ملخص
حذر خبراء اقتصاديون مراراً من أن استمرار نشاط هذه الشبكات قد يؤدي إلى تكرار أحداث مشابهة لقضية بابك زنجاني، الذي خلال ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، تمكن من التحايل على العقوبات وبيع النفط الإيراني، لكنه لم يُعِد أكثر من 2.3 مليار دولار من العائدات، وحكم عليه بالإعدام، قبل أن يفرج عنه لاحقاً ويصف نفسه اليوم بأنه رجل أعمال أسهم في إنقاذ إيران عبر بيع النفط الخاضع للعقوبات.
عندما تحدث عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، في الأيام الأخيرة من ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمدينة أصفهان، عن "بركات العقوبات"، أثارت تصريحاته غضباً واسعاً بين المواطنين الذين يعيشون تحت وطأة ضغوط اقتصادية خانقة، وعدّ كثر أنها مثال صارخ على ذر الملح على جراح المجتمع العميقة.
في أدبيات النظام، تستخدم كلمة "البركة" مرادفاً لـ"المنفعة"، مع فارق يتمثل في تجريدها من الدلالات السلبية للمضاربة وإضفاء طابع عقائدي عليها. وقد بات الإيرانيون اليوم يدركون جيداً أن العقوبات تدر مكاسب مالية طائلة على ركاب القطار الخاص للثورة، إذ تتيح لهم بيع النفط الإيراني الخاضع للعقوبات في الأسواق الدولية، ثم الامتناع عن إعادة عائداته بكل غلظة. وهذا تماماً ما حدث خلال العام الماضي، إذ أقر كل من رئيس الجمهورية، وعدد من نواب البرلمان، وأعضاء الفريق الاقتصادي للحكومة، وحتى الرئيس الجديد للبنك المركزي، بأن "التراستيات" لم تسدد مبالغ ضخمة من عائدات بيع النفط، واحتكرت الدولارات، مما أسهم في ارتفاع سعر الصرف وخلق توترات في السوق. ومع ذلك لا يكشف أي منهم عن هوية هؤلاء الأشخاص على وجه التحديد، ولا عن الرقم الحقيقي للأموال التي نهبت من جيوب الإيرانيين، وكل ما يسمعه الناس هذه الأيام هو أن "التراستيات" لم تُعد نحو 8 مليارات دولار من عائدات بيع النفط.
صراع "التراستيات" وارتهان معيشة المواطنين
يطلق مصطلح "تراستي" Trustee في معناه القانوني على شخص أو كيان يتولى، بصفة ائتمانية ونيابة عن طرف آخر، حفظ الأصول أو إدارتها أو نقلها. ويقوم هذا الدور عملياً على مبدأ الثقة، إذ يلتزم الفرد أو الشركة بإعادة المال أو الأصل المؤتمن عليه إلى مالكه الأصلي وفقاً للعقد وفي الموعد المحدد. وعلى رغم أن "التراستي" مصطلح ذو دلالة تقنية وقانونية، فإن معادله في قاموس النظام الإيراني لا يتجاوز كونه الاتجار بالعقوبات. ففي إيران، يقصد بـ"التراستيات" أفراد وشركات يعملون وسطاء مكلفين بشراء وبيع النفط وسلع أخرى في الخارج وتحصيل عائداتها، بهدف إخفاء بصمة الدولة. وتتسلم هذه الأفراد أو الشبكات أثمان النفط والسلع من المشترين لإعادتها إلى إيران عبر مسارات غير قانونية، غير أن غياب الشفافية والضمانات القانونية حول هذا الدور عملياً إلى أداة للمضاربة، إذ لا يسدد جزء من عائدات بيع النفط أصلاً، أو تعاد الأموال بعد التأخير والتلاعب بها. ويستحضر الإيرانيون مثالاً صارخاً على ذلك في قضية بابك زنجاني.
في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أثار انتشار فيديو زفاف ابنة علي شمخاني الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، صدى واسعاً في الرأي العام ووسائل الإعلام. في الوقت ذاته، رجح بعض الناشطين المقربين من الحكومة أن يكون المنافسون من شركات "تراستي" وراء تسريب هذا الفيديو. وكتب علي قلهكي، ناشط إعلامي مقرب من السلطات، في تدوينة، أن الأمر قد يرتبط بالتنافس بين شركات "تراستي" تتخصص في التهرب من العقوبات.
وقبل ذلك، أشار حمزة صفوي نجل رحيم صفوي القائد السابق لـ"الحرس الثوري"، إلى أن جزءاً كبيراً من شحنات النفط الإيرانية يكشف عنه من قبل فرق التهرب من العقوبات بغرض تحقيق أرباح إضافية. واستشهد ببعض شحنات النفط وسفن الغاز المسال، مضيفاً أن الموضوع يصبح أكثر إثارة للاهتمام عندما نعلم أن حسين شمخاني مدير شركة "أدميرال" للنقل البحري. وعلى رغم ذلك، تشير الأدلة إلى أن "التراستي" ليسوا فرداً أو شخصين فحسب، بل هم شبكة من الأفراد والشركات ترتبط بصورة مباشرة بأشخاص في قلب بنية السلطة.
