارميه المتأمل، لا بوصفهم عباقرة، بل كأصدقاء للعائلة، لهم نقاط ضعفهم، ومخاوفهم، وأهواؤهم. ولاحقاً، ستتزوج جولي من الرسام إرنست رونيه، وتستمر في لعب دور الحارسة الصامتة لتراث موريسو ومانيه. غير أن شهرتها الحقيقية ستأتي متأخرة، عندما تنشر مذكراتها وتقرأ بوصفها نصاً أدبياً وتاريخياً في آن واحد. إنها ليست مجرد يوميات فتاة، بل شهادة من الداخل على ولادة الحداثة الفنية، مكتوبة بلغة بسيطة، صادقة، ومؤثرة.
بهذا المعنى، تمثل جولي مانيه مفارقة لافتة: امرأة لم تسع إلى الخلود، فوجدته. لم ترسم لوحات خالدة، لكنها رسمت بالكلمات صورة حية لعصر كامل، صورة لا تزال تنبض بالحياة حتى اليوم. بالتالي، إذا كان المؤرخون سيتأسفون لأن جولي لم تترعرع متمتعة بالمواهب الفنية التي ميزت عمها الكبير الذي عرفته عن قرب ورصدت حياته وفنه، ولا مواهب أمها بيرت موريسو في فن الرسم أيضاً، فإن الحياة الاجتماعية التي عاشتها محاطة بكثير من الأجواء التي منحتها دقة الملاحظة والقدرة على رصد التفاصيل، وفرت لها موهبة أخرى هي موهبة الكتابة بالتأكيد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الأم والابنة رفيقتان
أو في الأقل كما تؤكد هذه اليوميات، التي حتى وإن كانت قد اكتشفت متأخرة فإن اكتشافها أضاف بالتأكيد أموراً كثيرة إلى مدونات ذلك التيار الفني الكبير الذي عاشت جولي محاطة بأساطينه وحكاياته، لقد عاشت جولي محاطة بالتالي بكل من كانت باريس تعرفه في ذلك الحين من فنانين وأدباء ومفكرين وصحافيين.
ولقد وفرت لها طفولتها ثم مراهقتها وسط تلك الأجواء، كل السبل لكي تعرف "كل شيء عن كل شيء" ولكن تحديداً من الداخل، من قلب البيت الانطباعي كما نوهنا في سطور سابقة. ومن المعروف لمن تتبع حياة جولي ومسارها الحياتي أنها كانت دائماً ما تفضل الحياة في دارة عمها على الحياة في دارة أبيها الذي كان من ناحيته يعيش في ظل أخيه المؤسس الانطباعي، بل يتأثر بتأثر هذا الأخير بكل ما يأتي من إسبانيا، فناً وفكراً بل حتى توجهاً نحو "ثرثرة" لا تنتهي واستفاضة في النهل من الحياة وصولاً إلى التعبير عن تلك الاستفاضة، وهو ما ورثته جولي بالتأكيد. فكانت النتيجة تلك المئات من الصفحات دونت فيها تاريخ نصف دزينة وأكثر قليلاً من تاريخ، ولو متأخر، للحركة الفنية التي عرفتها بأكثر مما عرفت أي شيء آخر في حياتها.
ولا بد من أن نشير هنا إلى دور كبير لعبته والدة جولي الرسامة التي كانت، وعلى عكس أخ زوجها، من هواة ريادة الصالونات الأدبية ومحترفات الفنانين ومعارضهم. وهي ما إن وصلت ابنتها إلى سن المراهقة وتبين جمالها وذكاؤها للبيئة المحيطة بهما، حتى جعلت منها رفيقتها في زياراتها وحتى في غزواتها، ويقيناً أن ذلك كله هو ما وفر للصبية النهمة للمعرفة إمكان التزود بكل تلك الخلفية التي وسمت الكتاب الذي نحن في صدده هنا.
يوميات مراهقة
وكانت جولي في الـ 14 من عمرها حين شرعت، وغالباً خفية، في تدوين يومياتها التي سيلاحظ المؤرخون لاحقاً، مدى اختلافها الجذري عما هو معهود من يوميات اعتادت تدوينها بنات عديدات ينتمين إلى الطبقة البورجوازية ذاتها التي تنتمي إليها جولي نفسها. وهي يوميات دائماً ما تكون أكثر حميمية من أن تخدم كتاريخ عام، وأقل جرأة من أن تراجع بوصفها تاريخاً خاصاً يجتذب القراء.
فيوميات جولي بدت منذ صفحاتها الأولى نوعاً من مرآة ناضجة تعكس ما أدركته كاتبتها باكراً من أن ظروفها قد أتاحت لها أن ترصد حياة وتصرفات وضروب إبداع قمم في الحياة الفنية والاجتماعية والأدبية الفرنسية، بدءاً برينوار ومالارميه اللذين من الواضح أنه كان لهما تأثير كبير في مجرى كتاباتها هي التي أدركت باكراً أيضاً أنها كانت في تلك الأحايين تعيش لحظات تاريخية بالغة الخطورة، لكنها، في الوقت نفسه لم تهمل بعض الأسماء التي لولا اهتمامها بها هي نفسها، امحى ذكر أصحابها من التاريخ الفرنسي الموازي للتاريخ الكبير.
وهكذا على سبيل المثال، نلاحظ كيف أنها دافعت على صفحات كتابها بكل حرارة عن الرسامة ماري باشكيرتسيف، التي كانت تماثلها في تحررها وموهبتها، لكنها كانت محط كراهية آل مانيه وبخاصة بيرت موريسو فحاولت العائلة استبعادها، ولكن على عكس ما فعلت جولي التي أعطتها حقها ولو عنوة عن رأي العائلة فيها! ولعل جولي، من خلال تركيزها على شخصية ماري وشبيهاتها من الفتيات الفرنسيات الخارجات عن "الخط المستقيم" عرفت كيف تعبر ولو مواربة عن ذاتها، ليس طبعاً لأن قمعاً عائلياً كان يترصدها، بل لأنها اختارت أن تكون كذلك معبرة عن تطلعات الآخرين معتبرة إياها تطلعاتها الخاصة، على أية حال.