Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم رسم مانيه آلامه وأحزانه من خلال جنازة بودلير

بدا مؤسس الانطباعية الفرنسية المشاكس في واحدة من أكثر لوحاته ذاتية وغموضاً وسواداً

يحمل موظفون لوحة إدوارد مانيه التي تحمل عنوان "صورة شخصية مع لوحة" لبيعها في مزاد علني (2010 - أ ف ب)

ملخص

تختصر لوحة جنازة بودلير قوة تأثر الفرنسي إدوارد مانيه بالفن الإسباني وتميزه بين الانطباعيين بالمواضيع الفجائعية وقوة دنوه بخاصة من موضوع الموت والمعاناة في بعض لوحاته الأكثر مأسوية

من يشاهد لوحة "الدفن أو جنازة بودلير" للفنان الفرنسي إدوارد مانيه للوهلة الأولى سيخيل إليه أنها وفي المقام الأول مجرد مسودة بحجم صغير لواحدة من أشهر اللوحات الإسبانية، لوحة توليدو (أو طليطلة في الاسم العربي السائد) للفنان الإسباني من أصل يوناني الجريكو.

وقد يتساءل المرء خلال الثواني الأولى عما يجعل اللوحة تعد لوحة انطباعية، بل من رسم سيد الانطباعيين وتشاكس على ذلك التيار المهم جداً في تاريخ الفن التشكيلي الأوروبي، ثم يتساءل عما ردع الفنان عن توقيعها؟ ثم ما الذي جعل تلك اللوحة تغيب عن الأنظار عقوداً من السنين ليتبين في النهاية أن توقيع اللوحة نفسه لم تخطه ريشة مانيه، بل أضافته زوجة هذا الأخير بعد موته مع أنه لم تكن ثمة حاجة إلى ذلك ما دام موضوع اللوحة نفسه يشي تماماً بتاريخ رسمها؟ فموضوعها جنازة الشاعر بودلير الذي كان - كناقد فني - ذا سطوة في باريس في زمنه، ومن كبار داعمي ذلك الرسام ومناصره في إفلاتاته المتكررة من التيار الذي خلقه بنفسه فاعتبر معظم السائرين الأول على خطاه تلاميذ له.

صعوبة ما

ومهما يكن من أمر هنا حتى وإن كان من الصعب أن يخمن مشاهد "جنازة بودلير" حتى خلال تأمله الطويل والمتعمق للوحة التي تحمل تاريخ عام 1870 أنها من رسم بودلير وتنتمي حقاً إلى الانطباعية التي ستولد في تلك المرحلة التاريخية، فإن الأمر سينتهي به للوصول إلى إجابات شافية لعدد من الأسئلة التي سيكون قد طرحها، بل سيتوصل إلى التيقن من أنها لمانيه، لكنها تنتمي إلى ما يمكننا اعتباره مرحلته الإسبانية يوم تعمق في لوحات بداياته في التعبير عن تأثره بالفنانين الإسبان الكبار من الذين اتسمت واقعية أعمالهم بفجائعية لم يكن إفراطهم في استخدام اللون الأسود وتحلقهم حول موضوعة الموت الدرامية، الأداة الوحيدة للتعبير عنها.

ومن هنا لا بد أن نرى في هذه اللوحة فرصة لمانيه مكنته، وهو على وشك الوصول إلى تلك التوليفة اللونية – الخطية، ولا سيما في التعامل مع الطبيعة، التي كانت في خلفية ولادة الانطباعية من تحقيق تلك اللوحة الغريبة.

وفي هذا السياق قد يمكننا القول أيضاً على هامش هذا الموضوع، إن مانيه كان ويبقى قبل الانطباعية وبعدها، أكبر المشاكسين على تياره الخاص وأقل ممارسيه التزاماً به. وانطلاقاً من إفراطه الدائم في استخدام اللون الأسود والألوان الغامقة عموماً، وليس في رسم خطوط سوداء تحديدية أو كما بالنسبة إلى زميله رينوار، كعنصر إضافي لإبراز ألق الألوان الأكثر زهواً، وبخاصة في المشاهد الخارجية وما كان أكثرها لدى الانطباعيين! ولعل هذه اللوحة بالتحديد تختصر لنا ذلك كله.

تأثير إسباني مبكر

تختصر اللوحة نفسها قوة تأثر مانيه بالفن الإسباني، وتميزه بين الانطباعيين بالمواضيع الفجائعية، وقوة دنوه بخاصة من موضوع الموت والمعاناة في بعض لوحاته الأكثر مأسوية... إلخ. وفي هذا السياق ينضوي إذا ذلك الشعور الذي يخامر مشاهد "جنازة بودلير" للوهلة الأولى فيربطها – وربما في لعبة خداع بصر متعمدة – بلوحة الجريكو التي أشرنا إليها.