شبكة المستفيدين من عقوبات إيران
في تقرير نشرته مجلة "الإيكونوميست" في أكتوبر عام 2024 حول تجارة النفط الإيراني المخبأة، أشارت المجلة إلى أن شبكة بيع النفط الخاضع للعقوبات تدار عبر مجموعة محدودة تبلغ نحو 200 وسيط، معظمهم إيرانيون مزدوجو الجنسية أو يحملون إقامة وجنسية أجنبية، وأن هؤلاء الأفراد يمتلكون أو يديرون شركات وهمية في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، ويلعبون الدور نفسه الذي يعرف داخلياً باسم "تراستي". ولفت التقرير إلى أن هذه الشبكة لا تقتصر على بيع النفط وحسب، بل تتولى أيضاً مهمة تخزينه ونقله وإعادة توزيع العائدات النقدية الناتجة منه، وهي عائدات تتحرك خارج أي آليات مالية أو رقابية شفافة بسبب العقوبات. ولفتت "الإيكونوميست" إلى أن هذا النقص في الشفافية خلق بيئة للتنافسات داخل السلطة، واختفاء بعض الشحنات، والخلافات حول حصص الأرباح، مما أسهم في تكون شكل من أشكال الفساد الهيكلي. ووفقاً للتقرير، تنقل إيران سنوياً عشرات المليارات من الدولارات عبر البيع غير الرسمي للنفط باستخدام حسابات مصرفية وآليات مالية مخفية حول العالم، وهو ما وصفته المجلة بأنه كنز مخفي.
ويمكن تتبع أسماء بعض الأفراد والشبكات المتورطة في هذه التجارة غير الرسمية في البيانات الرسمية للعقوبات الأميركية والأوروبية. وتشير هذه الوثائق إلى دور حسين شمخاني، نجل علي شمخاني، في إدارة شبكة من شركات الشحن والتجارة المرتبطة ببيع النفط الإيراني، وتضم هذه الشبكة شركات مثل "أدميرال شيبينغ غروب"، و"ميلاووس غروب"، و"أوشن ليونيد إنفستمنتس"، و"بتروكيميكال كومرشال كومباني".
وفي حزم عقوبات أخرى، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية أسماء أشخاص مثل إلياس نيرومند طوماج، مدير شبكة شركات وهمية في الإمارات، ووليد خالد حميد السامرائي، كلاعبين رئيسين في نقل وخلط النفط الإيراني الخاضع للعقوبات.
وشملت قائمة العقوبات اثنين من القباطنة الهنود، كتن أغاروال ولينكلن فرانشيسكو فيغاس، لقيادتهما السفن حاملة النفط الإيراني، في وقت ذكرت وكالة "رويترز" اسم سليم أحمد سعيد كفرد مرتبط بشبكة تقوم بإدخال النفط الإيراني إلى الأسواق على أنه نفط عراقي عبر تغيير المستندات والمصدر.
هذه الأسماء، المستخلصة في الغالب من وثائق العقوبات الأميركية والبريطانية والتقارير الإعلامية، تمثل جزءاً من قائمة اللاعبين الرئيسين في شبكة بيع النفط الإيراني الخاضع للعقوبات. ومع ذلك فإن هذه القوائم لا تعكس كامل حجم الشبكة، إذ إن عدد الأفراد المشاركين أكبر بكثير، وإن كثيرين منهم يواصلون نشاطهم في الظل عبر شركات وهمية وهياكل معقدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستويات السلطة في إيران.
وفي تقرير نشرته صحيفة "شرق" الإيرانية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، ذكر أن الأفراد المعروفين في المصطلحات الرسمية باسم أمناء أو "تراستي"، الذين يسهلون بيع النفط الإيراني، غالباً ما يوجدون في دول مثل الإمارات وتركيا وعمان، ويبلغ عددهم نحو 100 فرد أو كيان، وقد جمعوا أرباحاً تقدر بنحو 50 مليار دولار نتيجة الفساد المنظم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مافيا "التراستي" القوية في إيران
في مايو (أيار) عام 2024، وبعد إعلان علي رضا زاكاني، عمدة طهران، أنه وقع، خلال زيارته الصين، عقوداً لبناء عربات المترو وشراء حافلات وسيارات أجرة كهربائية، ظهرت مستندات تكشف عن أن زاكاني وقع العقد مع شركة هندسية وإنشائية متخصصة في بناء الجسور والأنفاق، وليس لها أي خبرة أو سجل في إنتاج أو توفير وسائل النقل الكهربائية.
وبعد انتشار الخبر على نطاق واسع، دافع مالك شريعتي، عضو البرلمان، عن خطوة عمدة طهران، وكتب في منشور على شبكة "إكس" "في ظل العقوبات النفطية، تحدد شركات التراستي، بعد مصادقة لجنة مكافحة العقوبات التابعة لأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، مصادر التمويل الأجنبي لعقود استيراد السلع الأساسية والأدوية وغيرها من الحاجات، بما في ذلك عربات المترو والحافلات وغيرها"، وأضاف شريعتي أن قرارات اللجنة سرية وأن الكشف عنها يعد خيانة، مؤكداً أن المطالبة بالشفافية في هذا الإطار ليست ممكنة، بل تعد من منظور صناع القرار نوعاً من الحماقة.
وأشار هذا التصريح بوضوح إلى ثلاث نقاط رئيسة: أولاً أن الاستفادة من العقوبات في النظام الإيراني لا تقتصر على قطاع واحد، بل تشمل طيفاً واسعاً من السلع المستوردة والمصدرة، من الغذاء والأدوية إلى الحافلات وسيارات الأجرة. ثانياً أن هذه القرارات تتخذ في أعلى مستويات السلطة الأمنية. وثالثاً أن احتمال استفادة مسؤولين رفيعي المستوى مالياً من العقوبات بما يتناسب مع مواقعهم ليس مستبعداً، والدفاع عن عقد زاكاني عمدة طهران مع شركة غير متخصصة يعكس هذا الواقع.
حكاية مليارات الدولارات المفقودة
وسط هذه الأجواء، قال رئيس البنك المركزي الإيراني السابق ولي الله سيف، في مقابلة حديثة مع موقع "انتخاب"، إن النظام الإيراني لا يملك وسيلة لبيع النفط في ظل العقوبات سوى الاعتماد على "التراستي". وأضاف أن مسؤولية الإشراف على آلية اختيار هذه الشركات تقع على عاتق الهيئة الخاصة للتدابير الاقتصادية.
وتأسست هذه الهيئة منذ عقدين تقريباً، تزامناً مع تشديد العقوبات الدولية، كهيئة ذات صلاحيات استثنائية مصممة لاتخاذ القرارات في حالات الطوارئ الاقتصادية. وتتألف عضويتها من أعلى المسؤولين التنفيذيين والأمنيين والاقتصاديين، ويترأسها نائب الرئيس الإيراني، بينما يتولى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي مهمة الأمانة العامة للهيئة، ما يربطها عملياً بالمجلس ويبرز دور علي شمخاني في تشكيل شبكة "التراستي".
وتضم الهيئة أيضاً وزيري الاقتصاد والنفط والشؤون الخارجية، ورئيس البنك المركزي، ورئيس منظمة التخطيط والموازنة، إضافة إلى وزراء الصناعة والاستخبارات، وممثلين عن السلطة القضائية والبرلمان. وبعبارة أخرى، يشرف هذا الكيان على كامل هيكل السلطة ويكلف بأهم المهام المتعلقة بتصميم وتنفيذ آليات التهرب من العقوبات، بما في ذلك بيع النفط غير الرسمي. ومن هنا، يمكن تصور أن كل طرف في هذه البنية يسعى إلى الاستفادة من العقوبات باسمه وبحسب موقعه، مع تنافس شديد بينهم، وهو ما يظهر بوضوح في الأحداث الأخيرة.
في هذا السياق، أعلن رئيس لجنة الدمج في البرلمان غلام رضا تاج غردون، في 30 ديسمبر الماضي، أن المبلغ المالي الذي لم يعد إلى إيران من عائدات النفط يبلغ نحو 8 مليارات دولار. وكان نائب رئيس لجنة الأصل 90 حسين علي حاجي دليكاني، قد ذكر سابقاً أن المبلغ غير المعاد يقدر بـ6.7 مليار دولار. وتحدث رئيس البنك المركزي الجدي عبدالناصر همتي عن تسرب "التراستي" بنسبة 15 إلى 20 في المئة، حتى مع إعادة بعض الأموال.
ووفقاً لتقرير وكالة "فارس" التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني"، حققت شبكات "التراستي" نحو 150 مليون دولار أرباحاً من عائدات النفط خلال عام واحد فحسب، حيث يحتفظ هؤلاء الوسطاء بالأموال لفترات تراوح ما بين شهرين وسنة، ويحققون أرباحاً ضخمة من دون أي نشاط اقتصادي فعلي.
وحذر خبراء اقتصاديون مراراً من أن استمرار نشاط هذه الشبكات قد يؤدي إلى تكرار أحداث مشابهة لقضية بابك زنجاني، الذي خلال ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد، تمكن من التحايل على العقوبات وبيع النفط الإيراني، لكنه لم يُعد أكثر من 2.3 مليار دولار من العائدات، وحكم عليه بالإعدام، قبل أن يفرج عنه لاحقاً ويصف نفسه اليوم بأنه رجل أعمال أسهم في إنقاذ إيران عبر بيع النفط الخاضع للعقوبات.
كل هذه المعطيات توضح سبب استمرار بعض أركان السلطة الإيرانية في التعامل الإيجابي مع العقوبات، بل وتعزيزها عبر سياسات خارجية تصاعدية، إذ توفر العقوبات غطاء لتحويل الاقتصاد بعيداً من المسارات الرسمية إلى شبكات غير شفافة، ويصبح الربح الناجم عن العقوبات مصدراً مستداماً للربح والنفوذ، وكلما زاد ضغط العقوبات، اتسع نطاق الأموال والامتيازات لهذه الشبكات الخفية.