ولعل علينا أن نتوقف هنا عن هذه المقارنة لننصرف إلى حكاية اللوحة نفسها لفرادتها وغرابة سيرتها في تاريخ فن مانيه. فهذه اللوحة يمكننا النظر إليها في البداية على أنها تعبيرية بأكثر مما هي انطباعية بكثير – وعلى أي حال فإن كلمة انطباعية لم تستخدم في تسمية التيار الجديد إلا بعد ذلك بأربع سنوات وربما على سبيل السخرية من لوحة "انطباع شروق شمس" (1874) لكلود مونيه تلميذ مانيه الأثير في ذلك الحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونحن لئن كنا نشير هنا إلى تعبيراتها فما ذلك إلا لأنها وعلى عكس ما فعله التيار الانطباعي، إنما أتت أول الأمر لتعبر عن أعلى درجات حزن الرسام إزاء موت صديقه الناقد – الشاعر، وذلك في لحظة دفن بودلير التي خلدتها تلك اللوحة التي عرفت عموماً بعنوان آخر هو "الدفن" حتى وإن كان في تركيب جمهرة الحضور ما يوحي بأن الموكب الجنائزي لا يسير في طريقه، بل توقف ليدفن جثمان الراحل، بالتالي في تحديد لحظة النهاية المرعبة التي أراد مانيه أن يثبتها على اللوحة ولكن، ليس كحدث يخبرنا به، بل من خلال تصويره لقوة الحزن الذي انتابه هو نفسه إزاء تيقنه أخيراً من حدوث ذلك الفقدان النهائي، بالتالي ما لدينا هنا هو بالتأكيد واحدة من أكثر اللوحات ذاتية من إنتاج فنان أراد أن يرسم ذاته ومشاعره الخاصة، وربما إرهاصه بنهايته من خلال نهاية صديقه، ولكن هنا وفي هذا السياق بالذات وبعد أن قلنا في السطور السابقة ما قلناه، قد يجدر بنا أن نتوقف عند مفارقة تثير الاستغراب.

تفاوت مقصود في التواريخ

الحقيقة أن بودلير دفن في الثاني من سبتمبر (أيلول) 1867، لكن اللوحة نفسها لم تظهر إلا في عام 1870 وستقول أرملة الرسام لاحقاً أنه رسمها تحديداً خلال مشاركته في الجنازة أو على الأرجح في الأيام القليلة التي تلت الجنازة نفسها. فما الحكاية؟ الحكاية ببساطة هي أن الرسام شرع في إنجاز اللوحة تحت تأثير الجنازة بالفعل، ولكن يبدو أنه لحزنه عجز عن استكمالها فحفظها في مكان قصي من محترفه مكتفياً بما حاوله فيها من "تعبير" عن حزنه الخاص وفجيعته معترفاً بينه وبين نفسه أن الحزن الذي يغمر المشهد حزن خاص به وسيفقد تأثيره عليه إن هو شارك الآخرين فيه، ثم عاد للوحة مرة ثانية في مناسبة غير واضحة واستكملها مفضلاً على أي حال أن تبقى مخبوءة بعيداً من أعين الآخرين.

وعلى ذلك النحو حافظت عليها أرملته لما بعد موته وحتى عام 1894 حين أرختها على سجيتها لتبيعها إلى تاجر لوحات من مشاهير ذلك الزمن. وهذا الأخير سرعان ما باعها في ذلك الحين إلى الرسام بيسارو صديق مانيه المقرب والذي كان يعرف أن الرسام شاء أن تبقى اللوحة إلى الأبد بعيدة من أعين العموم، وكان شراؤه لها وسيلته لتنفيذ إرادة مانيه.

 

 

ومن هنا ظهر ذلك الارتباك في معرفة التاريخ الحقيقي لإنجاز اللوحة حتى وإن كان بيسارو أكد دائماً أن صديقه الرسام الكبير شرع في رسم خطوطها الأولى بعد دفن بودلير بأيام، وربما بساعات هو الذي كان بين القلة – كما يظهر في اللوحة نفسها – التي شاركت في الجنازة ذلك اليوم الحار والعاصف والذي يصوره مانيه بكل أمانة وتمازج لديه التشابك بين سماجة الطقس والمناخ الجنائزي في المقبرة ولم يفت الرسام أن ينقل بقدر كبير من الأمانة صورة بعض المشاركين في الجنازة أو الدفن وهم يلجأون هرباً عن عصف ريح مريع إلى ملجأ وقد تخلو عن الجنازة هرباً بأنفسهم.

الأكثر ذاتية في تاريخ الرسم

في نهاية الأمر لا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن مانيه إنما صور في هذا المشهد على الأرجح إرهاصه بموته الخاص وبفجيعته الخاصة تعبيراً على أي حال عن ذلك الشعور الغامض المريع الذي ينتاب المرء حين يشارك في جنازات المقربين منه ويجعل من حزنه عليهم حزنه الخاص.

ولا شك أن هذا كان في خلفية حرص الرسام على أن يبقي في المخبأ تلك اللوحة التي سيعدها المؤرخون والنقاد منذ اكتشافها وعرضها العام في متحف المتروبوليتان النيويوركي، واحدة من أكثر اللوحات ذاتية في تاريخ الفن كما أشرنا وأكثرها كآبة ما انعكس سلباً على شهرته ومكانتها في مسار إدوارد مانيه الفني، لأنها ستعد على أي حال واحدة من أقل لوحات إدوارد مانيه شهرة، بل سيصل البعض إلى إنكار نسبتها إلى مانيه ليرى بعضهم مثلاً أنها ربما تكون في أحسن أحوالها محاولة مبكرة من مانيه لمحاكاة لوحة الجريكو الشهيرة سارع إلى رميها في مخزن محترفه آملاً ألا يراها أحد، لكن أرملته فعلت ذلك ثم باعتها ليراها كثر من الناس ناظرين إليها كنموذج مبكر وسيئ من نتاجات الرسام الكبير.

المزيد من ثقافة